) بقية المنشور في العددين الماضيين (
وكان على بن أفلح أبو القاسم الكاتب ) المتوفي سنة ٥٣٣ ه ( وهو أحد سراة القوم ؛ قد أنشأ درا ببغداد ، ادخل الحيري بكمين " في جملة بنائها . وكان المسترشد بالله خلع عليه ولقبه جمال الملك ، " وأعطاء أربعة أدر في درب الشاكرية ، وكان هو قد اشتري دورا إلي جانبها ، فهدم الكل وأنشأ دارا كبيرة ، وأعطاه الخليفة خمسمائة دينار ، وأطلق له مائة جذع ، ومائتي الف آجرة . .
فظهر أنه يكاتب دبيسا ، وأمر المسترشد بنقض داره ) هذه ( ، وكان قد غرم عليها ألف دينار ) لعله سقط شئ ( . وكان طولها ستين ذراعا في اربعين ، وقد اجربت بالذهب ، وعملت فيها الصور . وكتب الشعر على أبوابها وشبابيكها وطرزها ، وقد كتب على الحيري الذي فيها شعر :
وناد كأن جنان الخلود أعارته من حسنها رونقا
وأعطته من حادثات الزما ن ألا نلم به موثقا
فأضحى بنيه على كل ما بني مغربا كان أو مشرقا
تظل الوفود به عكفا وتمسي الضيوف له طرقا
بقيت له يا جمال الملو ك والفضل مهما أردت البقا
وساله فيبك ريب الزمان ووقيت منه الذي يتقي(1)
6 - السدلى او الخيري بكمين في سورية ومصر
لم ينحصر طراز " الحيري بكمين " في العراق بل تعداه إلي بعض الديار الإسلامية الأخرى ، ففي سورية
بني القصر المعروف ب " المشني " علي هذا الطراز . كما انه انتشر في مصر ، وأكثر ما اتخذ هنالك في قصور الخلفاء والأمراء فقد نقل المقريزى ) المتوفي سنة ٨٤٥ ه ( بعض أخباره ، قال يصف سماط شهر رمضان وسحور الخليفة ، ويشير إلي السدلي أي الحيري بكمين : قال ابن
المأمون ، وقد ذكر اسمه ) شهر ( رمضان وجلوس الخليفة بعد ذلك في الرؤشن إلي وقت السحور ، والمقرئون تحته يتلون عشرا . . ولم يزالوا إلي أن انقضي من الليل أكثر من نصفه ، فحضر بين يدي الخليفة أستاذ بما أنعم
به عليهم وعلى الفراشين . . ثم جلس الخليفة في السدلي التي كان بها عند الفطور ، وبين يديه المائدة معبأة جميعا . وقام الخليفة وجلس بالباذهنج ) ١ ( " .
وفي مكان آخر أسهب في وصف هيئة جلوس الخليفة بمجلس الملك ؛ فما ذكره : " فيسير ) الخليفة ( من مكان ترجله عن دابته بدهليز المسود إلي مقطع الوزارة وبين يديه أجلا ، أهل الإمارة ؛ كل ذلك بقاعة الذهب التي كان يسكن السلطان بالقصر ، وكان الجلوس قبل ذلك بالإيوان الكبير
الذي هو خزائن السلاح في صدره على سرير الملك ، وهو باق في مكانه إلي الآن من هذا المكان إلي آخر أيام المستعلي ثم إن الأمر نقل الجلوس إلي هذا المكان واسمه مكتوب بأعلى باذهنجه إلي اليوم ، ويكون المجلس المذكور معلقا فيه سنور الديباج . . وفي صدره المرتبة المؤهلة لجلوسه في
هيئة جليلة على سرير الملك المغشي بالقرقوبي ، فيكون وجه الخليفة عليه قبالة وجوه الوقوف بين يديه ؛ فإذا تهبأ الجلوس ، استدعي الوزير من المقطع إلي باب المجلس المذكور وهو مغلق وعليه ستر ، فيقف بحذائه وعن يمينه زمام القصر ، وعن يساره زمام بيت المال ) فإذا انتصب الخليفة على المرتبة وضع أمين الملك مفلج . . وخرج من المقطع الذي
يقال له فرد الكسم ؛ فإذا الوزير وأقف أمام باب المجلس وحوالية الأمراء ويقف الامراء في أما كنهم المقررة . فصاحب الباب واسفهلا العساكر من جانبي الباب يمينا وبسارا ، ويليهم من خارجه لاصقا بعتبته زمام الأمر به والحافظية كذلك ثم يرئبهم على مقاديرهم ، فكل واحد
لا يتعدي مكانه هكذا إلي آخر الرواق ، وهو الإفريز العالي عن ارض القاعة ، ويعلوه الساباط على عقود القناطر الى على العهد هناك ؛ ثم أرباب القضب والعماريات يمنة وميسرة . ويقف مستندا للصدر الذي يقابل باب المجلس بواب الباب والحجاب (1)
وبني ابن طولون قصرا عظيما بمصر ، وكان وجه القصر " ثلاثة أبواب كأكبر ما يكون من الأبواب ، وكانت متصلة بعضها بعض ، واحد بجانب الآخر . وكان ابن طولون إذا ركب يخرج معه عسكر متكائف الخروج على ترتيب حسن بغير زحمة ، ثم يخرج ابن طولون من
الباب الأوسط من الأبواب الثلاثة بمفرده من غير أن يختلط به أحد من الناس ، وكانت الأبواب المذكورة تفتح كلها في يوم العيد ، أو يوم عرض الجيش ، أو يوم صدقة ، وما عدا هذه الإيام لا تفتح إلا بترتيب في أوقات معروفة (3)
الخاتمه
عاش هذا الطراز من البناء عمرا مديدا ، وليد في ديار الغرب ، وانتقل إلي ربوع الشرق ايام الجاهلية ؛ فشب فيها ، وازدهر في العصر العباسي ، وانتقل إلي غير قطر من الأقطار الإسلامية ، وما زال في قيد
الاستعمال حتي يومنا هذا ؛ إذ أنه يري في بلاد تونس حيث يسعي الإيوان المتوسط ، أو الصدر حسب تعبير المسعودى باسم ( القبو) كما يسمي كل من الكمين ناسم " المقصورة " ويسمى الرواق باسم " التركيبة (1).
كما أنه يشاهد في العراق في كثير من الدور المشيدة في فلسفة متتينة كركوك ، والأمر ذاته في أكثر الدور القديمة في مدينة الموصل .
قال الدكتور هرسفلد : إن العرب أجادوا في وصف هذا البناء احسن الإجادة ، ولقد صدقوا في قولهم إن ) الحيري بكمين ( هو مثال عسكر روماني ذاهب إلي الحرب بجناحين ميمنة وميسرة(2)
بغداد

