نوادر العرب كثيرة، يعثر عليها المرء في تضاعيف الكتب التاريخية، وثنايا المصنفات الإخبارية. وإني لراوٍ لك فينا يلي طرفا مما التقطته (٤) من نوادرهم ١ - كان أبو حية النميري جباناً، وكان له سيف ليس
بينه وبين الحية فرق، وكان يسميه(لعاب المنية) . وذات يوم وقف النميري على باب داره ليلاً، وقد جرد سيفه وهو يقول: (أيها المغتر بنا، والمجترئ علينا، بئس والله ما اخترت لنفسك؛ خير قليل، وسيف صقيل، هو لعاب المنية الذي سمعت به. أخرج بالعفو عنك، وإلا دخلت بالعقوبة عليك) ! وظل واقفا لا يجسر على الدخول، مخافة أن يكون فيه لص فاتك. فجاء رجل من أهله، فدفع الباب فانفتح. . . وخرج منه كلب يعدو كالأرنب، فسقط النميري على قفاه وهو يقول:(الحمد لله الذي مسخك كلباً، وكفاني حرباً) !
٢ - دخل رجل أعور على معن بن زائدة، فأمر له بجائزة. وكان (معن) جودا؛ ثم دخل عليه رجل آخر، وكان مثل زميله اعور، فأمر له بجائزة. . . فعادا يمشيان جنبا إلى جنب بحيث صارت عيناهما المكفوفتان جوار بعضهما البعض. . . فقال معن (لقد أعطيتكما منفردين، فماذا تريدان؟) فقال أحدهما (بيننا رجل أعمى يستحق الصدقة) ، فأعطاهما معن ضعف ما أخذاه، فقال أحدهما:
ألم ترني وعمراً حين نمشي
نريد السوق ليس لنا نظير
أماشيهِ على يُمْنَى يدْيه
وفيما بيننا رجل ضرير!
٣ - وأما نوادر البخلاء فليس لها حصر، ولذلك نجتزئ بذكر هذه النادرة الطريفة: - طبخ أحد البخلاء قدراً، وجلس يأكل مع زوجته، فقال: (ما أطيب الطعام لولا كثرة الزحام!) فقالت:(وأي زحام وما ثم إلا أنا وأنت؟) فقال:(كنت أحب أن أكون أنا والقدر) !

