وصلني خطابك الذي أعربت فيه عن إعجابك بشخصية حنين بن إسحق ، وعن موافقتك لما قلته عن العرق الجاحظي الساري في هذا الرجل ومع ما نبهت عليه من التفرقة بينهما ، إذ أن الجاحظ في مزجه الجد بالهزل ، وفي تناوله حياة الإنسانية بذلك الهزء ، وبذلك الإغضاء ، وبهذه الحكمة السمحة ، قد فاق حدود المثل العليا التي يتجه إليها رجل من طراز حنين في تفكيره وفي جهده المر ، وفي اقتناعه بأنه يخدم الإنسانية والمستقبل ، وإذ قد وصلنا إلي هذه الغاية فاسمح لي أنبهك - استطرادا - إلي فرق آخر أهم من هذا كله ، وهو أن الرجلين ، وإن تعاصرا ، فإن أبا عثمان كان قد جاوز العقد الثامن أو التاسع من عمره ، بينا أن حنينا - وقد مات في سنة ٢٦٤ كما تذكر - لم يصل أبدا إلي هذه الدرجة من الحنكة والتجربة في هذه الحياة الدنيا . وكذلك لا تنس أن حنينا قد اختار له حرفة القلم - منذ أول شبابه - واضعا فيها كل طموحه الذي رفعه إلي ذروة نجاحه . وأما الجاحظ فقد سكت ستين سنة أو أكثر لا نعرف عنه شيئا ، ولعله عرك أثناءها الإنسانية وجرع مرها وحلوها حتي أصبحت تكاليف الحياة كلها عنده أضحوكة ، وصار لا يعترف بقيمة إلا للاخلاص الصافي الشفاف . ألست تري معي أن في هذا سرا من أسرار الأدب العربي ؟
هذا ، وإني شاكر لك كل الشكر أنك اكتشفت في بطون الدفاتر نصا لطيفا يثبت إثباتا بارعا ما ادعاه حنين بن إسحق في رسالته من ان معاصريه " من اصحاب
البلاغة من العرب الذين يقومون بمعرفة وجوه النحو والغريب " قد أقروا له يد " نهاية ما يكون من حسن العبارة والفصاحة وبعدم وقوعه في استغلاق أو لحن فهذا التعالبي - أبو منصور - في كتابه خاص الخاص يقول عن جنين بن إسحق " المترجم " : " اتفق له هذه اللفظة الوجيزة الشريفة البديعة التي لم اسمع للبلغاء مثلها في الجمع بين التجنيس والطباق والترصيع ، مع حسن المعنى وجودته وصحته ، وهي : قليل الراح صديق الروح . وكثيره عدو الجسم " .
ولما قلت وكررت في خطابك أن زدني معرفة بهذا الرجل ، فقد عزمت على أن أسرد لك نخبا اخري من كلامه ، لا سيما إذ كنت أخاف أنك تولع ولوعا زائدا بظواهر الأساليب البلاغية ، صارفا النظر عن مقاصد الرجل الفكرية
قرات فيما قبل ما قاله في رسالته إلي علي بن يحيي عن ترجمة جوامع كتب أفلاطون لجالينوس ، وعن كتاب البرهان لذلك الطبيب اليوناني أيضا ، وهأنذا أورد لك ههنا نبذة ثالثة من تلك الرسالة بعينها ، تدلك على دقة الرجل في عمله ، وعلي إحكامه لمناهج النشر للكتب بجمعه المخطوطات اليونانية من جميع الأقطار ، وتحقيقه نص المؤلف بمقابلتها حتى يكون أساسا لترجمة سليمة . اصغ إلى ما يقوله عن كتاب جالينوس في فرق الأطباء ) ٢ ( به ان وصف فحواء بالتفصيل :
. . وقد كان ترجمه قبلي إلي السرياني رجل يقال له ابن شهدا من أهل الكرخ ، وكان ضعيفا في الترجمة . ثم إني ترجمته وأنا حدث من أبناء عشرين سنة أو أكثر قليلا لمتطبب من أهل جندي سابور يقال له شيريشوع بن
قطرب من نسخة يونانية كثيرة الأسقاط ، ثم سألني بعد ذلك وانا من ابناء أربعين سنة أو نحوها حبيش تلميذي اصلاحه بعد أن كانت قد اجتمعت له عندي عدة نسخ يونانية ، فقابلت تلك بعضها ببعض حتى صحت منها نسخة واحدة ، ثم قابلت بتلك النسخة السرياني وصححته ، وكذلك من عادتي ان افعل في جميع ما اترجمه ، ثم ترجمته من بعد سنيات إلي العربية لأبي جعفر محمد بن موسي "
ليس هذا فحسب ، بل إنه سافر في البلاد طلبا للعلم وللمخطوطات ، فتراه مرة في الإسكندرية ، وأخري في دمشق ، وتارة في حران - حران الصابئية التي وجد فيها نسخة من كتاب جالينوس فيما ذكره أفلاطون في كتاب طيماوس من علم الطب وتارة في قسطنطينية الروم ، نعم ، كان شعاره منذ أول شبابه وقبل أن يسافر إليها في بعثة علمية على نفقة المأمون ، أقول كان شعاره الذي هداه طول عمره ؛ " اطلب العلم ولو في الروم " . ومن الغريب أنه في الوقت الذي وصل فيه حنين إلي القسطنطينية تاركا وراءه بغداد لامتعاضه من طرق التعليم فيها ، ازدهر في تلك المدينة عالم وأديب مثله ، محب لأتينا ولثقافة قدماء اليونان ، أعني البطريرك فوتيوس Photius الذي اجتمع حوله قلوب الشباب الطامحين لرؤية الجمال ، فقد فسر لهم في محافل خاصة آثار اليونان من الفلاسفة والرياضيين والشعراء والبلغاء والمؤرخين ، فغرس بذلك البذور التي أدت في آخر الأمر إلي نهضة الدراسات القديمة في أوربا ، ونتيجة هذه البحوث والتنقيبات والمحاضرات التي ألقاها على سامعيه ، جمع فوتيوس ذلك الكتاب المعروف بمكتبة فوتيوس الذي يحتوي علي ثمار قراءاته في الآداب اليونانية ، فكأنه تاريخ ثقافي في صيغة فهرس لكتب القدماء شبيه بفهرس ابن النديم الوراق البغدادي ، ومن يعرف ، لعل حنين بن اسحق أثناء إقامته الأولى في القسطنطينية مدة سنتين اتصل بتلك
