فلنستأنف حديثنا من منبر الشرق . . بعد فترة طويلة .
إلي حضرة الأستاذ الجليل الدكتور عبد الوهاب عزام المحترم .
سيدي وسندي :
العمري قد راعتني المحاضرة التي ألفتموها في الجمعية الجغرافية أخيرا عن نشأة الخط العربي وتأريخه وتطوره أثناء العصور الإسلامية ، وكم أسفني أن ظروفا حالت بيني وبين حضور محاضرتكم الثانية التي كان اعربتم فيها عن إيمانكم الوثيق بتفوق الخط العربي على الخط اللاتيني للعبارة عن مزايا اللغة العربية من جهة ، وبصلاحيته للاصلاح في رسمة وشكله من جهة اخرى . وليس مصادفة أن هاتين المحاضرتين تقعان في هذه الأسابيع التي تثور فيها المناقشة في جميع المحافل والمجالس حول مشروع عرض على هيئة علمية ذات وقار في إبدال الخط العربي بالخط اللاتيني ، أو على الأقل بخط يعالج الحركات معالجة الحروف بوضع تلك على مستوي هذه ، على غير ما هي عليه في الخط العربي خاصة وفي الخطوط السامية عامة ، حيث تكون نسبة الحرف إلي الحركة فيها كنسبة الجسم إلي النفس ، ولا يتسع هنا المقام لدخولي في هذه المناقشة
قد سردتم في محاضرتكم الأولى الأطوار المختلفة التي مرت بها الكتابة الإنسانية قبل أن تصل إلي الخط الابجدي أو خط الحروف ، وأظهرتم ما كان في ابتكار خط الحروف من العبقرية ، إذ انقذ تسجيل اللغات المختلفة بل كثرها من ايدى الكهنة الأفراد اصحاب اسرار وخدع المخاريق ، وأداء صالحا للاستعمال تحت قلم كل من أحسن نيته في تعلم ثلاثين علامة كتابية فأقل . ونيتهم عند ذاك
إلي الآثار الكتابية القديمة التي كشفت عنها حفائر الحافرين ، والتي وسعت معرفتها بل حل رموزها نطاق ذكر الإنسانية بماضها . ذكرتم الخطوط الفونيقية وما اشتق منها من الأبجديات الآرامية فالسريانية فالتركية القديمه فالسنسكريتيه فالفارسيه القديمة والمتوسطة ، هذا إلي الشرق ، وأما إلي الغريب فاليونانية وبعدها اللاتينية ، ومنها كل الخطوط الغربية الحديثة . فكان ابتكار مبتكر وحيد فتح العالم بحذافيره ، واهدى إلي الإنسانية جمعاء آلة تعرب بها عن أفكارها وأحلامها
وأذكر ثم بهذه المناسبة ما أورده أصحاب الأتنولوجيا - أرك كما أردت أن أحمهم أصحاب المباحث الشعوبية القبائلية - من القصص الطريفة في شأن ما يدعي عندهم كتابة العصا ، تلك الكتابة السرية التي يقال عنها إنها تستعمل إلي اليوم عند بعض القبائل في قلب إفريقيا أو اميركا . ومبدؤها ان تلف عصا الراعي بسيور من الجلد متلاصقة " لياتها " بعضها ببعض ، حتى تكسو العصا بتمامها ، ثم يكتب عليها ما يقصد به إخبار الغير ، ثم تزال تلك السيور عن العصا ، ولا ترد إلي وضعها الأول إلا عند وصول الرسول إلى من يؤدي إليه رسالته السرية . هكذا قول اصحاب الاتنولوجيا ، وفي الحديث لا شك طرافة ، ولكن اطرف من هذا ان اجدادكم من ادباء العرب قد عرفوا كتابة العصا حق معرفتها ، ووصفوها وصفا ليس وراءه من دقة .
قد أتيحت لي الفرصة مرارا أن أتحدث عن كتاب " التنبيه على حدوث التصحيف " ، لابي عبد الله حمزة بن الحسن الإصفهاني ، وان انقل منه بعض النصوص ، ولا سيما تلك النصوص التي يتكلم صاحبها فيها عن الحروف العربية وإخطارها وحاجاتها إلى الإصلاح ، وعن خطوط سائر الامم من الخميرية والفارسية والعبرية والسريانية واليونانية والرومية ) كذا ( والقبطية والبربرية والأندلسية
والهندية والصينية شارحا كل واحد منها على سعة طاقته ومعرفة أهل زمانه .
