ليس من قصدي ولا من شأني أن اقرظ أمامك الجهد المحمود الذي بذله الأستاذ العلامة أحمد أمين بك ، ومعه الأستاذ الراوية أحمد الزين في نشر كتاب الإمتاع والمؤانسة ، ووضعه في أيدي هواة الأدب العربي مصقولا مصححا منقى مما شابه من الشوائب في النسخ المخطوطة التي اعتمد العالمان عليها ؛ كما ليس من قصدي ان اتظاهر بالعلم والنقد بأن اضيف إلي تصحيحاتهما بعض ما عسى أن فاتهما من تنقيح المواضع المغلقة ، بل إنى مع جميع من تقع هذه المجلدات الثلاثة في يده لمن الشاكرين لهما على ما بذلا من التعب والكد في إبراز هذه التحفة ، من تحف فكر إبى حيان التوحيدي الذي قيل عنه إنه من أكبر أدباء الإسلام بعد أبي عثمان الجاحظ .
قيل هذا عنه في القدم ، وكرر المحدثون هذا الحكم عليه عن السلف من غير مراجعة حقه ولا مراعاته . ألم يكن من واجبهم ألا يصدروا مثل هذا الحكم إلا بعد أن يتصفحوا آثار الرجل جميعا ، أو على الأقل تلك الأثار التي أبقاها لنا الدهر بعد أن احرق صاحبها أكثرها في آخر عمره لسآمته من فهم معاصريه لها ، ولقلة جدواها في رأيه ، وضنا بها علي من لا يعرف قدرها بعد موته ؟ ! ايكفي كتاب الإمتاع والمؤانسة - مع ما يظهر في طواياه من قدرة الكاتب على تخليد البيئة الثقافية التي عاش فيها - تشييدا لمثل هذا الحكم ؟ ولو كان هكذا ، ألم يجب إذ ذاك نشر آثار أبي حيان بأسرها حتى تأخذ مركزها في تاريخ الأدب العربي ؟ وماذا عمل إلي الآن ، إذا استثنينا مجهود الأستاذين الجليلين في سبيل كتاب الإمتاع والمؤانسة ؟ لقد نشر السندوبي كتاب المقابسات نقلا إياه عن طبعة
حجر هندية من غير مراعاته للنسخ التي وصلت إلينا من هذا الكتاب ، ولاسيما مخطوطة ليدن ١٤٤٣ التي تختلف عن الطبعة الهندية كل الاختلاف ، مع ما في طبعة السندوبي من " التصحيح " لاصله الهندي ، مع ما هو اقرب إلي المسخ منه إلى النسخ . وكذلك طبعت منذ سنين رسالة إبي حيان في الصدق والصداقة ؛ وهذا كل ما في ايدينا إلي الآن . لعمري إني اغار من هؤلاء الإفرنج غيرة على أن تكلفوا - وأي كلفة - إخراج آثار جميع ادبائهم ومفكر يهم في مجموعات كاملة تشمل كل ورقة مما خرج من تحت أيديهم ، في نشرات منقحة مصفاة لا غبار عليها ، فضلا عما عملوه في سبيل إخراج الآداب اليونانية واللاتينية والشرقية أيضا . ولكن هذه قصة أخرى
وإذ كان هذا هكذا ، فإني أكتفي بأن أعرفك هنا بعض آثار أبي حيان التوحيدي ، داعيا لفضلاء الأدباء والعلماء إلي نشرها قبل أن يدعموا احكامهم على صاحبها ويتكلفوا " نقد أدبه " . وسأبتديء بكتاب البصائر والذخائر له ، الذي يدعي أحيانا كتاب البصائر والبشائر ، أو كتاب بصائر القدماء وبشائر الحكماء وقد كثرت نسخ هذا المؤلف الضخم الذي يزيد على حجم كتاب الإمتاع مرتين أو أكثر - أقول كثرت نسخه في مكاتب استانبول ، وفي بعض المكاتب البريطانية ، ويكفيك مصدرا للوقوف عليها ما يقوله بروكلمن في مظانه . وأما أنا فقد اطلعت عليه في نسخة مصورة عن مخطوطة " فاتح " محفوظة في خمسة مجلدات في دار الكتب المصرية ، حينما كانت هذه الدار مضيفة للباحثين قبل أن تخبيء آثارها في مغارات المقطم حذرا من الغارات الجوية . أطلعت على الجزء الأول منه خاصة ، والتقطت منه ما يمكنني من وصف مزية الكتاب .
