الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 228الرجوع إلى "الثقافة"

من منبر الشرق :، المصحف

Share

لا تستغرب أني أجعل اليوم كلمة " المصحف " موضوع حديثي إليك ، وليس قصدي مبحثا لغويا بحتا وتنقيبا عن اشتقاق هذه الكلمة ، بل أريد أن أطلعك على معان واستعمالات غريبة تعرض لها هذا اللفظ أثناء تاريخه الإسلامي ، فضلا عما أورده عليك في هذا الصدد من نصوص جاحظية غير معروفة ، إذا كان لا بد أن نتكلم عن الجاحظ من حين إلي حين

اتفق المستشرقون المتخصصون في هذا الشأن على أن كلمة " المصحف " أو " المصحف " . وربما أيضا " المَصحف " على اختلاف روايتها ليست أصيلة في اللغة العربية - مع ورودها في إحدي قصائد امرئ القيس ( ١)  بل هي معربة من الكلمة الحبشية Mashaf  دخلت العربية مع اصطلاحات دينية أخري " كالحواريين " ، و المنافق و المشكاة " وما إليها . ودليلهم على هذا أنه لا يوجد في العربيه فعل ثلاثي من مادة " صحف "

يمكن اشتقاق " المصحف " و " الصحف " منه ، بينما نجد اللغة الحبشية تستعمل الفعل " صحف " بمعنى " كتب " والأسم " المصحف " للكتاب . فإن كان هذا الرأي صحيحا - وأحسب أن بعض القدماء سبقوا المستشرقين إلي إثباته - فلعلنا نري هنا من وراء الستار رسوم حقيقة ما حول تاريخ فن الكتابة في جزيرة العرب القديمة . فإنه من المعروف أن أكثر الاصطلاحات الكتابية الأخرى - مثل الفاظ الكتاب والسفر

والنسخة والزبور ، وكذلك القرطاس والقلم ) ١ ( ، فضلا عن التلميذ والتفسير استعارها العرب عن جيرانهم الآراميين ثم السربانيين في العراق . فكان تقابل الكلمة الحبشية الجنوبية " الصحف " بأخوانها الآرامية الشمالية ، رمز للحضارتين اللتين تبادلتا منذ القدم التأثير في جزيرة العرب وتثقيفها . ذلك التقابل الذي مثله لنا ايضا تاريخ الخطوط المختلفة التي كانت متداولة بين العرب علي مختلف العصور ،

فإنك تعرف أن الخط الحميري أو المسند كان مستعملا لغاية القرن الخامس بعد الميلاد على الأقل في اقصى شمال جزيرة العرب وحتى في نواحي الشام ، عندما قام بعض العرب في شمال الجزيرة بمحاولة تطبيق الخط التبطي الآزامي على لغتهم ، فاستعد النهج الكتابي الذي نشأ في الشام أو العراق للسيطرة على قلب الجزيرة ، وإخراج المنهج الجنوبي منها . .

على أني لا أثق بالاشتقاقات أكثر مما ينبغي ، فلن أغتر بالألفاظ دون المعاني . بل من المهم على رأي أن كلمة المصحف في جانب معناها العادي الشائع " الذي هو الجمع للصحف المكتوبة بين الدفتين " ومعناها الخاص بمصحف القرآن ، استعملت في القرن الثاني والثالث للهجرة اصطلاحا للتعبير عن معنى دقيق .

لعلك انتبهت إلي أن الجاحظ يقسم كتابه " الحيوان " سبعة أجزاء يسمي كل جزء منها " مصحفا " . مثال ذلك ما يقوله عند إنجاز الجزء الثالث " ثم المصحف الثالث من كتاب الحيوان ويليه المصحف الرابع وكذلك " تم هذا المصحف الرابع من كتاب الحيوان ويليه إن شاء الله المصحف الخامس " . كما يقول في ثنايا كتابه بعد أن احصي الموضوعات المتنوعة التي تذكر فيه ، " لأنه وإن

كان كتابا واحدا ، فإنه كتب كثيرة ، وكل مصحف منها قام ( ١ ) على حدة " .

بعيد عن الجاحظ أن يريد باستعماله لفظ المصحف معارضة القرآن او ان يدعي ان اجزاء كتابه في القيمة إذن فلا بد أن تلتمس علة أخري لهذا الاستعمال الغريب .

لا يتسع لي المكان هنا لأن أدلك علي أن بين المقاصد الكثيرة التي يري إليها الجاحظ في تأليفه لكتاب الحيوان هناك مقصد واحد تمثل في ذهنه بوضوح ، وإن اختلف التعبير عنه قوة أو ضعفا من حين إلى آخر ، وهو ان يكون كتابه المعارضة العربية والتحدي العربي أيضا لكتاب الحيوان لأرسطو ، وذلك بأنه ينتصر للعرب ويدافع عنهم ويحتج بأنهم ليسوا برآء من العلم كما يدعي ذلك انصار العلم اليوناني في عصره بل للعرب عليهم وعلماؤهم بحياة الحيوان ولعل معارفهم أغني وأوسع وأقرب إلي الطبيعة والواقع من المعارف المدرسية التي حشا أرسطو كتابه بها .

وإذا بنا نجد كلمة " المصحف " تستعمل في البيئات العلمية في عصر الجاحظ ، لا سيما في بعض الكتب المترجمة عن اليونانية للدلالة على ما يطلق عليه عادة لفظ مقالة أو باب أو ميمر أو غير ذلك ، مثال ذلك ما نقرؤه في نسخة من كتاب الفلاحة لأناطوليوس Anatolios) الذي ترجمه " من الرومي إلي العربي ، أوسطات(Eustathios)

الراهب ليحي بن خالد بن برسك ، في سنة تسع وسبعين ومائة " . قال المؤلف في المقدمة " وقد صنفت لك ما وضع ( العلماء المتقدمون ) صنفا صنفا وجمعته كما جمعوا اثني عشر مصحفا ، وفرقت ما بين كل مصحف وصاحبه ، لئلا يشكل عليك " ؛ ثم يسمي المترجم ما يتلو من مقالات الكتاب

المصحف الأول والمصحف الثاني إلي آخره . وكذلك شاع هذا الاصطلاح في كثير من كتب الكيمياء التي ترجمت منذ القرن الثاني للهجرة ، فأننا نلقي بين عناوينها " المصاحف " المنسوبة إلى هرقل الملك وإلى بليناس فيلسوف طوانه (Apollonius de Tyane) و " مصحف الحياة لأرس الفس و " مصحف الجماعة " لأرشلاوس الفيثاغوري وهذا الأخير هو الكتاب الذي اشتهر في ترجمته اللاتينية باسم (Turba Philosophorum) في القرون الوسطى .

فظاهر أن كلمة المصحف تستعمل هنا لتعريب الكلمة اليونانية Biblion إذ كان كل كتاب أوBiblios من الكتب اليونانية القديمة القسم إلى عدة اسفار او مقالات أو مصاحف أو Biblia. ونستنتج من هذا أن الجاحظ لم يسم كتابه بنفس عنوان كتاب أرسطو فحسب ، وإنما اشار أيضا بتسميته لأجزائه مصاحف - وهي مأخوذة من اصطلاح المترجمين القدماء - إلي أن كتابه معارضة عربية لكتاب الفيلسوف اليوناني .

ولكن لا تحسبن أن هذا التفسير الحاسم يستوعب الموضوع من جميع نواحيه وان " الأحدوثه قد خلصت " كما يقولون . فإن المسألة جواب اخري ليست أقل جاحظية إن صح التعبير

في يدي الآن ملازم كتاب للجاحظ هو من أروع ما كتبه هذا الرجل ، أعني به " كتاب الحد والهزل " الذي أقوم بنشره أنا والأستاذ محمد طه الحاجري وبنشر غيره من رسائل الجاحظ المجهولة التي ستظهر عن قريب بفضل ما تبذله مطبعة لجنة التأليف من جهود . وفي ثنايا هذا الكتاب يتعرض الجاحظ لما بين المصحف والكاغد من فروق مبينا في أسلوبه الساخر أن لفظ المصحف يقع خاصة على الكتابة في الجلود بينما يقع لفظ الكاغد علي الورق الذي كانت قد اخترعت صناعته في بلاد الصين

ووصل انتشاره غربا البلاد الإسلامية في عهده ، فأدى انتشار صناعته إلى ثورة لا مثيل لها في ميدان الكتابة وفي تيسير طرقها . وهو ينسب هناك إلي خصمة المتخيل المتمسك بالقديم الحث على الكتابة في الجلود او المصاحف والإعراض عن الكاغد الصيني أو الخراساني أو القطني .