ونقلت أيضا من كتاب حمرة ذلك الاقتراح الرائع الذي اورده باسم معاصره أحمد بن الطب السرخسي تلميذ الكندي في إصلاح الخط العربي حتى يصبح صالحا لتجنب التصحيف أولا ، وللعبارة عن أصوات اللغات جميعها على مختلف مخارجها ثانيا . وقد اورد حمرة بهذه المناسبة وصفه الدقيق لما سميتموه وسماء هو كتابة العصا ، مما يدلنا على أن هذه الكتابة السرية ليس حيزها ودائرة استعمالها بعض القبائل الهمجية حديثا ، بل كان استعمالها شائعا عند الفرس القدماء وأساسا من أسس إدارتهم لبلادهم .
قال حمزة : " . . وكانت للفرس كتابة اخري تسمى كتابة العصا حكاها الشلمغاني ( ١ ) ولم يعرفها للتوكلي(٢ ) فسمعت بكرا الاقليدسي يقول : سألت الشلمغاني عن معني هذين البيتين :
أي كتاب بالطي تعرفه.....وعند ضم تبين أحرفه
والنشر مما يزيل صورته........وكتبنا كلها تخالفه
فقال : هذا نعت كتابة العصا ، وكانت كتابة الملوك الفرس ، يودعها الأسرار التي يخاطب بها خواص عمالها في بلدان اعمالها . ولم يكن بخط بمداد ولا يجري مجراء ، وإنما كان يعمد إلي جلد أبيض فيقد منه سيرا طويلا ثم يعمد إلى عصا الفيج (٢)أو المكاري ، فيلف السير عليها ويضم حروف السير بعضها إلى بعض ، ثم يدعو بمسامير فتركب في سير علي العصا كي يتماسك ، ثم يكتب عليه
ما يخاطب العامل به . وإذا فرغ من الكتابة سلت مسامير وكشف ذلك السير عن العصا ، فكان لا يبين منها إلا نقط متفرقة ، ثم يلف السير ويجعل كالطبق ويقال للفيج أو المكاري : إذا نزلت منزلا فضع طعامك عليه ليوهم انه طبق طعامك . فيكون هذا دأب الرسول إلي ان يبلغ إلي حضرة المكتوب إليه ، فحينئذ يرد لف السير على العصا كما كان رسم به ، بأن يجعل الثقب التي في السير مجاء الثقب التى في العصا ويشد المسامير في الثقب ، ثم يضعها عند المكتوب إليه . فهذا هو الكتاب الذي إذا طوي وضم بعضه إلى بعض امكنت قراءته ، وإن نشر زالت صورته ، فتعذرت قراءته
" ثم سالت عنها أحمد بن علي البرقي ( ٤) المتكلم فقال : نعم هذا صحيح ، واخذ درجا من الكاغد بين يديد فكسر منه شبيها بورقتين وضم أثناء بعضها إلى بعض ، ثم كتب عليه شيئا يقرا ثم نشره وبسطه ، فصار في كل موضع من الورقتين كالعلامة والنقطة ، فقال هذا هو الكتاب الذي وصفه قائل البيتين .
قال بكر ( يعني الأقليدسي ) : ولم ادر واحدا من المعنيين ، ولا خطر لي ببال . ولكن مررت بصحاف عنده مجلد إلى حروف الأوراق الممسوحة بالسيف وقد كتب عليه كتاب كذا وكذا . . فكان هذا يقرأ مادام منصافا ، فاذا نشر وتبابينت الأوراق صارت الكتابة كالنقطة والعلامة في حروف الورق فهذا الذي اردته . فهذا الذي أردته . وياليت كتاب حمزة وفق بعناية ناشر له حسب المخطوطات العديدة التي سردتها في " الثقافة " عدد ٢٢٣ ، لأنه لا يمكن استيعاب الثروة الثقافية والعلمية التي يحويها في مقالات وجيزة من منبر الشرق .
أرجو أن تكونوا راضي النفس مطمئن الضمير موفوري العافيه. وتفضلوا بقبول اصدق تحياتي واطيب اماني

