الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 226 الرجوع إلى "الثقافة"

من منبر الشرق :

Share

سحرتني منذ حين شخصية النظام ودعتني إلي التفكير ، وأرغبتني في أن يجعلها بعض الباحثين موضوعا لبحثه ويصورها لنا بالصورة الحقيقة بها ، لا سيما لما تعودنه من معاشرة النظام في مؤلفات أبى عثمان الجاحظ تلميذه الأمين وراوية الثقة . أليس عجيبا أن الجاحظ بعد تجربته الفذة للحياة بمختلف صورها لا يقف عند مظاهر الأشياء دون أن يكشف عما فى بطونها من الضعف والباعث على الهزل ، حتى إنه لا يستثني الملائكة والجن من سخريته إنك لا تجد في كتب الجاحظ ذكر شخص واحد لم يظهر المؤلف في شأنه ضحكته العريضة أو تبسمه الرفيق - إلا النظام ، ذلك النظام الذي كان الجاحظ صاحبه قبل أكثر من ثلاثين أو أربعين سنة ، حتى اختطفه القدر في

عنفوان شبابه فلم ينسه بل تطبع بعبقريته في كل تفكيره وفي كل نفثاته

وعلى هذا فما أغرب حظ النظام من تاريخ الأدب العربي والفكر الإسلامى ؛ ذلك لانه ليس في أيدينا كتاب له وضاع الأمل من ان نعثر على شيء من تآليفه العديدة ، فإن مصادرنا جميعا متأخرة عن زمانه وأكثرها قطع أوردها أصحاب المقالات مشوهة مشوبة بإلزامات ، الغرض منها تفضيح آراء النظام لا غير . أما الرواية المباشرة فلا توجد إلا فيما اقتبسه الجاحظ من كلام استاذه ، وما وقع ذكره في كتب المعتزلة القليلة التي في أيدينا . إذن فعلي الباحث الذي يقصد إلى إبراز شخصية النظام أن يجمع بين تلك الروايات المختلفة ، وان يدقق في تفتيشه عنها مع قوة التحليل ودقة النقد والجرأة في الاستقراء ، وفي حصر النتائج ) ١ (

ومن أهم النتائج لمثل هذا البحث أن النظام - وهو أول مفكري الإسلام وممهد الطريق للفلاسفة التالين . أكثر استقلالا منهم في التفكير . وذلك أن هؤلاء الفلاسفة - أقصد الكندي والفارابى ومن تابعهما-

قد خضعوا لما في الكتب المدونة من التراث اليوناني الذي وصل إليهم عن طريق الترجمة ودارت كل جهودهم على التوفيق بين آرائهم وبين ما وجدوه في الكتب مرويا عن ارسطو أو غيره من فلاسفة اليونان . فقد قتل " الحرف " تفكيرهم الحر ولم يجرءوا  - وهم تحت عبء تراث عظيم - ان يعبروا عن أفكار لم تكن مودعة في بطون الدفاتر او مستنبطة منها . أما عصر النظام فلم تكن فيه كتب القدماء مترجمة بعد ، حتى تستولي على عقول الناس ، بل كان عصر المناظرات الحية التي دارت بين ذوي الشأن في المجالس ؛ فهذا مصدر من مصادر عبقرية النظام وابتكاره واستقلاله في التفكير .

وأغلب الظن أن كثيرا من آراء النظام لم تكن في أول الأمر آراء منظمة مستقاة بتأمل منطقي من أصل معين بل كان مصدرها معارضة المخالفين من المسلمين وغير المسلمين الذين ناظرهم أهل الإعتزال في مجالسهم . فان وجدنا النظام متأثرا بثقافة من الثقافات الأجنبية ، سواء أكانت هندية بصرية أم يونانية رواقية كما يظنون . فلم يكن هذا التأثير مباشرا ، بل نشأ من تلك المناظرات التي اضطر النظام فيها إلى تحديد موقفه . إذن فعلينا أن نبحث قبل كل شئ عن خصومه الذين وجه ضدهم حججه . ومثل هذا البحث صعب جدا ، إذ كانت أكثر مصادرنا تكتفى بإيراد جمل منفصلة من آراء منسوبة إلي النظام لا نعرف صلة بعضها ببعض ، ولا المناسبة التي قيلت فيها . على انني اعتقد أن مؤلفات النظام فضلا عن تصريحاته الشفهية كانت جميعا ردودا ومعارضات على خصوم معينين ، كما انني اري

أن هؤلاء الخصوم الذين يطلق عليهم أصحاب المقالات الإسلامية اسم " الدهرية " عادة لم يكونوا فلاسفة صرفا أو أنصار مدرسة من المدارس الفلسفية ، بل هم أصحاب صناعات مختلفة اصطبغوا في تعاليمهم بصبغة فلسفية ، اعني بهم المنجمين أولا والأطباء ثانيا وأصحاب الكيمياء ثالثا ،

تلك الطوائف من العلماء الذين كان المجتمع الإسلامي حينئذ في حاجة ماسة إليهم ، وكان لهم ذلك الشأن العظيم في دار الخلافة وفي دور كبار الدولة .

لا يمكنني في هذا المقال أن آتي ببراهين مفصلة علي نظريتى هذه ، إذ كان لابد لذلك من ان نقابل بين اقوال متكلمي الإسلام وما ورد في كتب الطب والكيميا والتنجيم من آراء فلسفية ودينية - أولا دينية ، غير أنى أريد أن أنبهك علي فقرة صغيرة وردت في كتاب الحيوان للجاحظ ) جزء رقم ١ ص ٦٨ طبعة سامي ( تدلنا على اتصال النظام الوثيق بهؤلاء القوم حتى إنهم تسربوا في اسرته وأصبحوا من أقربائه : قال الجاحظ : " قال لي أبو إسحاق قال لي أبو العباس ، وأبو العباس هذا كان حق إبراهيم على اخته ، وكان رجلا يدين بالنجوم .

ولا يقر بشيء من الحوادث إلا بما يجري علي الطباع " . وفي أثناء ذلك الفصل ينسب الجاحظ إلي أبي العباس هذا معارف كيميائية ليس هذا الموقف مناسبا لإيرادها .

هذا وإنني أريد أن أكتفي هنا بأن أضرب لك مثلا " شرودا " للاتصال الوثيق الحي الذي كان للنظام يمثل تلك الفنون والصناعات في عصره ، لاسيما إذا كان هذا المثل يصور لنا علاقات أرباب الكلام بالثقافات الأجنبية وعلاقات الأدب العربي بالأدب السرياني .

وصل إلينا باللغة السريانية مولف لأيوب الرهاوي الذي عاصر النظام ، وكان رئيس الأطباء عند المأمون ، واشتهر بترجماته العديدة لكتب الطب ولكتب جالينوس خاصة

من اليونانية إلي السريانية والعربية أيضا ، تلك الترجمات التي كانت في غاية من الدقة ، حتى ان حنين بن اسحاق مع صرامته في النقد استحسنها ، أما المؤلف الذي اقصد إليه فهو كتاب الذخائر الذي نشره المرحوم منجانا في سنة ١٩٣٥)١ ( والذي يجمع فيه الطبيب الفسطوري دائرة معارف طبيعية وفلسفية يحتاج إليها الباحث ويتمتع بها المثقف . وعندي أن هذا الكتاب أثر من آثار هؤلاء الخصوم الذين دعوا النظام إلي معارضته وإلي شدة موقفه ، أو بعبارة أصح إن مولف كتاب الذخائر أشار إلي النظام أثناء كلامه بعبارات واضحة ورد عليه .

والمعروف عن النظام انه في سياق قوله في " الكمون " وصل إلي نظرية أغرب من تلك الأولى بأن الأعراض الى نعتبرها عارضة في الأجسام - من الحر والبرد واليبس والرطوبة والروائح والطعوم - جواهر أو أجسام تكون الجسم من غير أن تكون ثمت حاجة إلي هيولى . وستجد هذه النظرية مبسوطة في كتب الكلام ، وقد رأى بعض المستشرقين ان لها علاقة بنظريات شبيهة نجدها عند " أصحاب الرواق "

هذا ونحن نقرأ في كتاب الذخائر لأيوب الرهاوي فصلا طويلا في الحواس وكيف اشتقت الأصوات والأرابيح والطعوم والألوان من محسوسات اللمس أي من الحر والبرد واليبس والرطوبة ، واثناء ذلك الكلام يقول ايوب : ويخطىء من يقول إن الألوان والأرايح والطعوم والأصوات كلها جواهر غير أعراض كما قال في أيامنا بعض ثابتة المتفلسفين وقد قابلت رئيس تلك البدعة ومنشئها ورددت على مغالطته . . وهو ممن اجتهد في نقد رأي بفراط وجالينوس قائلا ، إن الأجسام لا تشتق

من الأركان الأربعة فقط ، بل من أركان كثيرة اخري مثل الخفيف والثقيل وما إليهما " ويتلو هذا رد مفصل على ما يذهب إليه ذلك الحكيم المعاصر من ان الألوان وسائر الأعراض أجسام متداخلة كامنة بعضها في بعض ، كما ان النار كامنة في العود أو الحجر ، مما لا يترك ظلا من الشك في أن " رئيس تلك البدعة " و " المتفلسف المحدث " ليس غير أبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظام ، وإن كان أيوب لم يسمه . وذلك أن الآراء المنسوبة إليه توافق آراء النظام كل الموافقة ، كما أن حجج أيوب الموجهة ضدها تتفق في كل التفاصيل مع احتجاجات خصوم النظام واستدلالاتهم الواردة في كتاب الحيوان ، وفي كتب المقالات

وهناك دليل غير مباشر على صلة النظام بأيوب . ذلك انه ورد في بعض مصادرنا لآراء المتكلمين القدماء اصطلاح غريب يستعملونه في مجادلاتهم مع خصومهم ، وهي كلمة " البلة " بمعنى ما يسميه المتأخرون " الرطوبة " فقد نسب الأشعري إلي " أصحاب الطبائع " الرأي بأن " الإنسان هو الحر والبرد واليبس والبلة اختلط بهذا الضرب من الاختلاط ، وروي النظام عن الدهرية " ) ١ (

القول بأن " عالما هذا من أربعة أركان حر وبرد ويبس وبلة " وأثبت صاحب كتاب الانتصار ) ٢ ( أن النظام نفسه كان يستعمل تلك العبارة بعينها , وهذا وقد اورد مطهر بن طاهر القدسي في كتاب البدء والتاريخ قطعة صغيرة من " كتاب التفسير "  لأيوب الرهاوي ، يستعمل فيها مؤلفه ذلك المصطلح أيضا وبنفس المعنى ، مما يدلنا انه كان متداولا في دوائر الأطباء والمترجمين الأول واستقاء النظام والمتكلمون منهم

اشترك في نشرتنا البريدية