الدوائر الهيلينية التي كان يرأسها فونيوس ، لا سيما إذ تري ان فوتيوس هذا ، بعد عشرين سنة او أ كثر اختير من حضرة قيصر الروم لأن يكون رئيسا لسفارة سياسية إلي امير المؤمنين ، فوصل بغداد واقام بها مدة ، وتعلم من دون شك أن مدينة السلام قد أصبحت موطنا ملائما للدراسات اليونانية بفضل حنين ابن اسحق المترجم
والآن بعد ما سمعت كثيرا مما يحكيه حنين بن اسحق عن نفسه ، وعن اعماله ، وعن منهجه ، وعن المحن التي ناتله من أهل زمانه ، فإني أريد أن أسرد لك فصلا لطيفا لا من كلامه هو ، بل مما قصه ابنه اسحق عن أبيه الذي كان قد انشأه لا المنشأة الأولى فقط ، بل النشأة الثانية ، نشأة التعليم والتثقيف أيضا . وقد ورد هذا الفصل في كتاب صوان الحكمة لأبي سليمان المنطقي السجستاني تلميذ يحيي بن عدي تلميذ الفاربي ، ذلك السجستاني الذي اشتهر خاصة مما رواه عنه أبو حيان التوحيدي في مقابساته وفي الأمناع والمؤانسة . أما كتاب صوان الحكمة ، وهو يشمل تراجم مفكري اليونان والإسلام ، فليس منشورا بعد ، ولذلك أري من المفيد ان اذكر لك محاورة اسحق بن حنين مع أبيه بنصها كاملة ، لأني اعتقد أن فائدة باب " أحسن ما قرأت " ستزيد عندما تروي فيه لا نصوصا مطبوعة فقط ، بل نصوصا أيضا لا يقف عليها القارئ بسهولة :
وحكى أن اسحاق بن حنبن قال لأبيه : ما الذي تشير علي بأن أجعل غرضي معرفته في سني هذه التي أنا فيها بحسب ما اعلم من عنايتك بي وما تعلم من تهيؤ طبيعتي لقبول العلم ، ومن قديم تجربتك لي ومن حرصي علي العلم . قال حنين : ما لست إلي شئ اشد ضرورة منك إليه ، إذ كانت ذاتك الخاصة التي أمرك الحكيم الأول بتعرفها وهي التي أنت بها مشارك للباري جل ثاؤه ومنفصل من البهائم . قال اسحق : وما ذاك ؟ قال حنين : الشئ الذي
تعلم أن اليوناني يسميه لوغس )Loges ( وأن العرب تسميه في بعض الواضع نطقا ، ولذلك يسعى الإنسان من المنطق ناطقا ، ويسميه في بعض الواضع قولا ، وليس من عادتها ان تشتق من القول اسما للانسان ، كما من عادة اليواني أن يسميه لوغ لوغيقس ) Logikos، ويسمى النظر في هذا الجزء من الإنسان الذي هو اشرف اجزائه وهو الذي يسميه العرب نظرا منطقيا Logike لورغيقا مشتق من لوغس اي القول . قال اسحق : فإذا كانت الكتب التي في هذا الفن والواصفون لها كثيرون فارشدني إلي كتاب وواضع ، منه يجب أن ابتديء أولا . قال حنين : من كتاب فاطبغورياس ) ١ ( الذي للحكيم ، قال اسحق ولم اخترت لي قاطبغورياس أولا ، ولم جعلته الذي للحكيم ؟ قال حنين أما كتاب قاطبغورياس فلأنه ابتدأ هذا العلم ، وأما الذي للحكيم فإنه ليس غيره موجودا في هذا الوقت مما يعلم به هذا المعنى المقصود . قال اسحق : أههنا كتاب آخر في
لواضع آخر في هذا المعنى لو كان موجودا لكنت إلي باختياره لي أمهل ؟ قال : نعم ، كتاب أرخوطس Archytas( في هذا المعني . قال اسحق : ومن ارخوطس هذا ؟ قال حنين: إنسان من شيمة فيثاغورس . قال اسحق ومن فيثاغورس هذا ، ومن كان ؟ قال حنين رجل كان نهر المبتدع لا كثر حكمة اليونانية ، وليس إنما هو في الزمان قبل الحكيم ، لكن وقبل افلاطون ايضا وعنه أخذ هذا العلم ، وليس هذا الفن من النظر فقط ، بل جميع الفنون الباغية ، وكذلك أوقليدس وابلونيوس وارشميدس وبطليموس وسائر المهندسين .
ولست بحاجة إلي أن أعلق على هذا الحوار الذي هو أروع مثل لتعليم الصبيان عند القدماء ؛ فاسئلة اسحق هي أسئلة غلام عجب للاستطلاع ، حريص على تعقب كلمات أبيه ، وأما أجوبة حنين ففيها من حنان الأبوة ومن فهم عقلية الصبى ما يحسده عليه كثير من الآباء
