الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 199 الرجوع إلى "الثقافة"

من ملاحق كتاب " رسوم دار الخلافة " :، الحيرى بكمين

Share

{ تابع المنشور في العدد الماضي}

السدلي في دار المملكة ببغداد

شأن هذه الدار خطير في ماجريات دولة بني العباس ، وهي لا تقل شهرة وخطراً عن دار الخلافة ، لما كان يجري فيها من الاحتفالات العظيمة ، والأمور الجليلة ؛ وهي التي سعى بتشييدها على أجمل طراز من سدلها ، وخزائنها وبساتينها ،

وبركها ، ورواشها وباقي مرافقها ، بنو بويه  ؛ من معزها ، وعزها ، وعضدها ، وصمصامها ، وركنها ، وعمادها . وبـهائها ؛ ومن جلس منهم مجلس الملك والإمارة ،

وقد شهدت هذه الدار بما فيها سدلها الشهير ، أجمل احتفال جري فيها ، وكان ذلك في سنة ٣٧٦ ه ؛ يوم حضور " ورد " عظيم الروم ، ودعنا نستل خبر هذا الاحتفال التاريخي من شاهد عيان ، هو هلال بن المحسن الصابي المولود سنة ٣٥٩ ه ، فقد شهد هذا الاحتفال في ريعان شبابه ، إذ كان وهو دون العشرين من عمره يعمل في ديوان الإنشاء .

قال هلال : " ولقد شاهدت في أيام صمصام الدولة وسنة ست وسبعين وثلثمائة (1) حضور " ورد " عظيم الروم في

دار المملكة (1) ؛ وكان انهزم من بين يدي " بسيل " ولجأ إلى عضد الدولة مستنجداً به ، فقبض عليه بميافارقين ، وحمله إلي بغداد ، فاعتقل إلي أن مات عضد الدولة ، وأقر علي الاعتقال إلي آخر أيام صمصام الدولة  . ثم سأل فيه زياد بن شهرا كويه صاحب الجيش إذ ذاك بإطلاقه وتسريحه إلي بلده

فأطلق وفسح له في التوجه ، بعد أن شرطت عليه شروط وعقدت معه عقود . وكان شرح الحال في حضوره : أن فرشت دار المملكة بالفروش العضدية المستعملة لمجالسها ، وعلقت الستور الديباج على جميع أبواب بيوتـها وصحونـها وممراتـها ودهاليزها ، وأقيم الديلم من دجلة وإلى حضرة صمصام الدولة على مراتبهم صفين ، بأجمل لباس ، وأبـهي

عدد ، وسلاح وفي أيديهم وأيدي غلمانـهم الزوينات والتراس والغلمان الدارية والخدم يرسمهم وقوف في طول الروشن ، بالبزة الجميلة . وجلس صمصام الدولة في السدلي المذهب ، على سدة كبيرة ، من تحتها نـهر مرصص يجري فيه الماء ،

وقد وضعت بين يديه الكوانين الذهب فيها قطع العود تتقد وتبخر . ووافي ورد وأخوه وابنه بين السماطين ؛ وعلى ورد القباء والمنطقة ، وبين يديه الحجاب بالسيوف والمناطق المحزوزة ، وسلم على صمصام الدولة ... وانصرف من باب غير الباب الذي دخل فيه " ... (2)

5 - العقارى  (أو الحيري ) بكمين

الحاري والحيري نسبة إلي الحيرة ، يطلق علي نوع من الثياب (1) منسوب إلي المدينة المذكورة . ومنه جاء تسمية هذا البناء بـــــــ " الحيري بكمين (2) " . ونسبة الحارى إلي الحيرة نسبة شاذة . ففي التاج أن " النسبة إليها ( إلي الحيرة ) حيري علي القياس ، وسمع حاري علي غير قياس (3) " .

قال عمرو بن معدي كرب :

كأن الإثمد الحاري منها

                 يسف بحيث تبتدر الدموع (4)

وقد أجاد المسمودي ( المتوفي سنة ٣٤٦ ه )في وصف هذا البناء أحسن الإجادة . وإليك ما قال : " ... وأحدث المتوكل في أيامه بناء لم يكن الناس يعرفونه وهو المعروف بالحيري والبكمين والأروقة ، وذلك أن بعض سماره حدثه في بعض الليالي ، أن بعض ملوك الحيرة من النعمانية من بني نصر أحدث بنياناً في دار قراره (5) وهي الحيرة ؛ علي صورة

الحرب وهيئها للهجه بها وميله إليها ، لئلا يغيب عنه ذكرها في سائر أحواله ؛ فكان الرواق فيه مجلس الملك وهو الصدر ، والكمان ميمنة وميسرة ، ويكون في البيتين الذين هما الكمان من يقرب إليه من خواصه ، وفي اليمين منها خزانة الكسوة ، وفي الشمال ما احتيج إليه

من الشراب ، والرواق قد عم فضاؤه الصدر والكمين والأبواب الثلاثة علي الرواق ، فسمى هذا البنيان إلي هذا الوقت بالحيري (1) والكمين ، إضافة إلي الحيرة ، واتبع الناس المتوكل في ذلك التماماً بفعله واشتهر إلي هذه الغاية " (2)

ومن أخبار الحيري بكمين ما ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في أحداث سنة ٥١٥ ه التي جري فيها الخلع على السلطان محمود وعلى أخيه ، وكان الاحتفال " يوم الاثنين رابع عشرين شعبان ؛ جلس المسترشد في الدار الشاطئية المجاورة للمثمنة ، وهي من الدور البديعة التي انشأها المقتدي وتممها المسترشد ؛ فجلس في قبة على سدة وعليه الثوب

الصمت الأسود ، والعمامة الرصافية ، وعلى كتفه بردة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبين يديه القضيب ؛ وحضر الدار وزيره أبو علي بن صدقة ، ورتب الأمور ، وأقام في كل باب حاجباً بمنطقة ؛ ومعه عشرون غلاماً من الدار ،

وانفرد حاجب المخزن ابن طلحة في مكان ومعه التشريف ، وجلس الوزير في كم الحاري (3) ، واستدعي أرباب المناصب . . ثم أمر الخليفة بإفاضة الخلع عليه ، فحمل إلي مجنب البهو ومعه أخوه . " (4)

وانتشر طراز " الحيري بكمين" في العراق أيام

بني العباس - خاصة في بغداد وسامراء (1) - وكان الخلفاء والأمراء والسلاطين ، والأماثل والأعيان ، يغالون في ترتيبه وتجميله  ؛ حتى إن قصر التاج الذي باشر المعتضد بعمارته في بغداد ، وأتمه ابنه المكتفى ، كان صورة مكبرة للطراز الحيري ، " فكان وجهه مبنياً علي خمسة عقود ، كل واحد منها على عشرة أساطين ، والأسطوانة خمسة أذرع (2)"

وكذلك القصر المعروف بـــ " الأخيضر " الذي شيد في جنوب غربى  كربلاء علي بعد نحو من خمسة وخمسين كيلو متراً ، شيدت بعض أقسامه علي الطراز الحيري بكمين (2) .

( بغداد )       (للبحث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية