لا شك أنك اطلعت على تلك السلسلة من البحوث في تاريخ الفكر اليوناني ، بل الفلسفة اليونانية التي أنشأها صديقنا " عبد الرحمن بدوي " وتأثرت بها تأثري . ولست في حاجة أن أقرظ أمامك المجهود العظيم الذي بذله " عبد الرحمن " في أداء مهمته ، أي في تقديمه إلي شباب الشرق " المثقف " النتائج التي وصل إليها علماء الغرب أثناء ممارستهم الطويلة لفكر أفلاطون وأرسطو وأفلوطين وغيرهم ، وإقبالهم عليه ، وإمعانهم فيه جيلا بعد جيل ؛ ولا ينتظر صديقنا " عبد الرحمن " مثل هذا التقريظ متى ، بل بالعكس إنه يطالبني دائما بنقد وبتصحيح ما عسي أن وقع فيه من الهفوات ، إن أمكنني التصحيح ، وأن أشجعه على تنقيح كتبه كي ينشرها نشرة ثانية منقاة من الشوائب ، أو كي يحرر آراءه في المستقبل تحريرا جديدا عند ما يبلغ هذا الشاب أشده ، ويصبح فليسوفا بعد أن كان متفلسفا.
ومن قصدي اليوم أن أحدثك عن إحدي تلك " الهفوات " التي صاحبها معذور فيها كل العذر ، إذ أن المراجع التي تمكننا من تصحيحها لم تكن تحت يده ، بل كانت مدفونة في خزائن الكتب المحفوظة مع سائر ما تحويه تلك الخزائن من الذخائر والكنوز التي تنتظر من عسى أن يكشف عنها . وقصدي أن أحدثك عن بطليموس الغريب .
ذكر " عبد الرحمن بدوي " في كتابه في فلسفة أرسطو ) ص : ٣٧-٣٨ ( ذلك الثبت القيم لكتب أرسطو الذي لم يصل إلينا إلا عن طريق العرب ، إذ قد ضاع أصله اليوناني ، وهو منسوب عندهم إلي شخص
اسمه بطليموس الغريب . وقال : " وقد وضع Rose هذا الثبت في مقدمة الشذرات التي نشرها لأرسطو ، وقال إننا نستطيع أن نتعرف هذا الشخص ، إذ يوجد من بين شراح أرسطو شخص اسمه بطليموس ، وهو الذي اعتمد عليه أندرونيقوس في حصره لمؤلفات أرسطو . ويلاحظ أن صاحب هذا الثبت يقول إن لأرسطو ألف كتاب ، ويقصد بالكتاب هنا المقالة . ولكن يلاحظ أن الوارد في الاثنين والتسعين كتابا المذكورة في ثبت بطليموس هذا ، لا يصل إلي ألف مقالة ونحن نعرف من ناحية أخرى أن أندرونيقوس قد حصر مؤلفات أرسطو ، فقال إنها ألف كتاب ، أي ألف مقالة . ومن هنا يمكن أن يقال إن بطليموس هذا هو الذي أخذ عنه أندرونيقوس "
واعذراه يا عبد الرحمن ! إن أكثر ما تقوله في هذه الصفحة تخمين يزول أمام الحقائق إذا اطلعت عليها ، ولن يبقى منه إلا أن الثبت الوارد في بعض الكتب العربية منسوب لرجل اسمه بطليموس الغريب ، وإن كان هذا البطليموس ليس متقدما على أندرونيقوس بل متأخرا عنه كما سترى .
