الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 286 الرجوع إلى "الثقافة"

من منبر الشرق :، قصص الأطباء

Share

لعمري قد امتع حضرة الدكتور الأديب أحمد زكي  بك قراء " الثقافة " بما قص عليهم من قصص الاطباء والعلماء المحدثين ، هؤلاء الرجال الذين بذلوا كل قوتهم بل ما فوق قوتهم - في سبيل مكافحة الآلام الجسمانية والروحانية التي تعانيها الإنسانية حتى كادوا ان يصبحوا أبطالها وفرسانها المعاصرين .

هذا ولست من الذين يدعون ان ما نجده عند المحدثين يجب أن نبحث له عن نظير عند القدماء ، وان ما للقدماء من القيم لا يهمنا إلا بنسبة ما نتذكر  به قيم المحدثين . على أنا قد نعثر في الأدب العربي القديم على ثروة وافرة من قصص العلماء والأطباء خاصة ، لاريب عندي أنها جديرة بأن تنفذ من أيدى النسيان . ولذلك عزمت ان أقص عليك أيضا بعض قصص الأطباء التي جمعتها من  مصادر شتى غير مطبوعة إلى اليوم ، كي اطلعك على ما كان

للسلف من المواقف والمقامات في هذا الشأن .

لست في حاجة إلي القول بأن أهم مصادرنا في هذا المجال تأليف ابن أبي أصيبعة وابن القفطي ، مع أنك لتعرف ان كثيرا من كتب هذا النوع قد تعلو عليها أطباق متراكمة من تراب النسيان في خزائنها ، أو أضاع الدهر مأثرها . فهناك كتاب صوان الحكمة لأبي سليمان السجستا في الذي لخصه وكمله ظهير الدين البيهقي ؛ وهو وإن كان من أهم الكتب العربية في تواريخ حكماء الإسلام ، فإنه لا يزال يترصد بعد ناشره الشفيق ؛ وكذلك كتاب بستان الآلباء في طبقات الأطباء لإلياس بن مطران الدمشقي الذي كان مصدرا من أهم المصادر التي اعتمد عليها ابن ابي أصيبعة في كتابه . وأما ماضاع فأكثر ، ولا سيما تاريخ الأطباء لابن جلجل الأندلسي الذي كان مليئا بالقصص الطريفة ، وكثير غيره ؛ ويالها من ثروة قصصية وادبية ايضا مبعثرة في سائر الكتب العربية من تآليف الأدباء والكتاب  وأصحاب عقلاء المجانين وذوي الجد والهزل ، فضلا عن  العلماء والحكماء والأطباء أنفسهم عند ما يحكون لنا  أخبار معاصريهم وتجاربهم في ممارسة حرفتهم

فهاك الجاحظ أبا عثمان - الذي ترجع إليه الرياسة  في كل ميدان من ميادين الأدب ولو في ميدان قصص الاطباء يقص لنا في طوايا كتبه كثيرا عن معاشرته لهم ، وممازحته إياهم ، حتى إنه ليروي عنه عنوان لكتاب خاص في مناقضة الطب وتسفيه الاطباء لو وصل إلينا لجمد وجوهنا ضحكا وحرك أحجبتنا قهقهة . وهاك أحمد بن يوسف صاحب المكافأة والتوحيدي صاحب المؤانسة ومن اصحاب الصناعة الطبية الرازي ، والمجوسي ، وابن بطلان وابن رضوان ، وهبة الله بن جميع طبيب صلاح الدين ، وغيرهم ممن صورا أنفسهم وزملاءهم أثناء عملهم الصالح والطالح ، وعظموا جلائل خدمات الاطباء الحق ، كما استعظموا تمويه المموهين ومخرقة المخرفين

وقد اخترت لك من هذه القصص ماعسي أن يريح  بالك في فكاهيتها أحيانا ، ويضع أمام الطبيب الحديث  مرآة تتجلى فيها خصاله أحيانا اخرى .

