الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 230الرجوع إلى "الثقافة"

من منبر الشرق :، طبيب صلاح الدين

Share

تمنع قراء " الثقافة " بالمقالات الدقيقة التي حلل فيها الأستاذ الآديب عبد اللطيف حمزة شخصية صلاح الدين الأولى والحوادث التاريخية والاجتماعية التي وقعت في زمانه . وهأنذا  أنوي أن الحق بهذه المقالات كلمة تعرفك برجل فاضل عاش في ظل صلاح الدين ، لا سيما إذا كان هذا يتيح لنا فرصة للكشف عن صفحة رائعة مجهولة من تاريخ الأدب العربي ، بل الأدب المصري .

وقع في يدي منذ أيام كتيب أطلعني عليه الدكتور العلامة ماكس مايرهوف ، عنوانه " الرسالة الصلاحية في إحياء الصناعة الصحية " ومؤلفه هبة الله بن زين ( الدين ) بن حسن بن إقرائم بن يعقوب بن إسماعيل ابن جميع ( أو جميع ) الإسرائيلي المصري . تحتوي

النسخة المخطوطة على ست واربعين ورقة في الحجم الصغير . ويظهر على ورقها الهرم الضارب إلي صفرة مغيرة خط نسخي متقن يبعث السرور في قلب كل من يحب المخطوطات العربية وطالت معاشرته لها . وعلي ظهر الكتاب تاريخه ، وهو " العشر الأخير من شهر رمضان سنة ست وسبعين وخمس مائة الهجرة " ومعناه ان هذه الرسالة المهداة إلي صلاح الدين - كما يظهر من عنوانها - كتبت في عهد المؤلف ؛ ولعلها من خطه .

أما هبة الله هذا ، فقد كان - كما يقول عنه ابن أبي أصبيعة في طبقات الأطباء ج ٢ ص ١١٢-١١٥ - من الأطباء المشهورين والعلماء المذكورين " متفننا في العلوم ، جيد المعرفة بها كثير الاجتهاد في صناعة الطب ، حسن المعالجة جيد التصنيف . كان مولده ومنشأه بفسطاط مصر ، وخدم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن ايوب ، وكان رفيع المنزلة عنده ، عالي القدر ، نافذ الأمر وكان له مجلس عام للدين يشتغلون بصناعة الطب ، وله همة

عالية . . وكان له نظر في العربية وتحقيق للألفاظ اللغوية ، وكان لا يقرأ إلا وكتاب الصحاح للجوهري حاضر بين يديه ، ولا تمر كلمة لغوية لم يعرفها حق المعرفة إلا ويكشفها منه ويعتمد علي ما أورده الجوهري في ذلك " وفضلا عن علمه الواسع ، واطلاعه على كتب القدماء والمحدثين ، اشتهر أيضا بممارسته الموفقة في معالجة المرضي ، وبحدسه الصائب في التجربة العملية

لا يوجد ذكر الرسالة الصغيرة التي في أيدينا في ثبت كتب ابن جميع الذي أورده ابن أبي أصبيعة ، ولعل سبب هذا أنها لا تهتم بموضوع من الموضوعات الطبية الصرفة ، بل موضوعها اجماعي واخلاقي - وادبي إن اردت وستقول معى عند اطلاعك عليها إنها غير مقيدة بزمنها في اكثر ما تحتويه من نظرات اجتماعية وإصلاحية

وإنما هي حية " طازجة " كأنها قيلت اليوم . وذلك أن موضوعها الأخطار التي تحيط بحرفة الطب وبأخلاق الطبيب ، فتؤدي إلي انحطاط ما كان يجب أن يكون أسمى حرفة في سبيل خدمة الإنسانية ، وأنت توافقني على أن هذه المسألة ليست محصورة بعصر من العصور ، بل هي باقية ما بقيت صناعة الطب

يحتوي كتبنا علي ثلاثة أبواب أورد لك عناوينها : الباب الأول " في تقديم ما ينبغي تقديمه بمقتضى عرض هذه الرسالة " ، وهو فصلان أولهما " في الإبانة عن شرب الطب وعظم منافعه وشدة الافتقار إليه وثانيهما " في الدلالة على صعوبة صناعة الطب والإشارة إلى أسباب تعذر حصول الكمال فيها وندرة وجود الفضلا ، من أهلها ، واستيلاء النقص والتقصير على جل المتوسمين بها "

الباب الثاني " في الإشارة إلي أسباب دثور صناعة الطب ودروسها وانمحاء محاسنا وطموسها " .