إنها لأثر جليل . تلك الرسالة التي عرفها العرب باسم رسالة بطليموس الغريب في سيرة أرسطوطاليس ووصيته وفهرست كتبه ، إنها من أهم مصادرهم في أخبار أرسطو ومؤلفاته ، ولذلك تجد أكثر أصحاب تواريخ العلماء يعتمدون عليها منتخبين منها أجزاء أو ملخصين معانيها . فهاك ابن النديم في فهرسته ( ص ٢٤٦ ) الذي ينقل منها فصولا في حياة أرسطو ، وقد اتبعه فيه ابن القفطى في تاريخ الحكماء(ص ٣٢ طبعة أوربا ) ، وأضاف إليها ثبت كتب أرسطو الذي وجده في تلك الرسالة . وقد استفاد ابن أبي أصيبعه ( ج ١ ص ٥٤ ) من مصدره الفائدة الكبرى ، إذ نقل منه أكثر ترجمة أرسطو ، وكذلك وصيته مضيفا إليه فهرست كتبه على نمط ابن القفطي . غير أنه لم يعثر إلي الآن على الرسالة بتمامها ، ولم يعرف بعد
مغزاها العام وترتيب أجزائها .
هذا وقد أرسل إلى قبل بضعة سنين الأستاذ العلامة ه. ريتر فاطن اسلامبول صورة شمسية من مخطوطة محفوظة في خزانة أيا صوفيا رقم ٤٨٣٣ ، وإذا فيها النص الكامل لرسالة بطليموس التى نحن بصددها .
على أني لا أريد أن أبادر إلى محادثتك في تلك المخطوطة قبل أن نتحري ما في سعة علمنا بمؤلفها . فقد أورد ابن النديم ( ص ٢٥٥ ) وابن القفطي ( ٨٩ ) ترجمة لهذا المؤلف " الغريب " وقالا عنه : " هذا رجل حكيم في وقته ، فيلسوف ببلاد الروم في زمانه ، ليس هو مؤلف المجطى ، وكان هذا يوالي أرسطوطاليس ويحبه وينصر له على من عاداه ويفيد علومه لمن طلبها منه ، وكان له ذكر في أوانه واشتهار بهذا الشأن . والبطالمة ( جمع بطليموس ) من الملوك والعلماء جماعة ، وكانوا يخصصون كل واحد بصفة زائدة على التسمية ليتميز بها . ومن كثرة عناية هذا الحكيم بأرسطوطاليس صنف كتاب أخبار أرسطوطاليس ووفائه ومراتب كتبه "
ليس من شك أن ابن النديم - وكذلك الناقل عنه ابن القفطى - قد تورط في خطأ فاحش عندما أراد إظهار معرفته باليونانيات وبشأن البطالسة ملوك مصر ، إذ نسب رسالتنا إلى أحد منهم . ولكن من هو بطليموس الغريب هذا ؟ يظهر أن صفة " الغريب " محرفة ، إذ كان مثل هذا المؤلف غير معروف بين القدماء على أن هذا التحريف لم يقع في العربية بل في الأصل اليوناني نفسه ، أو في الترجمة السريانية التي هي كالواسطة بين الأصل اليوناني والنص العربي . وقد اهتدى العلماء إلي أن " الغريب " ليس إلا ترجمة للكلمة اليونانية ksenos ( كسينوس ) وأن هذه الكلمة حرفت من khennos ) خينوس ( لاشتباه حرفي ks و kh بالخط اليوناني ، أما بطليموس خينوس فهو مؤلف ذكره البطريرك فوتبوس في " مكتبته اليونانية " وأخبرنا suidas أنه عاش في عهد
نيرون من قياصرة الرومان . ولست أعرف إن كان بطليموس هذا هو بطليموس الثاني الذي ورد اسمه في بعض الكتب اليونانية المتأخرة.
أما رسالتنا فقد عثر على ذكرها مرة وحيدة في الآداب اليونانية ، وذلك أن إلياس الشارح لكتب أرسطو الذي عاش في القرن السادس للميلاد يقول في " مقدمته لمقولات أرسطو " ما يلي : " ويجب أن نبحث عن تقسيم الكتب الأرسطية إذ كانت كثيرة ، وكان عددها نحو ألف كتاب كما قال بطليموس الذي عمل ثبتها وحرر سيرة أرسطو ووصيته " .
