ظلت مصر منذ الفتح العربي ولاية تابعة للخلافة ، وفي منتصف القرن الثالث الهجري حاول ابن طولون المحاولة الأولى للاستقلال بمصر ، وفي عهد الدولتين الطولونية والإخشيدية اتخذ بعض حكام مصر الوزراء لأول مرة ، فكان أبو بكر محمد بن رستم الماذراني وزيرا لخماروه ، وكان أبو الفضل جعفر بن الفرات وزيرا لكافور الاخشيدى .
ولفظ الوزارة كما يقول ابن خلدون : " يدل على مطلق الإعانة . فإن الوزارة مأخوذة إما من المؤازرة ، وهي المعاونة ، أو من الوزر وهو الثقل " .
وتنقسم الوزارة في العالم الإسلامي - ومنه مصر - إلي : وزارة تنفيذ وفيها يقوم الوزير بتنفيذ أوامر الخليفة ؛ ووزارة تفويض وفيها يكون الخليفة مغلوبا على أمره ، والأمور كلها بيد الوزير .
وقد كانت الوزارة في القرن الأول من الحكم الفاطمي في مصر وزارة تنفيذ ، كما كانت في القرن الثاني وزارة تفويض .
وأول من اتخذ وزيرا من الخلفاء الفاطميين هو العزيز بالله ، وكان وزيره هو يعقوب بن كلس . وذلك " لأن الإمام المعز لدين الله - عليه السلام كان يباشر التدبير بنفسه ، ولا يعول فيه على غيره ."
ولم يلقب بلقب الوزير في عهدي العزيز والحاكم إلا يعقوب بن كلس . وإنما كانت تطلق على وزارة هذين العهدين لفظ " وساطة " أو " سفارة " يقول المقريزي : " فلما مات ابن كلس لم يستوزر العزيز بالله بعده أحدا ، وإنما كان رجل بلى الوساطة والسفارة ، فاستقر في ذلك جماعة كثيرة بقية أيام العزيز وسائر أيام ابنه أبي على منصور الحاكم بأمر الله ، ثم ولي الوزارة أحمد بن على الجرجرائى في أيام الظاهر . . وما زال الوزراء من بعده واحدا بعد
واحد وهم أرباب أقلام حتي قدم أمير الجيوش بدر الجمالي " .
وكان وزراء العهد الأول من الحكم الفاطمي - كما يتضح من النص السابق - من أرباب الأقلام . أما وزراء العهد الثاني - أي من وزارة بدر الجمالي إلى وزارة صلاح الدين - فكانوا جميعا من أرباب السيوف ، أي من رجال الجيش .
وكان زي الوزير من أرباب الأقلام : المناديل الطبقيات بالأحناك حتى حلوقهم . والثباب القصار التي يقال لها الذراريع ، وهي مشقوقة امام وجهه إلى قريب من رأس الفؤاد بأزرار وعري "ومنهم من تكون أزراره من ذهب مشبك . ومنهم من أزراره من لؤلؤ ، وهذه علامة الوزارة " .
وكانت تحمل للوزير الدواة المحلاة بالذهب من خزانة الخليفة ، ويقف بين يديه الحجاب ، كما كان أمره نافذا في أرباب السيوف وأرباب الأقلام .
وكان آخر وزير من أرباب الأقلام هو الوزير ابن الغربي . ثم ولي الوزارة من بعده أول وزير من أرباب السيوف ، وهو الوزير بدر الجمالى ، وأصبحت الوزارة منذ عهده وزارة تفويض ، وأنشىء له سجل خاص بهذا التفويض جاء فيه :
" وقد قلمك أمير المؤمنين جميع جوامع تدبيره ، وناط بك النظر في كل ما وراء سريره . فباشر ما قلمك أمير المؤمنين من ذلك ، مديرا للبلاد ، ومصلحا للفساد ، ومديرا لأهل العناد " ؛ وأصبحت الأمور كلها مردودة إليه ، والاتصال بينه وبين الخليفة اتصالا مباشرا ، وجعل له تعيين قاضي القضاة وداعي الدعاة ، وخلع عليه بالعقد المنظوم بالجوهر مكان الطوق . وزيد له في الحنك مع الدؤابة المرخاة والطلسان المقور ، وهو زي قاضى القضاة . .
ولقب بألقاب كثيرة ، منها :كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين ؛ وأهم هذه الألقاب : السيد الأجل أمير الجيوش ، وهو اللقب الذي توارثه من بعده وزراء التفويض من أرباب السيوف في العهد الثاني من الحكم الفاطمي . .
ولم يحدث أن ولي الوزارة ابن بعد أبيه في العهد الأول ، وإنما حدث هذا في العهد الثاني ، فولى الوزارة بعد بدر الجمالي ابنه شاهنشاه ، فوزر للمستنصر ثم المستعلى . وفي عهد هذا الخليفة الأخير لقب شاهنشاه بالأفضل ، وأضيف هذا اللقب للوزراء من بعده . .
ومنذ عهد الخليفة الحافظ لقب الوزير بلقب " الملك " ، وأول من لقب به رضوان بن ولحشى ، فقيل له : " السيد الأجل الملك الأفضل " ، وذلك في سنة ٥٣٠ ، ولقب من أتي بعده من الوزراء ، فقيل للصالح طلائع بن رزيك "الملك المنصور" ، ولقب ابنه رزيك بن طلائع " بالملك العادل " ، ولقب شاور " بالملك المنصور " ، ولقب صلاح الدين - وهو آخر وزراء الدولة - " بالملك الناصر" وظل يحمل هذا اللقب حتى آخر حياته بل لقد أصبح هذا اللقب تقليدا يتبع طول عهدى الدولتين الأيوبية والمملوكية ، وإنما للسلاطين لا للوزراء .
وخير ما تدل عليه هذه الألقاب أن الوزير في العهد الثاني من الحكم الفاطمي أصبح هو كل شئ في الدولة ، فقد أصبح السيد الأجل ، ثم أمير الجيوش ، ثم الأفضل ، ثم الملك . يقول المقريزي : " وصار وزير السيف من عهد أمير الجيوش بدر إلى آخر الدولة هو سلطان مصر وصاحب الحل والعقد ، وإليه الحكم في الكافة من الأمراء والأجناد والقضاة والكتاب وسائر الرعية ، وهو الذي يولي أرباب المناصب الديوانية والدينية .
وكان من زي الوزير في العهد الثاني الدؤابة المرخاة والطيلسان المقور ، وهو زي قاضي القضاة ، كما كان يتقلد السيف ، وذلك "إشارة إلى أنه كبير أرباب السيوف والأقلام" .
وكان مقرر الوزير في العصر الفاطمي ثلاثة آلاف دينار في الشهر ، منها ألف وخمسمائة دينار كراتب ، وألف دينار
لنيابته في العلامة ، وخمسمائة دينار رواتب لمائة غلام برسم مجلسه وخدمته ، لكل غلام منهم خمسة دنانير في الشهر ؛ كما كانت تدر عليه إقطاعاته محو خمسين ألف دينار في السنة .
ولم يكن يسمح لأحد بالجلوس في حضرة الخليفة إلا الوزير ، فكان يجلس على يمين الخليفة ، وتطرح له مخدة تشريفا ، كذلك كانت له مرتبة خاصة معدة لجلوسه عند باب قاعة الذهب من القصر الكبير .
وفي العهد الثاني من حكم الفاطميين بنيت في القاهرة دار خاصة للوزير سميت دار الوزارة الكبرى ، قيل إن الذي بناها هو أمير الجيوش بدر الجمالي ، وقيل إنما بناها ابنه الأفضل شاهنشاه - وهو الأرجح ؛ وكانت هذه الدار تشتمل على عدة قاعات ومساكن وبستان ، وكان فيها عشرون مقسما للماء الذي يجري في بركها ومطابخها ، وكان يحيط بها سور من الحجارة . يقول المقريزى : " وما زال وزراء ، الدولة الفاطمية أرباب السيوف من عهد الأفضل ابن أمير الجيوش يسكنون بدار الوزارة هذه إلى أن زالت الدولة ، فاستقر بها السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب " وظلت هذه الدار مقرا لسلاطين بني أيوب حتى عهد الكامل محمد فنقل مقر الحكم إلى قلعة الجبل .
وقد كان لسياسة التسامح الديني - التي امتازت بها الدولة الفاطمية - أثرها في اختيار بعض الوزراء أو الوسطاء من المسيحيين واليهود ، فممن تولي الوزارة أو الوساطة من المسيحيين : زرعة بن نسطوروس ، وأخوه صاعد بن عيسى بن نسطوروس - في خلافة الحاكم بأمر الله - وأبو سعد منصور في خلافة المستنصر ، وممن تولاها من الهود : يعقوب بن كلس - في لخلافة العزيز- وأبو منصور صدقة بن يوسف الفلاحي ، وابن أبي سعد إبراهيم بن سهل التستري - في خلافة المستنصر - غير أن هؤلاء جميعا لم يلوا الوزارة وهم على دينهم ، بل أسلموا قيل توليها .

