تمهيد
قيل قديما : العمائم تيجان العرب . وقد وصفها أبو الأسود الدؤلي بقوله : " جنة في الحرب ، ومكنة من الحر ، ومدفأة من القر ، ووقار في الندي ، وواقية من الأحداث ، وزيادة في القامة ، وهي تعد عادة من عادات العرب ، وقال عمرو بن امريء القيس
يا مال والسيد المعمم قد يبطره ، بعد رأيه السرف
نحن بما عندنا وأنت بما عن دك راض والرأي مختلف (3)
فهذا خير وصف يصور لنا العمامة ومنزلتها عند العربي ، وهو الذي يفخر بها ويتباهي ، ويحرص عليها حرصه على سيفه وإبله . والعرب لم يكتفوا بلبسها ، بل تعدي الأمر إلى ان يستفيدوا منها من غير هذا الوجه ، " لأن العمامة ربما جعلوها لواء ؛ ألا تري أن الأحنف ابن قيس يوم " مسعود بن عمرو حين عقد لعبس ابن طلق اللواء إنما نزع عمامته من رأسه فعقدها له ، وربما شدوا بالعمائم اوساطهم عند المجهدة وإذا طالت العقبة ، ولذلك قال شاعرهم :
دفعنا إليه وهو كالذبح حاظيا تشد علي أكبادنا بالعمائم
وقال آخر :
خليلي شدوا لي بفضل عمامتى على كبد لم يبق إلا صميمها ( ١ )
واخبار العمائم مما يطول شرحه ويعسر مناله في مقال ، لأن أخبارها منثورة في كثير من الكتب العربية القديمة ، فضلا عن أن غير واحد من المؤلفين الأقدمين والمحدثين أفرد لها كتابا قائما بذاته ) ٢ ( .
ومرادنا في هذا البحث أن نتناول رسوم لبسها ونرعها في حضرة العظماء ، وفي دورهم ، فإن في ذلك طرافة أدبية وتاريخية .
1- تحريم نزع العمائم في دور العظماء وبحضرتهم
كان من الرسوم المتبعة عند دخول الناس على الخلفاء وعلى الأمراء ، وعلى السادة والعظماء ، ان يدخلوا وهم معممين ، " لأن ذلك اشبه بالاحتفال وبالتعظيم والإجلال ، وأبعد من التبذل والاسترسال ، وأجدر ان يفصلوا بين أنسهم في منازلهم ومواضع انقباضهم (3)
ولكن بعض الناس وبينهم من له جلالة ورياسة ، كانوا يدخلون دور العظماء من خلفاء وأمراء وسلاطين لقضاء أشغالهم ، ولم يراعوا الرسوم المتبعة بشأن العمائم
وغيرها من لباس الرأس ؛ إذ كانوا ينزعونها ظننا منهم أن أمرهم يغفل لا يرفعه أصحاب الأخبار إلي الخليفة ، أو إلي الأمير ، أو إلي السلطان ؟ لكن الأمر جري علي الضد من ذلك ، فلاقوا من الأمر أرذله ، ومن الإهانة أقبحها . فمن ذلك ما رواه محمد بن عبدوس الجهشباري ) المتوفي سنة ٣٣١ لهجرة ( قال : " وكان عيسي ) بن عبد الرحمن ( كاتب طاهر ) بن الحسين ( لما دخل مجلس الفضل ) بن سهل ( نزع قلنسوته وجعلها إلي جانبه ، ثم فعل ذلك مرارا ، فقال نعيم بن حازم ليعقوب بن عبد الله ؛ وكان يعقوب آلفا لعيسي : إن العباس - يعني عيسى - إذا جلس في مجلس الأمير - يعني الفضل - رغم قلنسوته عن رأسه ، وهذا استخفاف منه بالأمير ، وقد أنكره الناس وتكلموا فيه ، فأعلمه ذلك ليمسك عنه فيما يستقبل ، فإنه إن عاود دنوت منه ورددتها على رأسه بعنف وإنكار . فقال يعقوب لعيسي ذلك . فقال له : بأي شيء رددت عليه ؟ قال : قلت له : إنه محرور ، ولعله قد استأذن الأمير في ذلك ، أن كان لا يجهل ما يأتي ويذر . فقال : والله ما بي أني محرور ، وما استأذنت ، ولكني أريد أن يعلم الفضل أولا ، ثم من حوله ، أنه أهون على وأدق في عيني ما دام صاحبي - أعزه الله - حيا ، من هذه الشعرة - وقلع شعرة من عرف دابته - ومن فوق نعيم ، فضلا عن نعيم ، أشد تهيبا للإقدام على بشيء أنكره ، فلا يد خلك من قولهم شيء ، وعرف نعيم بن حازم ما قلته ) ١ (
