الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 199 الرجوع إلى "الثقافة"

من هناك وهناك، سفن الهواء في السلم والحرب

Share

نبذة تاريخية :

كان ديدن الإنسان منذ العصور الخالية ، والغاية التي يصبو إليها من فجر العمران هو درس الطريقة التى يستطيع بها التحليق في الجو ومجاراة الطيور في مملكتها فبعد أن سيطر بعلمه وعقلة على العوالم الأرضية ، وازداد حولا في ميادين الطبيعة  ، وكشف كثيرا من أستارها ، وسبر أغوارها وبعد أن حل رموزها ، واستخرج كنوزها ، تطلع ببصره إلي الفضاء الذي يحيط بكونه ، وحاول أن ينتزع من الطيور

صولجانـها . . وقد جاء في الخرافات القديمة أن أرخيتس أحد أبناء ترنتوم استنبط " طيارة تشبه الحمامة فصنعها من الخشب ، ووضع بها آلة تمكنها من الطيران ثم دفعها إلى الحركة بهواء ساخن خفي" .  ثم جاء العالم الصقلي أرخميدس  فكشف عن المبدأ القائل أنه إذا حل جسم من الأجسام محل مقدار من الماء أو الهواء وزنه أكبر من وزن الجسم طفا ذلك الجسم في الماء أو ارتفع في الهواء .

وفي منتصف عام ١٧٨٣ شهد التاريخ أول " بلون " يرتفع في الفضاء عن أرض فرنسا علي يد الأخوين مونجولفيه . وكان كروي الشكل ، فارتفع إلي ستة آلاف قدم ، ولبث في الجو دقائق قطع في أثنائها ميلين ثم فقد توازنه ، وسقط إلي الأرض . وكانت المجاهير تتبعه أثناء صعوده وهبوطه بأعين تنازعتها الدهشة والإعجاب ، وقلوب ملأها

السرور والخوف من غضب السماء ! وقد قيل إن بعض الرهبان الذين شاهدوا التجربة سقطوا علي الأرض ساجدين ، طالبين من الله الرحمة والمغفرة لهم ولآل مونجولفيه وللفرنسيين أجمعين ! ولما بلغ الأمر إلي سمع الملك لويس السادس عشر وزوجه ماري انطوانيت استدعيا الأخوين إلي بلاط الملك وطلب إليهما أن يعيدا التجربة " ببلون " ( آخر

بعد ما يضعا به سلة فيها خروف وديك وإوزة ؛ ولا أعلم لماذا اختيرت أو لماذا وقع اختيار الملك عليها كي تكون أول من ركب " البلون " . وعلى كل فقد نجحت التجربة وصعد البلون يتهادي مرة ثانية في الفضاء بين ثغاء الخروف وصياح الديك ، وصراخ الإوزة . . وهتاف الجماهير !

ولكن الإنسان لا يكتفي بمشاهدة " بلون " محلق في الجو من غير أن يحاول استخدامه لقضاء مآربه في حرب ونقل وانتقال .... وأدرك الباحثون أن استعماله لا يستطاع إذا لم تستنبط طريقة لامتطائه وتسييره حسب إرادة ممتطيه . فحاول بعضهم أن يعلق به زورقا ، وأن يصنع له

شراعاً ومقاذيف تستعمل لتوجيه البلون في الجهة المرومة . ثم ذهب أحد الفرنسيين ويدعي " مونيه " إلي أن شكل البلون يجب أن يكون بيضياً حتى يسهل تسييره ، وأن يستبدل بالهواء الساخن الأيدروجين ، حيث إنه أخف من الهواء سبعة أضعاف .

وهكذا أضحي صنع البلونات وإطارتها مدار حديث الباحثين ومحور تفكيرهم ومحط نظرهم . . وفي اليوم السابع من شهر يناير عام ١٧٨٥ وقف المنطاد الأول في دوفر استعداداً لاجتياز بحر المانش ، وكان الملك قد اقترح على صاحب المنطاد - مسيو بلانشار الفرنسي والطبيب جفريز الأمريكي - بألا يمتطياه حرصا على حياتـهما ، وأن يختار

بدلا عنهما مجرمين من السجن ، كان قد حكم عليهما بالإعدام . لكنهما فضلا القيام بالرحلة بأنفسهما ، فإذا ما ماتا عد ذلك تضحية في سبيل العلم والمنفعة العامة . وهكذا صعد المنطاد متجها نحو الشاطئ الفرنسي يحمل أسفله سلة جلس فيها العالمان . ولما صارا فوق البحر وقد ابتعد عنهما الشاطئ الإنجليزي وغاب عن نظرهما الجماهير المحتشدة ,

رأيا المنطاد آخذاً في الهبوط بصورة أدهشتهما دون أن يعرفا لذلك من سبب ... وهنا خطر لبلانشار أن يرمي بكل شئ احتوته السلة ، فابتدأ بأكياس الرمل وقذف بها إلي البحر ثم تلتها بعض الحبال والمقاعد وأخيراً ... تجرد من ثيابه وحث زميله على أن يحذو حذوه . وبذا خف المنطاد ثانية وارتفع ، وظل مرتفعاً حتى وصل إلي فرنسا ، وهبط على مقربة من بولون