هو كتاب ليس كغيره من الكتب ، هو أوراق مبعثرة وروايات مفرقة ، جمعها مؤلفها اثناء خمس عشرة سنة منقيا إياها ، ومهذبا لها بحرافة قلمه . أليس هو يقول في
مقدمته بعد حمده والصلاة على النبي " ثبت - أطال الله بقاءك - الرأي المحض بعد الاستخارة ، وصح العزم بعد التنقيح والاستشارة ، على جمع مافي ديوان السماع ، ورسم ما احاطت الرواية به ، واشتملت الروية عليه ، منذ عام 50 ٣ إلى سنة ٣٦٥ ، مع التوخى فصار ذلك دون طواله ، وسميته دون غثة الخ " ويقول في آخره : " هذا آخر الجزء الاول ، وقد مر فيه ما إذا اعرتينى رضاك علمت انى وفيت بما وعدت وزدت واربيت . فتوقع ما يتلوه على رسم الأول إن شاء الله "
لا يمكنني أن أستوعب هنا غزارة المواد التي يحويها كتاب البصائر التي أكثرها ليست بمرويات عن كتب ، بل عن شفاه معاصري أبي حيان ، فضلا عما ابتكره منها ذهنه الثاقب ، وجلته براعته الدقيقة . فهناك نوادر أدباء ، مثل ما يرويه - وهو كثير - عن سهل بن هرون " كاتب المأمون على خزانة الحكمة وعن ابن الكلبي ، والداثي ، وإسحاق الموصلي ، والصولى ، وابن أبي طاهر صاحب المنظوم والمنثور ، وحماد ، والواقدي ، ومحمد بن يزيد الأموي ، وأبى سعيد السيرافي الذي تتلمذ أبو حيان عليه وقيد مجالسه ، وعن عبد الله بن محمد بن عبد الملك الزيات صاحب كتاب الرتب ، وابن دريد صاحب الجمهرة ؛ فضلا عن القصة المريحة في مضحكى المتوكل الذي اسم أحدهما سعرة والآخر بعرة . وهاك روايات كثيرة عن صديقه وأستاذه القاضي أبي حامد أحمد بن بشر المروروزي ، ولا سيما ذلك الحديث المشهور " حديث السقيفة " الذي التقطه كثير من المتأخرين من كتاب البصائر وهاك روايات عديدة عن فم الصوفية التي تدلنا على ما كان للتوحيدي من الميل إلى تجاربهم " الذوقية " مما جعل بعض أصحاب ترجمته يعدونه من أصحاب التصوف منهم مثلا الثوري ، والجنيد ، وأبو يزيد البسطامي الذي يتكلم في سبب طرده من مدينة أرجان . ومن الطبيعي ألا يذكر أبو حيان الحلاج بكلمة
وإن كان يروي عن تلميذه أبي بكر الواسطى . وهاك زمرة المتكلمين الذين يود أبو حيان الرواية عنهم وسرد آرائهم ، من النظام وأبي الهذيل مع سائر أقطاب المعتزلة ، فضلا عن رواياته العديدة عن الحسن البصري ومن عاشره ، كما أنه مولع بذكر أخبار الشيعة ، ولاسيما غلاتهم ، مثل أبي الخطاب الجعفي ، وأئمتهم مثل محمد ابن الحنفية ، وساستهم مثل جوهر الفاطمي . وهاك هذه النصوص العديدة التي يروي أبو حبان فيها أخبار فلاسفة اليونان وآراءهم ، تلك الأخبار التي التقط معظمها عن أستاذه المعجب به أبي سليمان محمد بن الطاهر السجستاني المنطقي ، كما يتجلى فيها اطلاعه الواسع على كتب الأوائل وكتب نوادر الفلاسفة . وهاك خاصة تلك الروايات العديدة عن فلاسفة الإسلام ومفكريه ، التي تبرز كل واحدة منها نواحي مجهولة من تاريخ الفكر الإسلامي ، فها مثلا ما يرويه عن أحمد بن الطيب السرخسي ، وعن الكندي ، وعن ثابت بن قرة ، فضلا عن معاصريه الذين قد تعرفنا بهم من كتاب المقابسات ومن كتاب الإمتاع والمؤانسة ، ولا سيما تلك الرواية المشهورة لثابت بن قرة الصابئ في تقريظ الأشخاص الثلاثة الذين يحسد الأمة العربية عليها ، أعني عمر بن الخطاب والحسن البصري والجاحظ ، أليس هي متداولة في كثير من كتب المتأخرين ؟ ! كما أنه يسرد أقوال أبي الحسن القطان الفيلسوف ) الذي مات في آخر سنة ٣٥٩ ( في حدود الأشباه ، واعدا علي أثرها أنه " سيمر في الكتاب في آخره من حدود الفلاسفة للأمور الطبيعية والمنطقية والإلهية علي قدر ما وقع إلي منهم باللقاء والمذاكرة . ولا جرم أن تستقصي النظر في جميع ما حوي هذا الكتاب ، لأنه كبستان يجمع أنواع الزهر ، وكبحر يضم أصناف الدرر ، وكالدهر الذي يأتي بعجائب العبر "
هذا وإني أكتفى بأن أورد لك نموذجا واحدا مما
في كتاب البصائر من الدرر " وهي قطعة لم التقطها من الكتاب نفسه أثناء قراءتى في له ، بل عثرت عليها في " مختصر صوان الحكمة " الذي يرجع مصدره إلي أبى سليمان السجستاني ، وإن كان ظهير الدين البيهقي من علماء القرن السادس قد لخصه واضاف إليه مما عنده . فها نحن نقرأ في ترجمة ارسطاطاليس الواردة في ذلك الكتاب ما يلي :
" وحكى أبو حيان في كتابه الذي سماه " البصائر " أن الأستاذ الرئيس أبا الفضل بن العميد كان كلفا بأبي عثمان الجاحظ ، حريصا علي كتبه ، ومثله محروص عليه ومتنافس فيه ، وكان يقول : ينبغي للفاضل أن يذهب في المعاني مذاهب أرسطوطيليس ، فإنه وطأ طرف الحكمة وضرب منارها ، ونشر أعلامها ، وأنشأه الله في دهر صالح ، وقيض له عدل ملك فاضل ، يعني الأسكندر ، وحبب إليه معرفة أسرار العالم ، وفرغه لتمهيد المنطق ، وألهمه دقائق الحكم ، وأتم على لسانه حقائق ما سلف في الأمم . قال : وإنما يجهل قدر هذا الحكيم عامى حشوى أو من هو في طباعه . وإن كان نائيا عن ظاهر أمره ، أو عالما لم يذق حلاوة الحق ، ولم ينسلخ من جلباب الهوي ، فهو يشنع على هذا الرجل تارة بالكفر وتارة بالجهل ، تملقا لمن يطلب إليه ما في يديه ، أو بفرح عرض الجاه عنده . وصاحب هذا الفعل ليس للحكمة عنده محل ، ولا للعلم في نفسه مقر ، وإنما هو متشبع بالدعوى ومظهر للحيلة . قال : وفي الألفاظ يكون مقتديا بأبي عثمان الجاحظ ، فإنه أوحد في غزارته وفصاحته . وفي النظم لا يختار على البحتري ، فإنه سهل الطريقة ممتعها . ومن عرف جوهر الكلام ، ومواقع الاستعارة وآثار المعاني ، وسبل التأليف في كتابة لا يخل بالمكني عنه ، وتصريح لا يفضح المصرح به ، ورقة لها تغلغل في القلب ، ودقة فيها مجال للعقل ، وإيضاح يغني عن
تحكم الظن ، وتلطف خلوب للسامع ، علم ما دللت عليه وأشرت إليه . ثم العمل معرض لك ، فخذه كيف وجدته وأردته " .
فهذا ما أردت أن أقص عليك في كتاب البصائر لأبي حيان التوحيدى ، كى أقنعك انه ليس اقل جدارة بأن ينشر من إخوته وسأحدثك بمناسبة اخرى عن مؤلفات أخرى لأبي حيان التوحيدي ، تدعو ايضا إلى من ينشرها بعد دقتها