ونظير هذا الخبر ما ذكره هلال بن المحسن الصابيء بقوله : " وحدثني جدى ( أبو اسحق إبراهيم الصابيء )
أن المكني أبا الهيثم حضر يوما في دار عضد الدولة ، وأخذ عمامته من رأسه ووضعها بين يديه ، ورآه بعض أصحاب الأخبار ، فكتب بما كان منه ، وخرج أستاذ دار فحزق به وشتمه ، وأخذ العمامة من رأسه وضرب بها رأسه حتى تقطعت قطعا ، ووكل به واعتقله . فسئل فيه عضد الدولة ، وقيل : هذا رجل محرور الرأس ولا يستطيع ترك العمامة على رأسه ، وإنما فعل هذا لذاك ، لا لجهل بأدب الخدمة . فبعد مراجعات ما ، أمر باطلاقه " ) ١ ( ثم ذكر خبرا طريفا بهذا الشأن في عرض كلامه على قوانين الحجابة ورسومها ، قال فيه : " . . وحدثني إبراهيم بن هلال جدي ، قال : حدثني جعفر بن ورقاء الشبياني ، قال : كنت في أيام المعتضد رحمة الله عليه ، مع نظرائي من أولاد الأمراء والقواد ، مرسومين بالمقام في الدار ) دار الخلافة ( على رسم الخدمة بنوائب كانت لنا ! وكنا نجتمع في حجرة نستريح فيها بعد انقضاء الخدمة وانصراف الركب ، فننزع خفافنا ، ونضع عمائمنا عن رؤوسنا ، ونلعب بالشطرنج والنرد . فاطلع علينا أحد أصحاب الأخبار في الدار ، فكتب بخبرنا إلي المعتضد بالله ونحن لا نعلم فلم يبعد أن خرج خادم صغير من خواص الخدم ، وفي بدء الفصل المرفوع في أمرنا ، وعلى ظهره توقيع بخط المعتضد بالله رحمة الله عليه ؛ حكايته : يستصفعون وما لهم من صافع ، فسلمه إلي خفيف السمر قندي الحاجب ، وصنع الله لي أن لم يكن ذلك في يوم نوبتي ؛ فحين وقف على الفصل والتوقيع انزعج ونهض واستدعي من كان في النوبة ، فضرب كل واحد منهم عدة مقارع ، فما رئي بعد ذلك إلا لازم للتوفر على الخدمة ، متجنب للتبذل " ) ٢ (
وقد روي هلال فيما نقله عن جد إبراهيم الصابيء
الذي خدم الخلفاء والأمراء والسلاطين ، وبرع في آداب الخدمة ورسومها ، عدة أخبار في هذا الباب ، وكأنه رواها لتكون موعظة بليغة وسبيلا ممهدة لمن يهم بالدخول على دور هؤلاء العظماء . قال هلال : وحدثني إبراهيم ابن هلال جدي ، قال : حدثني المكني أبا علي الحسن ابن محمد الأنباري ، قال : كنت أخط بين يدي دلو يه الكاتب ، وهو يتولى كتابة سلامة أخي نجح ) الطولوني ( الملقب في أيام القاهر بالله بالمؤتمن ، وسلامة إذ ذاك حاجب القاهر بالله ، وكنت أجلس في دهليز باب الخاصة الذي بل دجلة من دار السلطان ، فأخدم صاحبي فيما يستخدمني فيه ؛ فإني لجالس متعلق على دكة هناك ، إذ جعلت إحدي رجلي علي الأخري ، وكان بإزائي صديق لي من خلفاء الحجاب يودني ودا شديدا ، فوثب إلي وضرب رجل ضربة مؤلمة بعصا كانت في يده ، فقمت مذعورا . فقال : يا أبا علي ، اعرف لي موضع مسامحتي إباك ، ووالله لو أن هاهنا من أتخوف أن يرفع الخبر ، لما قدرت على مسامحتك . فقلت : وأي شيء أنكرت مني ؟ وبأي شيء سامحتني ؟ فقال : نحن مأمورون إذ رأينا أحدا من الناس كلهم قد جلس في دار السلطان هذه الجلسة التي جلستها ، ووضع إحدي رجليه على الأخري ، بأن تجر رجله من موضعه حتى تخرجه من حريم الدار ونهاني عن المعاودة إلي ذلك ، وعن أن أكشف رأسى ، أو أتبذل أو أمزح ، أو أرفث في شئ من تلك المواضع فشكرته على ما عاملني به وأرشدني إليه " ) ١ ( .
