الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 649الرجوع إلى "الثقافة"

من هنا ومن هناك, من هنا ومن هناك

Share

اعترافاتى :

كتب الدكتور أحمد أمين بك فى عدد شهر مايو من مجلة الهلال تحت عنوان " اعترافاتى " يقول : " اعتاد الكتاب أن يقصروا الاعترافات على المسائل الجنسية التى اعتاد الإنسان أن يسرها ولا يجهر بها إلا لخواص أصدقائه " ولعل المسئول عن حصر الكلمة بهذا المعنى جان جاك روسو وأمثاله ممن قيدوا هذه الاعترافات . . أما الكلمة نفسها فواسعة شاملة ، تشمل هذا النوع وتشمل غيره من الفضائل التى اكتسبها الإنسان فى حياته بعنف ومشقة "

وقد يفهم بعض القراء من هذه العبارة أن روسو فى " اعترافاته " المشهورة لم يهتم إلا بالمسائل الجنسية التى اعترضته فى حياته .

وكتاب الاعترافات Les Confessions لجان جاك روسو يشتمل على اثنى عشر جزءا . وهو آخر مؤلف وضعه الكاتب الفرنسى الكبير . وقد دفعه إلى كتابته سببان رئيسيان هما : أولاً دفع الاتهامات التى كان يرميه بها أعداؤه ، وثانياً تحقيق ذاته والإبانة عن كوامن نفسه فى كتاب يكون مثالاً يحتذيه بنو البشر فى كل زمان ومكان . وهو لذلك ينتهج الصراحة التامة فى كتابته : فيعترف بأخطائه الكثيرة وزلاته المتعددة ، ولكنه بعد ذلك يجلو لنا عن " الفضائل التى اكتسبها فى حياته بعنف ومشقة " . بل هو إنما أورد أخطاءه وزلاته ليظهرنا فى وضوح على المشقة التى لاقاها فى التغلب على نزعات نفسه وصبوات حسه . فهو فوق كل شئ إنسان . فيه النواحى الضعيفة الكثيرة وفيه النواحى الطيبة القليلة ، وقوة شخصيته وعبقريته إنما تكونان في تغلب الصالح على الطالح فى ضميره وقلبه .

أما الناحية الجنسية فهو يهتم بها كل الاهتمام ويوليها عناية ودراسة دقيقة ، إلا أنها لا تحتل سوى صفحات قليلة متناثرة خلال مؤلفه الضخم .

القهوة والفلسفة :

فى النصف الثانى من القرن السابع عشر عرفت القهوة فى فرنسا . وفتح أول مقهى أبوابه فى مرسيليا سنة ١٦٥٤ . ورجع الفضل فى انتشارها بين رجال البلاط والأدباء فى باريس إلى سليمان أغا السفير العثمانى لدى الملك لويس الرابع عشر . وقد ذاع فى أول الأمر أن القهوة عبارة عن سم لا يؤمن شره ؛ ونصح أحد الأطباء الفيلسوف الفرنسى فونتنيل بعدم تعاطى هذا المشروب ، فأجاب الفيلسوف : " إن كان هذا سماً فإنه سم كالدواء لأنى أتعاطاء منذ ٨٠ سنة ! " ولقد عاش فونتنيل حتى بلغ المائة ، واعتقد الناس أيضا آنئذ أن القهوة " موضة " لن تلبث أن تختفى وتنسى . ويروى عن الأديبة مدام دى سيفيتيه أنها قالت عن المؤلف المسرحى المشهور راسين : " إن أدبه سوف يزول أثره مثلما تزول موضة القهوة " ، فكان حكمها عليه خاطئاً - أو كان صادقاً إذا شئت - لأن مسرحياته ما زالت إلى عصرنا هذا مثار الإعجاب ، كما أن القهوة لا تزال شائعة الاستعمال . وكانت المقاهى فى باريس هى المجلس المفضل لدى الفلاسفة خلال القرن الثامن عشر . وكان فى تلك العاصمة مقاء ثلاث يكفى أن نذكر أسماء بعض من كانوا يترددون عليها بانتظام لتعرف اثرها فى الفلسفة ، فمن هؤلاء : فولتير وديدروه وروسوه وموبرتوس وفونتنيل ولاموت ، وغيرهم .

وقد وصف مونتيكبو ، فى رسائله الفارسية ، هذه المقاهى فقال : " القهوة شائعة فى باريس . وهناك عدد من المحال الخصصة لتوزيعها . وفى بعض تلك المحال يلعب الناس الشطرنج ، وفى بعضها يقرأون الأخبار فى الصحف ، وفى بعضها الآخر يجتمع الفلاسفة . .. "

وكانت تلك المقاهى مجالاً للمناقشات فى شتى الموضوعات من أدبية وسياسية وفلسفية ، وكانت هى البؤرة التى فيها تلتقى الآراء الجديدة والأفكار الجريئة التى قادت الأمة .

( البقية على صفحة ٣١ )

( بقية المنشور على صفحة ٢ )

دكاترة جدد :

جاء في الأنباء أنه قد نوقشت فى جامعة باريس رسالات تقدم بها خمسة من الأساتذة المصريين للحصول على درجة الدكتوراه ، وقد فازوا جميعا بها .

