الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 215 الرجوع إلى "الثقافة"

من منبر الشرق :

Share

- ١ - أفلاطون عند العرب

[ يسر  "الثقافة " أن تنشر سلسلة أحاديث في الفلسفة الاسلامية والأدب العربي للأستاذ " كراوس " المستشرق المعروف والمحاضر في جامعة فؤاد الأول ؛ يطلعنا فيها على بعض جوانب المستشرقين في بحثهم ودقة عنايتهم في الأدب العربى بمعناه الواسع وقد وعد" الثقافة " أن يوافيها ببحث طريف كل أسبوع في موضوع من الموضوعات الهامة التي يعني بها المستشرقون وتهم الباحثين ، فله الشكر ] .

عزيزي :

ليس من قصدي أن أقص عليك في هذه الأعمدة قصة تاريخ تأثير المذهب الأفلاطوني - أو المذاهب الأفلاطونية - في المذاهب الإسلامية ، لا لأن مثل هذا الموضوع كان يحتاج إلي تأليف كتاب أو كتب فحسب ، بل لأننى مقتنع أنه موضوع لا يمكن اليوم تناوله فضلا عن استيعابه ، إذ كانت أكثر المواد المحتاج إليها فيه مدفونة في خزائن الكتب ومبعثرة في ثنايا الدفاتر . وإنما أقصد أن أحدثك عن تلك الحجارة التي تمكن الباحث في المستقبل من إكمال بنائه الأنيق . فلا تنتظر مما أقوله معاني فلسفية عميقة ترتفع بالقلوب ، وتطير بالعقول إلي عوالم المثل العليا بل تسمع معلومات جافة ، وأسماء كتب ومترجمين ، وحديثاً فنيا في طرق ترجمة كتب القدماء وما إليه ، ليست غايته إلا تنبيهك إلي قيمة المهمة ، وتعريفك بكنوز الماضي .

نشأت فكرة نشر الكتب العربية المترجمة من أصول

يونانية لأفلاطون أو المنسوبة إلي أفلاطون في خلدي أنا وجماعة من أصدقائــي منذ نحو عشر سنين ، وقد نقبنا عن مخطوطات وجمعناها ورتبناها حتى ظهر منها مشروع واضح حاز موافقة معهد واربورج (Warburg)في لندن الذي من شأنه البحث عن تأثير الفكر اليوناني في القرون الوسطي وفي النهضة الأوربية ، كما حاز موافقة المجمع العلمي البريطاني ، وقد ابتدأنا فعلا بتنفيذ هذا المشروع عن طريق الطبع والنشر ، وسيظهر المجلد الأول من سلسلة " افلاطون عند العرب " عن قريب إن شاء الله .

اتضح أثناء البحث أنه للأسف لم يصل إلينا شئ كثير عما ترجمة العرب من كتب أفلاطون نفسها ، كما لم يصل إلينا شئ كثير مما شرحه فلاسفة العرب من محاورات أفلاطون ؛ وليس في أيدينا إلا تلخيصات مركزة لمعاني كتب أفلاطون ، لخصها اليونان أنفسهم أو مفكروا الإسلام ، وملتقطات من آراء افلاطون وما إلي ذلك ، على أنه لو جمع كل ما وصل إلينا من آثار أفلاطونية باللغة العربية لجاز الألف من الصفحات المطبوعة في القطع المربع .

وهاك برنامج مشروعنا ، الذي لولا أن حالت الحرب بين القائمين وبه وبين سهولة الاتصال لكان قد تم منه جانب كبير . ستشمل السلسلة الأجزاء الآتية تقريبا :

١ - ترجمات أفلاطون وسقراط الواردة في الكتب العربية مع البحث عن مصادرها ، وجمع ما عرفه العرب من كتب أفلاطون المترجمة أو غير المترجمة .

٢ - تلخيص جالينوس الطبيب اليوناني لكتاب طيماوس لأفلاطون ولغيره من كتب أفلاطون بترجمة حنين بن إسحق أو بعض أعضاء مدرسته . وهو الكتاب الذي أحدثك عنه فيما بعد .

٣ - تلخيص لكتاب النواميس لابي نصر الفارابي ، ويظهر من هذا الكتاب التأثير العميق الذي كان لفلسفة أفلاطون السياسية علي تفكير " المعلم الثاني " .

٤ - تلخيص ابن رشد لكتاب السياسة لأفلاطون وهو وإن ضاع أصله العربي فإنه قد يوجد منه مخطوطات عديدة باللغتين العبرية واللاتينية . ومن المعروف أن ابن رشد في شروحه لكتب أرسطو استغني عن تلخيص كتاب السياسات المدنية لأرسطو بوضعه كتاب السياسة لأفلاطون مكانه ، مما يدلنا على ما كان لفلسفة افلاطون السياسية من أثر بعيد في الإسلام . ولعل الفرصة تتاح لي في يوم ما فأحدثك عن هذا الموضوع الشيق .

٥ - مختارات من أقوال أفلاطون وردت في عدة مجاميع مخطوطة ؛ وجمع ما ورد في سائر الكتب من " نقول " أفلاطون من كتاب فيدن وفيدرس وطيماوس وغيره من كتبه .

٦ - كتاب الفارابي في معاني كتب أفلاطون وترتيبها ، وهو متصل رسالته في معاني كتب أرسطو وترتيبها .

٧ - كتاب الفارابي في الجمع ما بين رأيى الحكيمين أرسطاطاليس وأفلاطون ، وهي تلك الرسالة اللطيفة التي مع صغرها لم يقف الباحثون على غور سرها إلي الآن ، وإن لها لسراً يا عزيزي .. .

٨ - رسالة الكندي في السبب الذي له نسبت القدماء الأشكال الخمسة إلي الاستقصات ، وهي رسالة فيما يسمى عادة الأجرام الأفلاطونية .

٩ - رسالة تضعيف المذبح لمولانا لطفي المفتول ، وهي رسالة في العلم الرياضي عند أفلاطون ، وقد نشرت أخيرا في استانبول .

١٠ - رسائل فلسفية أخرى منسوبة إلى أفلاطون وإن لم تكن له ، مثل : كتاب السياسة لأفلاطون الذي يرد بين مؤلفات أحمد بن يوسف الكاتب المصري المشهور بابن الدابة ؛ ورسالة في تأديب الصبيان ، وغيرهما .

1١ - كتب في علم الكيمياء وفي علم الطلسمات

منسوبة إلى أفلاطون عند العرب ، مثل : كتاب مصححات أفلاطون لجابر بن حيان ، وكتاب الروابيع الذي شرحه ثابت بن قرة الحراني ، وكتاب جواهر الألواح وخافية أفلاطون ، وأخري غيرها .

لا أكلمك اليوم إلا عن تلخيص كتاب طيماوس أو جوامع كتاب طيماوس في العلم الطبيعي ، الذي ورد ذكره تحت رقم ٢ ، إذ كان هو الكتاب الذي قد تم طبعه أو كاد ، والذي سيظهر عن قريب .

ليس هذا الكتاب قائما بنفسه ، بل هو مقالة واحدة أو فصل واحد من " جوامع " جالينوس لجميع كتب أفلاطون ، قامت بمثابة مقدمة إلي قراءة محاورات أفلاطون على النمط الذي يؤلفه علماء العصر من تلخيصات معاني كتب أفلاطون مثل Teriedlander, Shoreyوغيرهما .

وبالأسف لم يصل إلينا إلا هذا الفصل ، أعني جوامع كتاب طيماوس وقطعا ضئيلة من تلخيص جالينوس لكتاب السياسة ، مع أن قدماء العرب قد عرفوا ترجمة الجزء الأوفر من " جوامع " جالينوس . فاقرأ ما قاله حنين ابن اسحق في رسالته " إلي علي بن يحيي في ذكر ما ترجم من كتب جالينوس بعلمه " تلك الرسالة التي نشرها المرحوم برجشتراسر ( ص ٥٠ ) :

