لعلك يا عزيزي تذكر ذلك الباب الأسبوعي اللطيف الذي كان يمتعنا فيه على صفحات "الثقافة " الأستاذ الراوية أحمد الزين بمنتجات من عيون الشعر العربي بعنوان " أحسن ما قرأت " . وكم شوقتني هذه المختارات الرائعة في كثير من الأحوال إلي الاستزادة من آثار شعراء العرب ، ولولاها لما كنت أهتم كثيرا بالاتصال بهم .
جال في قلبي أن أعاود طرق هذا الباب في " الثقافة " غير مقتصر هذه المرة على الشعر فحسب ، إذ كنت قد اقتنعت منذ حين بأن في الآداب العربية من النثر الرصين ما هو أجمل وأروع من شعر الشعراء .
وعند ما وصلني خطابك الذي قلت فيه أن قُص عليّ شيئاً عن هذا المترجم العظيم ، أعني حنين بن إسحق ، وعن تلك " العذوبة " التي وصف بها أسلوبه ، على ما أشرت إليه في رسالتك السابقة .
وقلت : إن جهد المترجمين من مدرسة حنين بن إسحق لإحياء تراث القدماء في رونق العربية المبين يدعونا نحن أبناء القرن العشرين إلي أن نقفو أثرهم ، ونتمثل بمثالهم ، إذ كنا اليوم - في عصر نهضة العربية - أمام نفس المسائل التي أضني القوم أنفسهم في سبيلها ، ونجحوا في حلها ، فقد وجدوا في معين العربية الخالد مادة كافية للتعبير عن جميع ما دعا إليه العصر من المصطلح العلمي والفلسفي ، مترجمين اللفظ اليوناني بضوء العربي الذي هو
مرآته الصادقة ، حتى أصبحت اللغة العربية البدوية الآيدة أداة ثقافية لا تخذل من يستعين بها في أي فن من الفنون ، وساوت - أو فافت - أختها اللاتينية ، لغة الغرب الثقافية في القرون الوسطى .
وقلت : أما نحن اليوم فنجهد عين جهدهم ، ونكافح مثل كفاحهم للتعبير عن الثقافة الحديثة باللغة العربية ، ولكن ما أبعدنا عنهم حظا وتوفيقا !
فعرفني شخصية الرجل ، وعلمني مناهجه في البحث ، ودستوره في النقل ، لعلنا نستفيد منه في حل المشكلات التي نرتبك فيها .
عندئذ عزمت على أن أورد لك نخباً مما قرأته من حديث هذا الرجل ، عساك أن تستحسنها وتقول معى إنه كان ، لا ناقلا نشطا فحسب ، بل أديباً ضليعاً أيضاً ؛ وعساك أن تتكفل أنت - بعد وقوفك على هذه النصوص - بالمضي في البحث عن أسرار جاذبية حنين وفنه في الترجمة ، حتى تجعله موضوعا لبحث جدى ، بعد أن شدوت شيئاً من اليونانية والسريانية والجاحظية على السواء ، إذ لا بد من جمع تلك الأطراف الثلاثة لمن يقصد إلي الكشف عن غور هذا الرجل .
