الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 232الرجوع إلى "الثقافة"

من منبر الشرق :، دكاترة . .

Share

هل قرأت تلك المسرحية الرائعة التي عنونها برناردشو Doctors وصفه فيها مناهج هؤلاء التطبيين الذين كانت أولى حرفهم وآخرها التكسب والفترار الجمهور بمهارتهم في جذب قلوب العامة بل جيوبهم ، مع ما في مقدمة ذلك الكتاب من نداء إصلاحي بليغ . وسآمة أيضا من نفوذ هذا النداء إلي آذان من بعتيه . أو حضرت مسرحية جبرودو عن دكتور كترك في دار التمثيل أو على شريط السينما وشاهدت فيها كيف تحولت دعوة سامية إلي سخرية مرة . وليس هؤلاء وحدهم هم الذين كتبوا علي رايتهم الكفاح المستمر ضد المخرفة والتمويه واتباع الهوي . بل كان هذا موضوع بحث منذ أن تخلص الطب ومعالجة المرضى من لفائف الطفولة وأصبح علما تحت سماء البلاد اليونانية الحرة ، وسيدوم هذا الكفاح ما بقي علم الطب قائما وما بقيت النفس الإنسانية ( أمارة بالسوء )

أما بعد فإني أعتذر إليك عن هذه المقدمة ( الثقيلة ) وهي ليست الا تكأة أو تمهيدا لعرض ما قاله بعض أجدادك في هذا الشأن وهم فيه لم ينقصوا بلاغة واقتناعا ومرارة وسخرية أيضا عن إخوانهم الغربيين . وحسبك شاهدا أن الجاحظ وجد في هذا الموضوع مجالا واسعا لنشاطه ، حتى أنه وضع كتابا خاصا في مناقضة الطب وتفضيح الأطباء لعله بالغ فيه إلي حد أن أبا بكر محمد بن زكريا الرازي طبيب الإسلام حسب من الضروري أن يرد عليه (١) . على أن الرازي هو الذي تكفل بالكشف عن قناع المخرقين أكثر من أي واحد من الأطباء ، دعته إلي ذلك تلك

الآزاد مردية الحقة أو " طباع الحرية وحقيقة الجوهرية " التي يمتاز بها قبل غيره . وقد تشهد بهذا كثرة مؤلفاته في هذا الموضوع منها مثلا كتابه " في العلة التي بها ينجح جهال الأطباء والعوام والنساء أكثر من العلماء " وكتابه " في العلة التي بها ترك الناس ورعاعهم الطبيب وإن كان حاذقا " وكتابه " في الأغراض الميلة لقلوب كثير من الناس عن أفاضل الأطباء إلي أخسائهم "

هذا وقد وعدتك في مقالي السابق أن أروي لك نبذا من " الرسالة الصلاحية في إحياء الصناعة الصحية " للطبيب المصري هبة الله بن جميع طبيب صلاح الدين الذي عالج هذا الموضوع نفسه بحماسة ودقة شعور وفي عبارات تصل بلاغتها ذروة من الإحكام الأدبي لا يدانيها كثير من الآثار العربية عامة ، حتى أنك تستبعد أن يكون مثل هذا القول صدر عن مؤلف مصري عاش في القرن السادس ، ولو وضعت أمامك القطعة التالية مروية عن الجاحظ لما أنكرت روايتها . فاسمع إلى حديثه في مخرقة المخرقين وتمويه المموهين الذي هو على رأي المؤلف من أهم أسباب دثور صناعة الطب ودروسها وانحاء محاسنها وطموسها " :

" ولما عجز أمثال هؤلاء من أهل التقصير في صناعة الطب عن التشهر بفضلها والحذق في أعمالها أخلدوا إلي الخدع والتمويهات ، فطائفة تخدع العوام بالتعاظم والتطاول في اللبوس والركوب والطيب ونحو ذلك ، وطائفة بالتحبب إليهم والتقرب إلي قلوبهم واستمالة نسائهم بما يليق بهم وينفق عندهم ، مثل أدوية الباء والحسل والشحم والشعر والانفاق مع الحماميات والمواشط والدايات ونحوهن على وصفهم ومدح حسن عليهم ولطفهم ، وطائفة تخدع ذوي اليسار منهم بلزوم أبوابهم ومداخلة خدامهم وملاطفة جلسائهم وأصحابهم حتى إذا تمكنوا من الدخول عليهم وأنسوا بهم كان أول ما يخدعونهم به موافقتهم على شهواتهم ومساعدتهم على أغراضهم وتفريظ أقوالهم وافعالهم ، ثم

يتوصلون إلي معرفة ما ينقاد إليه كل واحد منهم فيتصيدونه من تلك الوجهة ويستميلونه إليهم لينالوا ما عنده . فإن كان ينقاد إلي النساء يأتون له بباب النساء وإن كان ينقاد إلي العبيد يأتون له بباب العبيد ، وبالجملة فإن الأغنياء من الغرام قد اعتادوا لملق ممن يغشاهم وقصدهم اللذة في كل ما يعملونه ويسمعونه . فهؤلاء يحرصون على معرفة النوع الذي يغلب عليهم من اللغات فيستميلونهم من ذلك الشئ . وظاهر أن هذا هو الوجه الذي تصاد به البهائم . فإذا مرض ذلك الموسر فإن الطبيب الذي قد أنس به من هؤلاء لا يفسد به في تدبيره قصد ما هو أوفق له في اجتلاب الصحة - لأنه لا يعرفه - وإنما يدبره بأوقع التدبيرات من نفسه وألذها عنده ، على أنه لو عرف أوفق تدبير له لما دبره به ، الهم إلا أن يتفق أن يكون موقعه منه موقع الموافن النفذ لأنه ينزل نفسه منه منزلة العبد السامع المطيع ، إلا أنه من الظاهر أنه يكون عبد سوء ، لأن خدمته له ليست تنفعه بل نضره ، وظاهر أن فصلاء الأطباء لا يرصون بهذه السيرة ، وأن ذوي اليسار من العوام يؤثرون من عده حاله ويميلون إليه ويقدمونه على غيره ، وإن ظهرت لهم مرتبة علية سيما إن كان له مع ذلك قدرة على تعمير المجالس بالنوادر والضحكات وطمع في إخراج الوجوه والحكايات فإنه يكون أحب إليهم وأنفق عندهم فإذا حصل أحد هؤلاء بهذه الخدع ونحوها على مقصوده في القرب منهم والحظوة عندهم سيما إن اتفق أن يتولي طب مشهور منهم اتفق أن كانت قوته ناهضة مستقلة بمرضه وسوء تدبير طبيبه وغلطه فيبرأ على يديه ويخلع عليه شاع ذكره وارتفع صيته وعظمت شهرته واستعظم يسير صوابه واغتقر عظيم زلله

والناس من يلق خيرا قائلون له

                   ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل

ولما رأي الراقبون في التكسب بهذه الصناعة أن أهل الجهل والتقصير من المتتحلين لها قد نالوا مقصودهم

من الغني والرتب السنية من غير استحقاق بل بالتمويهات والخدع ونصب الحيائل ، مع ما في طبع أكثر الناس من كراهية العناء والتعب وطلب المقصود بالطريق الأقرب ، مال أكثرهم إلى مثل طريقهم وسلكوا نحو سبيلهم سيما مع إغفال ولاة الأمور تفقد أحوالهم . ولم يتنزه عن ذلك منهم الا الآحاد والشواذ وهم الذين أحبوا الصناعة لنفسها وطلبوها للتأدب لا للتكسب بها وقليل ما هم . قدرت بذلك صناعة الطب واتمحت محاسنها وصار الغالب على المتعاطين لها الجهل والتقصير وصار العالم من أهلها إذا اتفق وجوده غريبا ممقونا عندهم مقصودا بالعداوة منهم

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه

               والجاهلون لأهل العلم أعداء

ومن الظاهر أن أقل هذه الطبقة من الأطباء أضر من الوباء الحاضر وأشر من الدين يقطعون الطريق ويخيفون السبيل لأن الناس يحذرون أولئك ويعتدون له السلاح ويتجنبون طريقهم والقرب منهم ويستسلمون إلي هؤلاء بالمجهاهرة " .

... وقال في مكان آخر : " ولم يفهموا أن ذوي اليسار والوجاهة من العامة قد عرض لهم في هذا الباب ضد ما كان ينبغي لهم ، وذلك أنهم يقدمون من المتعاطين لهذه الصناعة من كان ينبغي لهم تأخيره بعينه . وبيان ذلك أنهم لا يميلون من الأطباء إلا لمن أدمن البكور إليهم للسلام عليهم وصرف أكثر نهاره في لزوم أبوابهم واستنفد كل زمانه في لوازم صحبتهم ، وقد كان من الصواب لهم أن يجملوا هذه الأمور أسبابا لأن تسوء بهم ظنونهم ومانعة من أن يتقموا بهم في تدبير أبدانهم وسياسة صحتهم ، لأن التشاغل بهذه الأسباب من أكبر الموانع وأعظم القواطع عما يضطر إليه الطبيب من مطالعة كتب هذه الصناعة وتذكر ما علم منها واستفادة ما لم يعلم ، والتدرب على مباشرة أعمالها والتفرغ للفكر والروية فيما يحتاج إلى استعمالهما فيه من الأمور العويصة المشكلة التى يتفق له وقوعها فيما بطالعه من الكتب

وما يباشره من الأعمال . بل لوظن ظان أن من كان من العلم والقوة في الطب في منزلة بفراط لو تشاغل بما يتشاغل به هؤلاء لننسي ما كان يعلمه سريعا ، لما أبعد عن الصواب . ومن الظاهر أن التعاطي للطب بلزوم أبوابهم وطول صحبتهم لا يستحق أن ينتسب إلي الفضيلة في الطب ولا أن يقدم على غيره من الأطباء بل الذي يستحقه لزوم أبوابهم أن يقدم على البوابين ، لأنه قد فعل ما ينبغي للبوابين لا للأطباء فهذا وغيره ما قاله ابن جميع المصري في شأن مخرقة المخرقين وتمويه المموهين .

اشترك في نشرتنا البريدية