" ووجدت من هذا الفن من الكتب كتابا آخر فيه أربع مقالات من ثماني مقالات لجالينوس ، فيها جوامع كتب أفلاطون ، في المقالة الأولي منها جوامع خمسة كتب من كتب أفلاطون ، وهي كتاب أقراطلس في الأسماء ، وكتاب سوفسطيس في القسمة ، وكتاب بوليطيقوس في المدبر ، وكتاب برمنيدس في الصور ، وكتاب أوثيذيمس ؛ وفي المقالة الثانية جوامع أربع مقالات من كتاب أفلاطون في السياسة ، وفي المقالة الثالثة جوامع الست المقالات الباقية من كتاب السياسة وجوامع الكتاب المعروف بطيماوس في العلم الطبيعي ،

وفي المقالة الرابعة جمل معاني الاثنتي عشرة مقالة في السير لأفلاطون . وقد ترجمت الثلاث المقالات الأول لأبي جعفر محمد بن موسى إلى العربية " وأضاف تلميذ لحنين بعد وفاته : " ترجم عيسى ذلك كله فأصلح حنين جوامع كتاب السياسة " .

والواقع أن حنين بن إسحق ترجم تلخيص كتاب طيماوس إلي اللغة السريانية فقط ، وترجمه تلميذه عيسي ابن يحي إلي العربية من غير أن يستطيع أن يرجع إلي الأصل اليوناني ، إذ كان لا يعرف اليونانية ، ويظهر هذا من بعض أماكن الكتاب التى غلط فيها مترجمها العربي , والتي لا يمكن أن تفسر إلا بأنه لم يفهم النص السرياني الصحيح الذي كان أمامه . ولكن دعنا من الدخول في التفاصيل اللغوية ومقابلة الترجمة العربية بالأصل اليوناني ، إذ كانت هذه مسائل لا يهمك الخوض فيها ، وستقرؤها إن شئت عند ظهور الكتاب . وسأ كتفي هنا بمثل واحد يريــك ما أقصد إليه :

يذكر صاحب الكتاب محاورات أفلاطون عدة مرات أثناء تلخيصه ، مسميا إياها بالعربية " رياضيات " لا " محاورات " أو " محادثات " (Dialogues)كما كنا ننتظر ، والواقع أن الكلمة اليونانية Dialogos  كان قد ترجمها حنين إلي السريانية بكلمة (دوراشى ) التي معناها الأول "رياضيات " (Gimnasin) ومعناها الثاني مناقشات فقد غلط المترجم العربي عندما أخذ الكلمة السريانية بمعناها الأول دون الثاني ؛ ولو انه كان قد رجع إلي اليونانية لتحدد له المعنى الصحيح .

ورغم ما حال بين اليونانية والعربية من الترجمة السريانية المتوسطة بينهما فإن الكتاب ظهر في أسلوب عربي متين ، انبسط عليه رونق تلك " العذوبة " التى شهد بها لحنين بن إسحق ومدرسته من تذوقها من بلغاء عصره . ولولا ضيق المكان لأوردت لك بعض منتخبات بليغه من تلك الترجمة تريك فن المترجم ، مع ما تريك

من دقة تحليل المعاني الأفلاطونية التي وفق لها جالينوس في كتابه اليوناني ، ولست أشك أنك لقلت معي عند قراءتها إن النص العربي الذي في أيدينا مرآة صادقة لمصدره اليوناني الذي ضاع أثره ؛ ولعلك وافقت أبا الريحان البيروني الذي وصف مجهود المترجمين من العرب قائلا : " وإلي لسان العرب نقلت العلوم من أقطار العالم فازدانت ، وحلت في الأفئدة ، وسرت محاسن اللغة منها في الشرايين والأوردة " .

هذا ، وقد قلت لك إن كتاب جالينوس قد ضاع أصله اليوناني ، كما ضاع سائر كتبه الفلسفية غير الطبية . وسيشكر المعتنون بالدراسات اليونانية هؤلاء المترجمين الذين بذلوا مجهودا مأثورا في نقل الثقافة اليونانية إلى معاصريهم وإلى من بعدهم . وسيقدر علماء الحضارة اليونانية اكتشاف هذا الأثر اليوناني الجديد حق قدره ، عندما يظهر لهم أنه يمثل طورا غير معروف إلي الآن من أطوار تاريخ المذهب الأفلاطوني المتوسط في عصر قياصرة الرومان .

اشترك في نشرتنا البريدية