تلك صورة سريعة لتاريخ ارتقاء سفن الهواء في فرنسا . ومن هذه التجارب الأولى استفادت الدول الأخرى ، وأخذت تنافس بعضها بعضا في دراسة المناطيد وكيفية صنعها . وقد قطعت ألمانيا في هذا الميدان شوطا كبيراً ، ولعلنا لا زلنا نذكر زيارة المنطاد " جراف زيلن "

للقطر المصري عام ١٩٢٩ في رحلته حول العالم ، وكان قد قطع من قبل المسافة بين ألمانيا وأمريكا مرتين حاملا على متنه المسافرين وأ كياس البريد فاتحا بذلك عصراً جديداً في تاريخ النقل الجوي . وإني لأتذكر ، في هذا المقام ، تلك القصيدة الرائعة التي وضعها الشاعر الإنجليزى تنيسون في العقد الخامس من القرن الماضي ، والتي تنطوي علي نبوءة من

أعجب النبوءات الحديثة في هذا العصر الحافل بالعجائب ، وقد جاء فيها : " وحدقت في المستقبل إلى مدى ما تستطيعه العين البشرية فشاهدت رؤيا العالم وما تنطوي عليه من العجب العجاب . رأيت الجو حافلا بالتجارة ، رأيت

أساطيل الجو ذات الأشرعة السحرية ، وطيارات الشفق القرمزي المثقلة بالبالات النفيسة ، وسمعت الصياح يدوي في السماوات العلي . ثم هبط ندي مروع من أساطيل الأمم الهوائية تتصارع في كبد السماء ..." .

المنطاد في الحرب :

وفي الحرب العالمية الماضية أبدت المناطيد الألمانية نشاطا فائقا في قذف لندن وضواحيها بالقنابل والمفرقعات ، فأشعلت الحرائق ودمرت المنازل ، وبثت الموت والدمار في الأحياء المأهولة . وكان ضمن شروط الصلح التى أملتها إنجلترا بعد

انتصارها فقرة تنص على استيلاء الخلفاء على جميع المناطيد الألمانية عقابًا لألمانيا علي عدوانـها . وتلي ذلك البند بند آخر يحرم على ألمانيا بناء مناطيد يزيد حجمها على مليون قدم مكعب ، وذلك حرصا على حياة مدنها من حرب مستقبلة .

ثم حدث أن نقضت ألمانيا الشروط فصنعت منطادها المعروف " هندنبرج " الذي احترق في إحدي رحلاته إلي أمريكا في ظروف وملابسات اكتنفتها الأسرار وحاطها الغموض .

أما في الحرب الحاضرة فلم نسمع قليلا أو كثيراً عن

نشاط المناطيد فوقي ميادين القتال أو المدن الآمنة . ولعل ذلك يرجع إلي الشوط الكبير الذي قطعته الطائرات في التحسين والسرعة وقلة النفقات . أما انجلترا فتكاد تكون الدولة الوحيدة بين الأمم المحاربة التي تستخدم المناطيد  في الدفاع السلبي عن مدنها وأهدافها ؛ ففي الليالي

الحالكة الظلمة تنساب في بعض بقاعها عدة مناطيد ملئت بالغازات الخفيفة وتدلت منها إلي الأرض أسلاك من الصلب ؛ فإذا ما جازف أحد الطيارين بالانقضاض على هدف حمي يمثل تلك المناطيد ، اشتبكت طائرته بالحبال ووقعت مهشمة الأجزاء . ( انظر شكل ١ ) .

وقد فطن الألمان لذلك فكانوا يطيرون أثناء الليل علي ارتفاع شاهق ، ثم يقذفون بأضواء صناعية تدلت من

هابطات ، فإذا ما ظهرت لهم المناطيد انقضوا عليها بمدافعهم حتى تسقط هي الأرض محترقة ، فينصبوا بقنابلهم نحو الهدف آمنين . ولا يزال الكثيرون من أولى الشأن بانجلترا يعارضون فكرة المناطيد الحربية وحبائلها معارضة شديدة ،

ويقدسون الحجة والبرهان على أن ضررها يفوق منافعها ، وأن تكاليف الصيد يفوق ثمن الغنيمة ، وأن الدولة تحتمل مسئولية يمكن الاستغناء عنها . ولكن لا تزال بريطانيا - رغم ذلك - تستعملها لحماية أهدافها . ويستطيع

المسافرون إلي بعض المناطق العسكرية في هذه الأيام أن يروا امثال تلك المناطيد جاثمة على الأرض أثناء النهار ، ومحلقة في الجو في الليالي المظلمة ، حامية بذلك مجري القتال والمنشآت العسكرية من إغارات المعتدين .

اشترك في نشرتنا البريدية