قال هبة الله بن جميع في " الرسالة الصلاحية في إحياء  الصناعة الصحية " تلك الرسالة الرائعة النسيجة وحدها ، التي قد تكلمت عنها على صفحات الثقافة " ) العدد ٢٣٢،٢٣٠ ( ، قال :

" ولعظم منافع هذه الصناعة والافتقار إليها صار  الملوك يعظمون الفضلاء ، من اهلها ، ويستجلبونهم من البلاد القاصية ، ويبذلون لهم الغرائب ، وينزلونهم من المقة بهم والقرب منهم في اعلي المنازل وأجل المراتب ومن الاخبار التى يصلح الاستشهاد بها في هذا الباب ما حكاه القاضي النعمان ، وهو ان المعز لدين الله استدعاه ذات ليلة لهم اتفق له ، فوجد في المجلس الذي كان المعز جالسا فيه بالقرب منه سريرا وعليه شخص قائم مغطي . قال نعمان : فخاطبته وإنا مستوفز للقيام ، فأنكر ذلك من حالي وقال لي : اتظن أن على السرير امرأة ؟ ! فقلت : نعم يا مولانا فقال إنما عليه موسى الطبيب ، وكان جالسا عندي فرأيته وقد غلب عليه النعاس وهو شيخ كبير ، فأمرته أن يصعد على السرير

ويأخذ هجعة

وليست هذه القصة ادل دلالة على منزلة الطب والأطباء من الملوك والعقلاء ، من تلك القصص العديدة التي أوردها أبو بكر محمد بن زكريا الرازي في كتبه ورسائله المختلفة . وهاك خاصة رسالة له " إلي بعض تلامذته " - وهي محفوظة في الخزانة التيمورية تحت رقم ١١٩ طب - تحفل بقصص رائعة من هذا النوع ، يقصها صاحبها قاصدا بها الحث على اخلاق الأطباء والتحذير للاخطار التى تتعرض لها حرفة الطب . قال :

" ينبغي لمن يختص المتطبب لنفسه من الملوك والإكابر والسوقة أن يبالغ في تطيب قلبه بلطيف الكلام ، وان برفعه فوق جميع من في مجلسه من خدمة وغيرهم ، فإن هؤلاء خدام جسم ، والمتطبب خادم روح . وقد كنت ذات يوم في مجلس بعض الملوك ، وكان له متطبب اختصه لنفسه ، فدخل علينا المتطبب ، فغلظ له الملك في القول وقال : دعاك فلان الحاجب إلي داره فلم تحبه ! فقال المتطبب ؛ أيد الله الملك ، الأصحاء يحضرون إلي الأطباء ولا  يستحضرونهم ، إلا الملك فقال الملك : إنما كان لك ذلك قبل أن توسمت بخدمتنا . فأجاب المتطبب بجواب اعجب الملك والحاضرين فقال : أيد الله الملك ، ظننت ان خدمته تزيدني رفعة وعظم قدر لا ضمة وخمول ذكر . ففهمه الملك  واعتذر إليه وخلع عليه

وقال في موضع آخر من تلك الرسالة : " واعلم انه من أصعب الأشياء للطبيب معالجة الترفين والنساء ، فإن الطبيب الحر السيرة إذا اشتغل بصناعته وحفظ الخاصة والعامة ، فإنه يعيش حرا ويكون عليهم اميرا ؛ وإذا توسم بخدمة الملوك ربما صار بخدمتهم اميرا ، لا سيما إذا كان الملك عاميا . كما أني سمعت ان بعضهم اصابته علة ، فأمره الطبيب بالحمية وهو يأباها ، وقال : ما اصنع بالطبيب إذن إذا منعنى المشتهي ، وإنما اصطنعتك لنفسي لا كل ما اريد وتدفع بعلمك عني ما أكره من مضرته . ولم يكن يعلم انه

من المحال مثل هذا الكلام ، وانه ليس في قوة صناعة  الطبيب ، وان الأطباء عاداتهم عادات الامراء ، وأمورهم نافدة على الأغنياء والفقراء لأن من عاداتهم ان يأمروا وليس من عاداتهم أن يؤمروا "

وقص أيضا : " وقد كنت ذات يوم في مجلس بعض  الاكابر واعطاه الطبيب شربة ، فسر وجهه ، فقال بعض ندمائه  لم لا أصبت منها ؟ فقال الطبيب : او كل شربة او دواء يحضر المجلس يجب على ان اصيب منه ؟ إنى إذن من عباد الله المكلفين . فقال له صاحب المجلس : صدقت وأمر بتسليم مفاتيح بيوت دوائه وبيوت شرابه إليه  

وهذه القصة تذكرنا بما رواه ابن جميع في كتابه عن  القدماء قال : " وما جاء ، في اخبار الإسكندر  وهو ان امه استشعرت خوفا ان يغتاله طبيبه ، فكتبت إليه تحذره من ذلك . فلما ورد كتابها إليه ووقف عليه ، احضر طبيبه فاستدعي منه شربة فلما أتاه بها تناولها منه بيمينه فشربها ، وناوله الكتاب بيساره وقال له : قف عليه وانظر ثقتي بك  