الباب الثالث في الإشارة إلي طريق إحياء صناعة الطب ونشورها وتجديدها بعد دثورها لا تحسب أيها القارئ أن في سجع هذه العناوين

دلالة على أسلوب متقن بشكل في ثنايا كتابه ؛ والحق يقال إنه ليس في الكتاب كله سجع واحد - كما كان من عادة اكثر ادباء ذلك العصر - غير هذه العناوين المسجعة ، وإنما اسلوب المؤلف واقعي طبيعي ، بمعنى ان اللفظ يقع دائما على المعنى بعينه الذي يقصد الكاتب إلي التعبير عنه ، وان التناسب بين الاسم والمسمى يظهر من دون تكلف ولا تصنع ، حتى انك لا تستبعد الرأي ان ابن جميع في نثره الجذاب كان قد تتلمذعلى أبي عثمان الجاحظ شيخ طريقته

يتحدث ابن جميع في الباب الثاني من كتابه عن نشأة الطب عند اليونان وعن اطوار تاريخه منذ بقراط وجالينوس بعده ، وهما اللذان يمثلان في رأيه ذروة ما وصلت إليه المباحث الطبية عند القدماء ، ويبلغ عندئد إلى الفترة التي بين الأوائل والعصر الإسلامي ، تلك الفترة التي كان من مميزاتها انحطاط الدراسات الطبية والعلمية عامة . يقول المؤلف : " وظهرت بعد جالينوس في اليونانيين ملة النصاري وغلبت عليهم فحظرت النظر في الأمور العقلية فاطرح . ملوكهم العناية بها وأهملوا إعانة طالبها وانصرف الطالبون لها عن ارتكاب المشقة في طلبها واستطالوا قراءة كتب بفراط وجالينوس فاضطرب واختل امرها . ثم اتي أرباسيوس Oribasiusوقد استحكم زهد ملوك النصرانية في التعلم ، فرأى أن يستميل العوام إليه بطريق التقريب والتسهيل واجتناب التكثير والتطويل لكي لا يتلف ويبيد ،

فصنع كنانيش " جمع كناش " قرب فيها الصناعة إليهم وسهل بها تعلمها عليهم ، واحتذي حذوه في ذلك بواس ومن أتي بعده إلي وقتنا هذا ، فكثرت بذلك كتب الصناعة من الكنانيش والمختصرات والتلخيصات والجوامع ونحوها وانغمست كتب بقراط وجالينوس فيها . وقد كان اوجه الأطباء بالإسكندرية - لما يبق لأحد من ملوك النصرانية رغبة في التعليم . . واستشعروا خوفا أن تبيد الصناعة ويدثر ما عمله بقراط وجالينوس فيها - سألوا

أولئك الملوك في إبقاء التعليم بالإسكندرية وان يكون ما يقرأ من الطب عشرين كتابا فقط ستة عشر منها من كتب جالينوس وأربعة من كتب بفراط ، فأجابوهم إلي ذلك ، واتصل التدريس بالإسكندرية إلي أيام عمر بن عبد العزيز فان القائم بالتدريس يومئذ اسلم على يديه وصحبه وهو امير قبل إفضاء الخلافة إليه . فلما افضت إليه الخلافة انتقل التدريس إلي أنطاكية وحران ( ١ ) وغيرهما وانتعش التعليم إلي ان ولي المأمون عبد الله بن هارون الرشيد الخلافة فأحياه وأنماه وقرب الفضلاء . ولولاه لكان الطب وغيره من سائر علوم القدماء قد دئرت ودرست كما درست الآن من بلاد اليونان التي كانت أخص البلاد بها . . ..

وبعد أن ذكر ابن جميع كتب جالينوس الستة عشر التي اتفق برنامج تعليم الطب عند المتأخرين عليها يستطرد قائلا : " ولم يقتصروا على تعليم هذه الكتب لا لأنهم رأوا أنها كافية في استكمال صناعة الطب ولا أنها مشتملة علي كل ما يضطر إليه الطبيب في التصدى لمباشرة المرضى ، كما قد ظن كثير من جهال الاطباء وغيرهم ، بل لتكون هذه الكتب مشوقة لقارئها إن كان ذا طبع جيد وهمة متشبهة

بل هو مضطر إذا فهم ما فيها قراءة ما سواها بل إلى استتمام الصناعة واستكمالها . . إن من أتى بعد الإسكندريين من المحدثين الذين وضعوا الكنانيش ونحوها اكثرهم توهموا ان يستغني بما وضعوه منها عن كتب القدماء ، ومنهم من صرح بذلك كالذي سمي كتابه " كامل الصناعة الطبية " والذي سمي كتابه " المسمني "

أو " الكافي وهم في هذه التسميات كالذي سمي الغراب آبا البيضاء واللديغ السليم ، فغلطوا بذلك أكثر الناس واقتصروا عليها وأضربو صفحا عن كتب القدماء لما في طبعهم من الميل إلي الأسهل والهرب من الأطول واستمر هذا الغلط بهم إلي ان هجرت كتب بقراط سميت

جوامعها بأسمائها وجهل الفرق بينها وبينها .

أما ما يدعو المؤلف إليه بعد أن عدد أسباب دثور صناعة الطب من إهمال الملوك العناية بها وتخلف أكثر الطالبين لها ورغبتهم في التكسب لإ في التطيب والإعراض عن دراسة المصادر الأصلية بأكملها ومباشرة العمل والتجربة في معالجة المرضي - فإنه أشياء ، منها أن لا يمارس حرفة الطب وتعليمها إلا رجال فضلاء محنكون حذاق في أعمالها ، ثم تخريج طالب الطب وتدريبهم في مزاولة

المرضى بين أيديهم ، " وأجود ما يكون ذلك وأفضله في البيمارستانات ، لأنها مجامع الأطباء والمرضي ، وفيها تحصل المتعلمين الرياضة التامة في اعمال هذه الصناعة بين الأساتذة الحذاق فيها " كما يجب أن يتخير منهم من لهم بالفطرة عقول جيدة وأذهان مسددة وطبائع تميل إلي الخير وتأبي الشر وحرص على الفضيلة وصبر على المشقة في طلبها

وانصراف عن الاشتغال باللذات العائقة عنها . ويحب أن يكون امتحان الطبيب في الحذق والحنكة والدرية في أعمال الطب أقسي وأشد مما هو في وسع اطلاعه على الكتب المدونة فقط مع استمرار الاستفادة مما جمعته اجيال متتابعة من تجارب وممارسات ، فإن بقراط " يقول " العلم قصير والصناعة طويلة " يعني ان عمر الإنسان قصير بالقياس إلي صناعة الطب ، " وإنما ادرك ما ادرك إلى هذه الغاية منها ألوف من الرجال في ألوف من السنين بأن أخذ كل متأخر سهم ما استنبطه وادركه من تقدمه فهذيه وفرعه وتطرق منه إلى مالا يتفق له إدراكه وزاد عليه ما استنبطه هو نفسه إلي أن تمت الصناعة وصار من فهم جميع ما ادركه من تقدمه منهم واقتفى فيه أثرهم كمن قد عمر جملة أعمارهم واجتهد كل اجتهادهم "

هذه نبذة من كلام هبة الله بن جميع في رسالته ولعلها تشوقك إلي أكثر فأكثر حتي يدعوني شوقك هذا إلي الرجوع إليها مرة اخري علي صفحات " الثقافة " الغراء

اشترك في نشرتنا البريدية