وقد استغرب الباحثون ذلك التعارض العجيب الذي يظهر بين ما ذكره إلياس في شأن ألف كتاب لأرسطو ، وبين الاثنين والتسعين عنوانا التي وجدوها عند ابن القفطي وابن أبي أصبيعة . أما الآن - بعد عثورنا على نص الرسالة الكاملة - فإنه يتبين أن هذا التعارض لم يكن إلا وهميا ، ومبنيا على عدم معرفتنا لمقدمة الرسالة . ليس من المقصود بذكر ألف كتاب من أن بطليموس أحصي ألف عنوان في رسالته ، بل في ذلك إشارة إلي رسالة أخري في فهرس كتب أرسطو ، أعني رسالة أندرونيقوس التي ذكرها بطلميوس في مقدمة كتابه ، والتي كانت - هي الأخيرة - تسرد ألف عنوان لمقالات أرسطو ومقالات تلاميذه .
لا يسعني المجال كي أورد هنا رسالة بطليموس بتمامها ، وان اضع أمامك بحثا مفصلا عن قيمتها وعن ترجمتها من اليونانية إلي السريانية أولا ، وإلي العربية ثانيا . وها أنا أكتفى هنا أن أسرد أمامك نخبا ملتقطة من مقدمتها ، إذ كانت تلك الحقائق التي أوردنا ذكرها فضلا عما تدلى عليه من أسلوب اليونانيين في تأليف رسائلهم الذي لاشك يذكرك أمثالا ونظائر معروفة لك من الأدب العربي ولعلك توافقني ايضا على ان لغة الرسالة المترجمة بديعة إلي حد بعيد ، وهي تطلعك على ما كان المترجمين العرب من
القدرة علي التعبير البديع
وهاك بدء الرسالة : " إني لما تذكرت ما كنت قلت لي من أنك تحب أن تقتني كتابا فيه ذكر كتب أرسطاطاليس ، فأريتك على المكان ما كتبه في ذلك أندرونيقس الذي من مدينة رزس ، فسألتني أن أؤلف في ذلك كتابا أشد اختصارا وأشرح كلاما ، رأيت أن أؤلف لك هذا الكتاب . وتركت أن أذكر غرض أرسطوطاليس في أقواله كراهية التطويل ، ولأني رأيت ذلك - إن فعلته - فضلا ، إذ كنت الرجل الذي ليست حالك حال من يعرف كتب أرسطوطاليس معرفة تمييزها والوقوف على حقائق ما يذكر فيها . "
ويقول مؤلفها فيما بعد : " وانت ستقف على صحة ما ذكرت من مراتب الكتب ، وانت تعلم ان هذا الكتاب كتاب إنما تم بالعناية مني ، وانه كتاب اوحد ، وأني لم أستعين على هذا الترتيب بأحد وذلك لأن كتاب اندرونيقس في هذا لم يحضرني . ولذلك لا يمنعك اقتناؤك
كتابي هذا من اقتناء ذلك . ولا تعجب من أن يكون اندرونيقس قد عدد في كتابه نحوا من ألف قول ، والذي ذكرنا نحن أقل . وذلك أنا لو آثرنا أن نذكر جميع المقالات المنسوبة إلي أرسطوطاليس والمنسوبة إلى تاوفرسطس
لم يكن عددها بالقليل . وأنا مبتديء بقول مختصر
أذكر فيه سيرة أرسطوطاليس وخبره ، ثم أذكر فيه وصيته التي أوصي بها وقت وفاته على ما تناهي إلينا ، فإنك سألتنى ذلك .
ثم اذكر بعد ذلك فهرست كتبه من غير ان ابين كتبه التي جرت مجري الإيحاد عن غيرها ، لان ذلك يحتاج إلي زيادة في القول وطول وإن أردت ذلك لم ادع أن اتكلفه لك وإن غبت عني وأكتب به إليك ، أو أعلمكه إذا التقينا .
فهذا ما أردت ان أقوله في هذا الشأن ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته

