الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 648الرجوع إلى "الثقافة"

من هنا ومن هناك, من هنا ومن هناك

Share

قصص الطوفان

بحث كثير من العلماء عن آثار عهد الطوفان وهل كان هناك طوفان حقيقة ، وماذا كانت أسبابه الجغرافية ونتائجه المادية . . ولكن كل تلك البحوث على وجه العموم ثم تؤد إلى نتيجة يوثق بها ؟ لأنها لا تعتمد إلا على الحدس والتخمين وعلي مجموعة تافهة لا يعتد بها من الحقائق والأثار . وهذا ما بينه الأستاذ " فرانسوا بيرج " في مستهل محاضرته بدار " الأمبنية فرانسيز " عن قصة الطوفان .

وليس المهم عنده الدلالة الجغرافية لحديث الطوفان . بل المعنى الرمزي والعلة النفسية له .

وهو قبل أن يستخلص هذا المعنى ويعرض لهذه العلة ، قد ألقى على السامعين بن أمثلة طريفة من قصص الطوفان عند مختلف الشعوب والأجناس . فبعض الباحثين قد سجلوا ما يزيد على ٤٠٠ أسطورة تتعلق بالطوفان في جميع أنحاء العالم .

فهناك أسطورة تقول بأن هذه الأرض كانت قديما غشاء كبيرا من الجلد ملقي علي الماء ثم تقطع هذا الغشاء فانبجست منه المياه وغمرته إلى حين .

وفي أسطورة أخري نجد ضفدعة هائلة قد ابتلعت سائر مياه العالم في يوم من أيام الحر اللافح وظلت تختزنها في بطنها إلى أن ضحكت ذات مرة فلم تستطع حبس المياه في جوفها فأغرقت الأرض .

وعند بعض شعوب المحيط الهندي ، نسمع أن البشر في قديم الزمن أغضبوا إلههم ؛ فأراد أن ينتقم منهم فأغرقهم ، ثم رجع فندم على فعلته فأنقذهم ؛ ولكنهم لم يرتدوا عن غيهم ، بل دبروا مؤامرة لقتل هذا الإله الطيب ، بيد أن الإله كان لهم بالمرصاد ، فعاقبهم ثانية وهددهم إن عادوا إلى الشر أن يعيد الطوفان على الأرض . ويقول المحاضر إن هذه الأسطورة هي المثل الوحيد من بين أساطير الإنسانية الذي

نجد فيه البشر يتحدون الإله ويعملون على التخلص منه .

كذلك نجد في جزر المحيط الهندي أسطورة تقول : إن قوما عثروا على ثعبان كبير فقطعوه أجزاء صغيرة ووضعوها على النار ؛ فتصاعدت منها أبخرة كثيفة كانت سحابا نزل منه الماء الذي أغرق الأرض .

وفي أمريكا الجنوبية عثر الباحثون على أسطورة مؤداها أن الطوفان عم الأرض ، ولم ينج منه إلا رجل واحد . وأراد هذا الرجل أن تكون له ذرية ، فاقتطع من جسمه عضوا وزرعه في الأرض . فكانت منه امرأة فتزوجها وأعجب منها . .

أما في مصر فإننا نجد أسطورة لا ككل الأساطير ، لأنها لا ذكر فيها الماء ، وإن كانت تتحدث عن هلاك البشرية ثم نجاتها ؛ فقد غضب الإله رع على الإنسان ، لأنه تطاول على مقامه ؛ فبعث إليه بالإلاهة هاتور التى جعلت تأكل أبناء البشر حتى أتت على أغلبهم ، ثم أراد رع إنقاذ البقية الباقية من رعيته ، فأعطى الإلاهة القاسية خمرا أسكرتها فتلاهت عن قتل بني الإنسان ، وتزوجها رع وصعد معها إلي السماء على ظهر البقرة المقدسة .

وهذه الأساطير على وجه العموم يعوزها المنطق السليم . ولكنها تعبر في وضوح عن نفسية الإنسان الذي يشعر في أعماقة ، بأنه مذنب يحق عليه العقاب .

وبأنه شرير يجب أن يطهر روحه من أدران الرذيلة ؛ ووظيفة ماء الطوفان المعنوية هي هذا التطهير وهذه التصفية للنفس البشرية .

أما الغاية الرمزية لقصة الطوفان ، فهي التعبير عن فكرة الحياة ، ثم الفناء ، ثم البعث ، تلك الفكرة التي تشغل بال الإنسان في كل زمان ومكان .

ويني المحاضر إلي أن هذه الأساطير إجمالا تبين

( البقية علي صفحة ٣١ )

( بقية المنشور على صفحة ٢ )

معتقدات الشعوب المختلفة وعاداتهم ، لأنها تتصل اتصالا وثيقا بحياتهم وبشعائر دينهم . .

عضوان جديدان بالمجمع اللغوي :

احتفل مجمع فؤاد الأول للغة العربية منذ أيام قلائل باستقبال عضوين جديدين : الأستاذ عبد الحميد العبادى بك والدكتور أحمد عمار .

وألقي كل منهما في هذه المناسبة كلمة بليغة ، تحدث فيها عن الأديب الراحل الذي حل محله بين جنبات هذا المجمع ولنرجع ثلاثة قرون إلى الوراء ، لننظر في أصل مثل هذه الكلمات التقليدية وتطورها في مجمع من اعرق المجامع اللغوية الغربية ، هو الأكاديمية الفرنسية .

في سنة ١٦٣٤ أنشئت الاكاديمة الفرنسية . ولم يكن يشترط بادئ الأمر في العضو الجديد أن يلقي كلمة مناسبة في حفل استقباله .

ثم حدث في سنة ١٦٤٠ أن انتخب بالمجمع المحامي المعروف أوليفييه باترو ، فالقي خلال الحفل خطابا رائعا يشكر فيه زملاءه أعضاء المجمع . ولاقي هذا الخطاب نجاحا كبيرا وكان له صدى في الأوساط الأدبية ؛ فاتخذ منه المجمع سنة يسير عليها في استقبال كل "خالد" جديد . إذ يشترط عليه إلقاء كلمة على الحاضرين من اعضاء المجمع عند انتخابه .

وكانت هذه الكلمات التقليدية في أول الأمر مقصورة على شكر أعضاء المجمع وبيان مناقب العضو الفقيد ومدح للملك والأمراء الذين يعينون المجمع بأموالهم ونفوذهم .

ثم ثار بعض الأدباء على هذا الوضع . ففي سنة ١٦٧١ تحدث بوسويه في كلمته عن تاريخ المجمع نفسه ولم يذكر بلفظ واحد الأديب الذي كان يجلس مكانه . وفي سنة ١٧٤٦ تحدث فولتير عند دخوله المجمع عن اثر الشعر في اللغة .

وكانت الضربة القاضية لهذا التقليد عندما ألقي العالم الأديب بوفون في سنة ١٧٥٣ خطابه المشهور عن " الأسلوب ". ومن بعده أصبح الأعضاء الجدد يفضلون

أن يتحدثوا في كلماتهم عن موضوع أدبي عام لا علاقة له بالأشخاص الذين اختيروا مكانهم .

وكانت حفلات الاستقبال في بدء عهد الاكاديمية الفرنسية مقصورة على أعضاء المجمع وحسب . ثم عمل شارل يبرو ، وهو القصاص المعروف بحكاياته الخرافية العجيبة ، على جعلها حفلات علنية يحضرها من شاء من الأدباء والعلماء . وكان الانتخاب يجري بطريقة الاقتراع العلني ، وتعرض نتيجته على الملك فيوافق عليها أو يرفضها ( كما حدث مثلا عند انتخاب لافونتين الذي عارض لويس الرابع عشر في دخوله المجمع ).

الأدب الاباحي بين أوربا وأمريكا :

يمتاز العصر الحاضر بظاهرة متينة في الأدب ، هى وفرة الكتب الإباحية . ويعتقد الناس عامة أن فرنسا هى المصدر الأول لهذا الصنف من المؤلفات .

ولكن الأدباء الفرنسيين يحاولون جهدهم التنصل من هذه التهمة وإلقاءها على غيرهم . ولقد كتب أحدهم أخيرا يقول : إن الأدب الإباحي بضاعة غريبة جاءت إلي أوربا من القارة الأمريكية ، إذ صدرتها إليها الولايات المتحدة مع مشروعات الكولا ومع أفلام قطاع الطرق . . ثم هو يعرض لمؤلفى الروايات الإباحية ، فيلاحظ أن معظمهم من الشبان ذوي النفوس المريضة الذين يحاولون ستر فشلهم في حياتهم الجنسية بنشر أقذر ما يتمخض عنه العقل من أفكار .

والطريف في هذا المقال ان صاحبه يري أن الكتب الإباحية على العموم تنقصها الجراة الحقيقية ، رغم ما فيها من خروج على الأخلاق والآداب ، فكل هذه الكتب تجري على نمط واحد ممل ، وتعتمد على مناظر تقليدية لا ابتكار فيها.

ثم هو يتنبأ بأن هذه الظاهرة المخجلة لا بد وأن تزول في القريب العاجل لأن مثلها مثل بعض الأدوية إذا استزاد منها الإنسان قتلته ، فوجب عليه أن لا يأخذ منها إلا قطرات ضئيلة ، وعنده أن بعض أنواع الأدب المكشوف قد لا يكون منها ضرر ، بل قد تكون محدودة العواقب ؛ وهذا ما نجده في كتب بعض كبار المؤلفين أمثال روسو في اعترافاته أو فولتير في قصصه أو موتيسكيو في رسائله الفارسية .

اشترك في نشرتنا البريدية