أوردت لك في مقالي السابق قطعة من رسالته إلي على بن يحي المنجم في ذكر ما ترجم من كتب جالينوس الطبيب اليوناني ، وهذه الرسالة المشحونة بالمعالم الدقيقة كأنها تقرير موضوعي صادق عما عمله حنين بن إسحق وتلامذته - إسحق بن حنين ، وحبيش وعيسي بن يحي وغيرهم - في ترجمة كتب الطب اليوناني إلي اللغة العربية وبرنامح لما بقي من العمل حتى تخرج كل الكتب اليونانية في هذا الفن إلي العربية ؛ وهاك فصلا آخر من تلك الرسالة (1) يدلك على ما بذل حنين من الجهد في الحصول
على مخطوطات يونانية ، وفي مقابلتها وتصحيحها ، يقول حنين عن كتاب " البرهان " لجالينوس (1) :
" ولم يقع إلي هذه الغاية في يد أحد من أهل دهرنا لكتاب البرهان نسخة تامة باليونانية ، علي أن جبريل (2) قد كان يععى بطلبه عناية شديدة ، وطلبته أنا غاية الطلب ، وجلت في طلبه بلاد الجزيرة والشام كلها ومصر ، إلي أن بلغت الإسكندرية ، فلم أجد منه شيئاً إلا بدمشق نحواً من نصفه ؛ إلا أنـها مقالات غير متوالية ولا تامة ، وقد كان جبريل أيضا وجد منه مقالات ليست كلها المقالات التى وجدت بأعيانها ؛ وترجم له أيوب(3) ما وجد . وأما أنا فلم تطب نفس إلا باستكمال قراءتها ، لما هي عليه من النقصان والاختلال ، وللطمع وتشوق النفس إلي وجود تمام هذا الكتاب ؛ ثم إني ترجمت ما وجدت إلي السريانية ، وهو جزء يسير من المقالة الثانية وأكثر المقالة الثالثة ، ونحو نصف المقالة الرابعة من أولها ، والمقالة التاسعة خلا شيئاً من أولها فإنه سقط ، وأما سائر المقالات الأخر فوجدت إلي آخر الكتاب ، خلا المقالة الخامسة عشرة فإن في آخرها نقصاناً " .
وليس دليل أوضح على أمانة حنين إزاء النصوص القديمة مما ٌنقرأ له من تعليقات على هامش ترجمته لكتاب جالينوس " في الأسماء الطبية " (4) الذي يقول فيه : " إن جالينوس من بعد ما قال هذا القول أتبعه بنسخ كلام
أرسطوفانس (1) ، إلا أن النسخة اليونانية التي منها ترجمت هذا الكتاب إلى السرياني كان فيها من الخطأ والسقط مقدار لم يمكنني معه أن أخلص معانيها ، لولا أنني قد ألفت وتعودت فهم كلام جالينوس باليونانية وعرفت جل معانيه من كتبه الأخرى ، فأما كلام أرسطوفانس فإنني لم آلفه ولم أتعوده ، فلهذا السبب لم يسهل علي تخليصه وتركته . . ورأيت أن لا أشغل نفسى به وأن أتخطاه إلي ما هو أنفع منه " .
ولكن لا تظن أن الرجل يكتب دائماً بمثل هذا الأسلوب البسيط الذي لا يعنيه فيه إلا تقرير الحقائق فحسب ، بل كثيراً ما يرتفع أسلوبه إلي مستوي تحس معه أنه كان قد تتلمذ على الجاحظ الذي عاصره ، فأصغ إلي ما يقوله في مناقب سقراط الحكيم (2) : " سقراطيس " أبو الفلاسفة القدماء ، وهو حكيم الحكماء ، من عنده وردت الفلسفة ، وعنه صدرت الحكمة ، له الأمثال السائرة ، والفوائد الغامرة ؛ كلامه في القلوب كنسيم الرياح عند الهبوب ، و كالراحة للمكروب ، وأثره في العقول والخواطر ، كأثر الماء في الهواجر " . أ يمكن أن يعبر بكلمات أوضح عن شعور من يرتفع مع أفلاطون كمرشد إلي ميادين الفكر الطلق ؟ ولا ينقص هذا الأسلوب عن الجاحظية إلا ما يظهر في هذه من مزج الهزل بالجد .