ولكن بين قصص الرازي قصص أكثر مزاحا وطرافة . منها - مثلا - ما حكاه عن نفسه : " انه كان لي صديق  كثيرا ما كان يختلف إلي عندي ) ١ ( ، وكان يعتريه في بعض الأوقات خناق بلغمى . فدخل علي يوما وقد أحمر وجهه وانتفخت عروقه ، مثل ما يكون عليه اوجه السكاري . فسألته عن حاله فقال : كنت جالسا في دكان عطار احدثه " فشق نافجة مسك وسحق منه شيئا صالحا على صلابته  فجاء إلى ما عندنا رجل في عقله بعض الخلل يشتري منه الطيب . فلما أشغل العطار بذلك اخذ الرجل المؤوف ما علي الصلابة من المسك ، ولم أكن أحفظ نفسى منه ، فإذا أنا به وقد نفخه في أنفى بغتة ، فصرت علي ما تري . ومكث عندي هنيهة ، وقام وخرج فخر في الطريق واخذته العلة التي  كانت تعتاده على الأيام فذهب به إلى داره صديق له ودعا بمتطبب غريب لم يعرف حاله ، فظن ذلك الطبيب انه خناق

دموي . ودعيت انا فلما ان دخلت عليه فإذا انا بالمتطبب وقد عضد  به واستعد بفصده بالفيفانين ، فنهيته عن ذلك ومنعته من فصده ، وعالجته من العلاج بما كنت عودته فبريء . ولو فصده لعمل في إنتلاف نفس " .

وأريح بالا من هذه القصص التي يحكيها الرازي عن الذين يدعون الطب وليسوا منه ، من الزراقين والمخرقين وأصحاب التجارب ، كما سماهم ذلك الجيل ؛ فهاك واحدة منها ، مع ما يضيف إليها الرازي من ملاحظات تدل على ما كان هذا الرجل عليه من الكفاح ضد الغباوة والبلادة الإنسانية طول عمره :

" دخلت مرة قرية مجتارا بها ، فبقيت هناك أياما ، فرايت شيخا كان يحضر بباب مسجده قوارير الماء ، فكان يأمر بأشياء ، كما يتفق له ويخطر بباله ، ويجري علي لسانه . فسألتهم عن حاله ، فقالوا : إن له كتبا كثيرة في علم الطب ، وقد عرف طباعنا بالتجربة فقتل الشقي بعلاجه المنكر من مدة ما كنت هناك عددا من الناس . فعجبت من غباوتهم وشقاوته ، ومن جهالتهم وجرأته . ولو خليت المرضي والطبيعة ولم تعالج البتة خير لهم واعود عليهم من ان يستشفى بمثل ذلك الطبيب . ولو ان رجلا استوعب مدة عمره فانه لا يصح له من التجربة ان الإسهال يعالج بدلك الرأس بالخرق الخشنة ليتقرح ، وان السعال ربما يؤدي إلي السل إن لم يلطخ بدواء الخردل حتى يسقط ويتقيح " .

وقال :  واعلم أن اللصوص وقطاع الطريق خير من أولئك النفر الذين يدعون الطب وليسوا بأطباء ، لأنهم يذهبون بالمال وربما أبقوا على الأنفس ، وهؤلاء كثيرا ما ياتون علي الأنفس النفيسة . وإن من اضطر إلي ذلك لحاجة أو سد مجاعة خير ممن هو مستغن عنه بريد بذلك التسوق  والسمعة ، كي يقال إن فلانا يرجع إلي علم الطب . وأكثر هؤلاء يرجعون إلي الزهد وصيانة النفس ، ولو امسكوا عنه لكان جزاء لهم دينا ودنيا وآخرة وأولي . . وإياك أن يغلطك المخرقون المهرجون على الناس بحضرة مخدومك ، فيكلفونك استخراج أشياء ليست من صناعة الطب مما يعتادها

الكذبة ؛ إنه قد يمكن المشاهد أن يعرف جميع ما بالعليل من أمره إذا نظر إلى مائه ، أوجس نبضه ، لا بل يعرف ما أكل  من قبل ذلك وراد ، ومن سائر اموره ، والفرق بين الأبوال . وهذا من أعظم الكذب والباطل على صناعة الطب ولهؤلاء المخرقين - اخزاهم الله - في ترويج حيلهم عند العامة أنواع من الحيل وزرف لطيف جدا . وقد شرحنا هذه الأمور في مقالتنا التى الفناها فى هذا المعنى . فربما امر المخرق مراطنه ان يجعل بدل البول في القارورة ماء التين  او ماء نقيع المشمش فيرده إليه بحضرة من الناس ، فيغضب لذلك المخرق ويتناوله ويشربه . وربما يدفع إليه في قارورته بول شاة بمرأي من العوام فيقول تحتاج إلى زيادة حشيش ، فيغتر بذلك كثير من أهل العقل والتمييز فضلا عن سواهم وإنما صرت بحيث لا يخفى على شيء من هذه الأمور لأني كنت في حداثتي أتعامل العزائم والمخاريق لا يخفي علي اكثر وجوهها " .