" فلما أخذت بقولك ، وصرت إلي مشورتك ، وأكثرت حمد الله على إفادتك من العلم ، وحظ عنايتك من النقل ، وتقدمت في استجادة الجلود ، وفي تمييز الصناع ،

وجعلتها مصحفا مصحفا وأجملتها صنفا صنفا ، ورأيت أن انظر فيها وأنا مستلق ، ولا أنظر فيها وأنا منتصب استظهارا على تعب البدن ، إذا كل واحد من هذه المصاحف قد اعجز يدي بثقل جيومه ، وضيق صدري بجفاء حجمه . . وإذا انا إن نظرت فيها وأنا جالس سدرت عيني وتقوص ظهري واجتمع الدم في وجهي وأ كرهت بصري على غير جهته . .

فإن بدا لي أن يقابل عيني به العبد أو تواجهني به الأمة كلفت أخرق الناس كفا ، وأفهم وفقا . وأكثرهم التفاتا ، وأحضرهم نعاسا ، وأقلهم على حال واحدة ثباتا . . قل لي لم زينت النسخ في الجلود ؟ وفي حثتني على الآدم ؟ وأنت تعلم أن الجلود جافية الحجم ثقيلة الوزن إن اصابها الماء بطلت وإن كان يوم لتثق استرخت . . ولو اراد صاحب علم أن يحمل منها ما يكفيه في سفره لما كفاه حمل بعير ، ولو اراد مثل ذلك من الكاغد

القطنى لكفاه ما يحمل مع زاده . . إذن فأنت سبب المضرة في اتخاذ الجلود واستبدالها بالكاغد وانت سبب البلية في تحويل الدفاتر الخفاف في المحمل إلى المصاحف التي تثقل الأيدي وتحطم الصدور وتقوس الظهور وتعمي الأبصار . وقد كان في الواجب أن يدع الناس اسم المصحف للشيء الذي جمع القرآن دون كل مجلد وألا يروموا جمع شئ من أبواب التعلم بين دفتين فيلحقوا

بما جعله السلف للقرآن غير ذلك من العلوم " .

وإن سألت الآن عن الرابطة بين الاستعمالين لكلمة مصحف المتين بدلنا الجاحظ عليهما فظن انها ليست بعيدة . نرى من القطعة التي أوردناها من " كتاب الجد والهزل " أن الجاحظ - وهو غزير التأليف والإملاء - لا يرضي لا عن الكتابة على الجلود فقط التي يبين آفاتها بما لم يبينه غيره ، بل لا يرضي أيضا عن استعمال لفظ المصحف في غير محله ويقترح إطلاقه على القرآن وحده .

وإن سمي مع هذا أجزاء كتابه الحيوان مصاحف فلن يقول قارئ القطعة المشار إليها إن كتاب الحيوان كان في الأصل مكتوبا على الجلود ؛ بل تحديه ومعارضته لليونانيات ومترجمها هو الذي جعله يختار هناك كلمة المصحف التي يكرهها والتي يستعملها هؤلاء القوم للتعبير عن أقسام كتبهم . ومن يعرف ؟ لعل موقفه الحاسم في هذا الشأن هو الذي اضطر في آخر الأمر إلى أن تركت مدرسة المترجمين الجدد في استعمال كلمة المصحف بمعنى المقالة أو الميمر حتى اصبح هذا المعنى الغريب منسيا او كاد . فبينما ورد استعمالها في ترجمة كتاب الحيوان لأرسطو التي قام بها يحيي بن بطريق في عهد المأمون فإنا لا نجدها في اية ترجمة من التي تولاها حنين بن إسحاق وتلاميذه فيما بعد .

اشترك في نشرتنا البريدية