هذه قبضة أخبار ، في جميعها منع وتحريم لنزع العمائم بحضرة العظماء وفي دورهم ، ولكن لكل قاعدة شواذ فهنالك أخبار أخرى تنم على تساهل وتسامح بنزع العمائم في دور هؤلاء القوم او بحضرتهم ودونك ما وقفنا عليه :
2- نزع العمائم في دور العظماء وبحضرتهم
لعل الخليفة المأمون كان أكثر الخلفاء تساهلا في السماح لمن يغشى مجالسه بنزع العمامة ، ولم يكن ذلك في مجلس أنسه وراحته فحسب ، بل تعدي الأمر إلي مجالسه الأخرى . فقد نقل لنا المسعودي حكاية جاء فيها : " وكان يحيى بن اكثم يقول : كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء ، فإذا حضر الفقهاء ومن يناظره من سائر أهل المقالات ، أدخلوا حجرة مفروشة ، وقيل لهم : انزعوا أخفافكم ، وأحضرت الموائد ، فقيل لهم أصيبوا من الطعام والشراب ، وجددوا الوضوء ، ومن ضاق عليه خفه فلينزعه ، ومن ثقلت عليه قلنسوته ، فليضعها ؛ فإذا فرغوا اتوا بالمجامر فبخروا وتطيبوا ، ثم خرجوا فاستدناهم حتى يدنون منه ، ويناظرهم احسن مناظرة وأنصفها وأبعدها من مناظرة المتجبرين . فلا يزال كذلك إلى أن تزول الشمس وتنصب المائدة ثانية فيطعمون وينصرفون " ) ١ (
وذكر أبو الفرج الأصفهاني نبأ آخر في هذا الشأن ، قال فيه : " حدثني محمد ، قال : حدثنا أبو العيناء ، قال حدثنا محمد بن عباد المهلبي ، قال : لما مات أبو عيسى بن الرشيد ) سنة ٢٩٠ للهجرة ( دخلت إلى المأمون وعمامتي علي ، فخلعت عمامتي ونبذتها وراء ظهري - والخلفاء لا تعزي في العمائم - ودنوت . فقال لي .
أما في ديار الأندلس ، فكان التساهل كبيرا في رسوم نزع العمائم في قصور العظماء وبحضرتهم ؟ وشاهد ذلك قول ابن سعيد المتوفي سنة ٦٨٥ للهجرة في المغرب ؛ إن " الغالب على أهل الأندلس ترك العمائم ولا سيما في
شرقي الأندلس . وقد رأيت عزيز بن خطاب أكبر عالم بمرسية حضرة السلطان في ذلك الاوان وإليه الإشارة ، وقد خطب له بالملك في تلك الجهة وهو حاسر الرأس وشيبه قد غلب على سواد شعره . وأما الأجناد وسائر الناس فقليل منهم من تراه بعمة في شرق منها او غرب . وابن هود الذي ملك الأندلس في عصرنا رأيته بجميع احواله ببلاد الإندلس وهو دون عمامة ، وكذلك ابن الأحمر الذي معظم الأندلس الآن في يده " ) ١ ( .
) بغداد