وكأني به إذ يصب علي هؤلاء الناس كؤوس سخريته ، ويباهت بضحكته العريضة معاصريه حتى يقتنعوا أنه ليس طبيبا عظيما فقط ، ولكن عارفا بمخرقة المخرقين وتمويه المموهين ايضا . وهاك قصة رواها عنه مواطنه ابو حاتم الرازي الداعي الإسماعيلى في كتابه " أعلام النبوة " ، وهي تدل على ما كان الرجل عليه من روح التفكهة والممازحة فضلا عن غيرهما من الخصال الفريدة

قال أبو حاتم : " وقد كنت ذاكرت ابا بكر الرازي في ذلك فقلت له : " اادركت أنت بطبعك وفطنتك ما لم يسبق إليه من تقدمك فنصدقك في هذه الدعوي ؟ قال : نعم ، انا اخبرك في هذا بأمر عجيب . كانت لي قصة مع أحمد بن اسماعيل وقت مقامي ببخارا عجيبة . وذلك انه قد كان خرج يوما من الآيام متنزها وكنت معه في موكبه ، فدفعنا إلى موضع نزه كثير العشب والنور ، فنزل ونزلنا معه ، ونظر إلي حشيشة قريبة منه فقال لي : يافلان لماذا تصلح هذا الخشيشة ؟ فأجبته على البديهة وقلت : تدر البول . فأمر ان تختلى تلك ، وحضر الطعام وقدمت المائدة فوضعت

تلك الحشيشة على طرف المائدة ، وقعدنا معه ، ودعا بغلام له كان يأكل معه فأقعده في ناحية المائدة التى عليها تلك الحشيشة ؛ وأقبلنا نأكل ، فتناول الغلام تلك الحشيشة على سبيل من تناول البقل ، وهو لم يعرف خبرها وما جري في أمرها . فما استتم طعامه حتى قام عن المائدة وغاب عنا وبال . فلما انصرف قال له صاحبه : ما شأنك ولم قمت عن الطعام ؟ قال : غلبني البول ولم اقدر على ضبطه . فتعجب هو من ذلك وتعجب الناس ،

قال أبو حاتم : " قلت له : فهل كنت عرفت هذه الحشيشة قبل ذلك ؟ قال : لا والله ما كنت رأيتها ولا عرفتها . قلت وهل توجد في بلدنا وهل تعرفها الآن ؛ قال : لا والله ما اعرفها ولا أدري اتوجد ههنا أم لا . قلت له : ألست تعرف شأن هؤلاء الزراقين الذين يقعدون على السبيل ويخدعون عوام الناس بالزرق ؟ قال : هل احد اعرف بهم مني ! قلت : فإن حديثك هذا هو من نوع الزرق وليس هو من نوع المعرفة بطباع العقاقير طبعا وفطنة وتجربة . قال : وأي فطنة الطف من هذه ؟ قلت : كيف تعد هذا من الفطنة ، وكيف تشبه هذا بفطنة الحكماء الذين تزعم أنهم أدركوا معرفة طبائع الأشياء بفطنتهم واستخرجوا ذلك بالشم والذوق ، وانت تزعم انك تكلمت في هذه الحشيشة على البديهة من غير فكرة ولا روية ولا تجربة ، وانك لم تعرف هذه الحشيشة قبل ذلك ولا ذقتها ولا شممتها ، ولا تعرفها الآن ولا تدري هل توجد في هذه البلدان أم لا أوليس قولك هذا هو الزرق ، ودعواك هي بالزرق أشبه منها بفطنة الحكماء وتجاربهم ؟ !

وهكذا يستمر ابو حاتم في هذره وهذيانه غير مبال بضحكات الناس القائمين حولهما ، الذين يطربهم وقوفهم على فصل ما بين جد " اصحاب الكهنوت " وبين هزل صاحب العبقرية .

فهذا شئ قليل مما وددت أن أقصه عليك من قصص أطباء العرب ، متعة لك وفائدة ، والسلام

اشترك في نشرتنا البريدية