ولكن هناك أروع من هذا وأكثر تحريكاً لأوتار القلب . ولو استطعت لأوردت لك تلك الرسالة التي ألفها في نصرته وبراءته من تهم حاسديه ، وأرجوك أن تقرأها بتمامها ، كما أرجو أن تقرأ سائر ما سرده عن ابن أبى اصبيعة
في ترجمته(1) :
" إنه لحقني من أعدائي ومضطهدي الكافرين بنعمتي الجاحدين لحقي الظالمين لي المتعدين علي من المحن والمصائب والشرور ما منعني من النوم وأسهر عيني وشغلني عن مهماتي . وكل ذلك من الحسد لي على علمي وما وهبه الله عز وجل لي من علو المرتبة على أهل زماني , وأكثر أولئك أهلي وأقربائي فإنهم أول شروري وابتداء محني ، ثم من بعدهم الذين علمتهم وقربت إليهم علوم الفاضل جالينوس فكافأوني عوض المحاسن مساوئ بحسب ما أوجبته طباعهم وبلغوا بي إلي أقبح ما يكون من إذاعة أوحش الأخبار وكتمان جليل الأسرار .... وكيف لا أبغض وبكثر حاسدي ويكثر تلبي في مجالس ذوي المراتب ، ويبذل في قتلي الأموال ، ويعز من شتمني ويهان من أكرمني ! كل ذلك بغير جرم لي إلي واحد منهم ولا جناية ، لكنهم لما رأوني فوقهم وعالياً عليهم بالعلم والعمل ونقلى إليهم العلوم الفاخرة من اللغات التي لا يحسنونها ، ولا يهتدون إليها ، ولا يعرفون شيئا منها في نهاية ما يكون من حسن العبارة والفصاحة ، ولا نقص فيها ولا زالل ، ولا ميل لأحد من الملل ، ولا استغلاق ولا لحن باعتبار أصحاب البلاغة من العرب الذين يقومون بمعرفة وجوه النحو والغريب ولا يعثرون على سيئة ولا شكلة ، ولا معني لكن بأعذب ما يكون من اللفظ وأقربه إلي الفهم ، يسمعه من ليس صناعته الطب ولا يعرف شيئا من طرقات الفلسفة ، ولا ينتحل ديانة النصرانية وكل الملل ، فيستحسنه ويعرف قدره حتي إنهم قد يغرمون على ما كان من الذي أنقل الأموال الكثيرة إذ كانوا يفضلون هذا النقل على نقل كل من قبلى . وأيضا فأقول ولا أخطئ ، إن سائر أهل
الأدب وإن اختلفت مللهم ، محبون لي ماثلون إلي مكرمون لي يأخذون ما أفيدهم بشكر ويجازوني بكل ما يصلون إليه من الجميل ، فأما هؤلاء الأطباء النصاري الذين أكثرهم تعلموا بين يدي ، ونشأوا قدامي هم الذين يرومون سفك دمي علي أنهم لابد لهم مني . فمرة يقولون من هو حنين ؟ إنما هو ناقل لهذه الكتب ! ليأخذ على نقله الأجرة كما يأخذ الصناع الأجرة على صناعتهم . . فهو خادم لأداتنا وليس هو عاملا بها . ما له وللكلام في صناعة الطب ، ولم يحكم في عللها وأمراضها ، وإنما قصده في ذلك التشبه بنا ليقال حنين الطبيب (1) ولا يقال حنين الناقل . والأجود له لو أنه لزم صناعته وأمسك عن ذكر صناعتنا . . فكنت كلما سمعت شيئا من هذا ضاق صدري وهممت أن أقتل نفسى من الغيظ والزرد . فإن الحسد لم يزل بين الناس على قديم الأيام ، حتي إن من يعتقد الديانة قد يعلم أن أول حاسد كان في الأرض قابيل في قتله لأخيه هابيل ..."
كم وددت أن أشرح لك ظروف حياة حنين الغريبة وما لاقاه من المحن ومصادرة كتبه ، والحبس والجلد وصبره على كل هذا صبرا كاد يفوق طاقة البشر ، كان الباعث إليه إيـمانه الوطيد بأن عليه أن يخدم معاصريه ومن بعده وينشر بينهم ثقافة الأولين .