والدكاترة الجدد هم الأساتذه جميل فرج وأنور عبد العزيز وعفيفى عبد الفتاح ومحمد صقر خفاجه ومحمود زكى

زهور الشر ومدام بوفارى :

وقدم الأستاذ جميل فرج رسالته عن قصة " مدام بوفارى " كما قدم الأستاذ أنور عبد العزيز رسالته عن " زهور الشر " . وكلا الكتابين من أمهات الكتب فى الأدب الإنسانى ولكل منهما قصة وقضية .

فأما " مدام بوفارى " فرواية للكاتب الفرنسي فلوبير وفلوبير كاتب مقل يبحث فى إنتاجه عن الكيف لا عن الكم ؛ لذلك نرى له فى الأدب مكانة عظيمة وإن كانت مؤلفاته تعد على الأصابع . وأعمق قصصه وأكثرها انتشارا هى " مدام بوفارى " وفيها يروى فى أسلوبه الرصين المحكم حياة امرأة من الطبقة المتوسطة تسلطت على لبها الأفكار الرومانتيكية والعواطف المثالية الخيالية ، فراحت تحاول تحقيق آمالها وأحلامها ، ولكن الحياة الواقعية صدمتها بحقائقها المرة الأليمة ، فانتهى بها المطاف إلى الانتحار . وقيمة القصة فى معناها الإنسانى العميق الذى جلاه المؤلف فى صورة قوية مؤثرة خلال عرضه لحياة تلك المرأة الشقية . وقد أثار الكتاب حين صدوره ضجة كبيرة ، إذ كان نهجاً جديداً فى عالم الأدب . واتهم صاحبه بأنه عرض على الفساد بعرضه صوراً قيل عنها يومئذ إنها إباحية وإنها خارجة عن حدود الآداب العامة . وحوكم فلوبير وأريد تحريم قصته . ولكنه خرج منتصراً بعد جهاد شاق ودفاع قوى عن أبطال قصته الذين كان يقصد بهم العبرة لا الفساد وقد رأينا هذه الرواية الممتازة فى مصر على الشاشة البيضاء أخيراً فكانت تعبيراً صادقاً عن قصد المؤلف وإن كان مخرجوها قد غيرو الكثير من معالمها

وأما " زهور الشر " فديوان الشاعر المشهور بودولير ويودلير يعتبر المنبع الذى منه نشأت أغلب المذاهب الشعرية فى الغرب فى العصر الحديث ، وعلى الأخص المذهب الرمزى

منها . فبالرغم من أن هذا الشاعر ينتمى إلى المدرسة الرومانتيكية من ناحية عنايته بالفن والشكل ، إلا أنه يقترب من المدرسة الواقعية بسبب كرهه للمبالغة فى وصف العواطف والتصورات . إنه لا يتعلق برسم اضطرابات الحواس ومناظر الحياة الخارجية ؛ بل هو يبحث أولا فى أعماق النفس عن الحياة الداخلية بصبواتها الجاعية وخلجانها المتلاحقة . وهو لا يصف هذه الأشياء ، وإنما يحاول إثارتها ىي نفس القارئ باستخدام الألفاظ والتعبيرات ذات القيم الرمزية القوية . وهو أيضا مثل فلوبير كاتب مقال لا ينظم قصيدة إلا تحت تأثير دافع قوى . و " زهور الشر " أكثر شعره انتشاراً . وكانت لهذا الديوان قضية مشهورة ؛ فقد اتهم صاحبه أيضاً بالإباحية ومثل بكتابه أمام القضاء وقضت المحكمة بتحريم سبع من قصائده رأت فيها خروجاً على الآداب العامة . ولكن ، بعد مرور ٨٠ سنة على وفاته . روجت هذه القضية الأدبية ورد القضاء إلى صاحب زهور الشر اعتباره ؛ فخلال تلك الفترة الطويلة كان الناس قد عرفوا حقيقة زهور الشر وتبينوا مقصدها الإنسانى البعيد الذى لم يكن ليقلل من قيمته ما رآاه القضاء فى القصائد السبع المحرمة من إباحية سافرة .

والعبرة فى قصة هذين الكتابين هي أن الابتكار والتجديد فى الأدب يجد أصحابهما دائماً عقبات قوية تعترض طريقهم ، ولكنهم ينصرون عليها دائماً وإن طال الزمن . فزهور الشر ومدام بوفارى أصبحا الآن من دعائم الأدب الإنسانى ومن مفاخر الأدب الفرنسى .

دكتوراه الدولة :

وهاتان الرسالتان قد نال بهما صاحباهما دكتوراه الجامعة أما الأستاذان عفيفي عبد الفتاح ومحمد صقر خفاجة فقد نالا دكتوراه الدولة عن الرسائل التى تقدما بها .

والفرق بين دكتوراه الدولة ودكتوراه الجامعة أن الأولى يشترط فيها كتابة رسالتين : إحداهما أساسية والثانية فرعية يحسن فيها عرض مسألة تتعلق بموضوع الرسالة الأساسية . أما دكتوراه الجامعة فيتقدم لها الطالب برسالة واحدة .

ومما يذكر أن أغلب الحاصلين على شهادة الدكتوراه فى مصر ، ومنهم طه حسين ومنصور فهمى وغيرهما . حصلوا عليها من الجامعة . ولم يتجه المبعوثون المصريون إلى طلب دكتوراه الدولة إلا فى السنوات القليلة الماضية .

اشترك في نشرتنا البريدية