من المضايقات الشديدة التى يصادفها قائد سيارة فى الظلام ، تلك التى تحدث عندما يتقابل مع سيارة أخرى قذفت بأشد أضوائها فى عرض الطريق . فبينما كل شئ حوله فى حلكة دامسة ، إذ هو يرى فجأة ضوءا حادا يشع من مصباحين قويين فى اتجاه معاكس لاتجاه سيره ،
فيبهر نظره وتغشى عينه ويختل توازنه ؛ فيضطر عندئذ إلى التمهل فى سرعته ، وربما إلى الكف عن السير بتاتا لتفادى الاصطدام والاحتفاظ بتوازنه الحسى وعندما تمر السيارة ، يسخط السائق على أولئك الذين لا يراعون شعور الغير ، ويستهترون بنظم ولوائح قيادة السيارات ، ثم يسائل نفسه فى آخر الأمر : " ألا من حل يمنع عن النظر ذلك التأثير الحظير ؟ "
ولكن هناك من سبقه فصاغ هذا السؤال بطريقة أخرى ووضع معاكس : " أيمكن استخدام هذا التأثير فى إثارة شعور الغير ومضايقته فى أداء مهمته ؟
انقلب الوضع وترك البحث من الناحية السلمية ، وقوى وترعرع مع من الناحية الأخرى ، واستخدم كغيره كضرب من الشر لاستعماله فى الحروب .
يسهو النظر على بعد مائة متر من تأثير مصباحين قوتهما معا مائة شمعة ؛ فما بالك بهذا التأثير إذا ضوعفت هذه القوة إلى مئات بل آلاف من المرات ، لا سيما إذا تركزت أشعة الضوء وخرجت من مركز واحد ؟
استخدم الضوء ليلا كوسيلة لمحاربة الطائرات ، وطرد المغير من الاعداء ، فاخترعت لذلك " المصابيح الكشافة ، كمنبع له .
وقد أجمع الطيارون الذين يغيرون على المدن ، والذين
حوصروا بالأنوار الكاشفة على أن السبب الأكبر فى عدم إصابة الأهداف العسكرية ، كان منشؤه تلك الأنوار . وهذا عذر وجيه حفز الهيئات المسئولة على أن تكثر من عدد المصابيح ، وتعظم من شأنها ، فوزعتها فى أمكنة متقاربة ، ووضعتها تحت أيدى رجال مدربين أحسن تدريب .
ويخطئ الكثيرون فى اعتقادهم أن فائدة الأنوار الكاشفة محصورة فى شئ واحد ، ألا وهو اكتشاف الطائرات المغيرة لتسليط المدافع المضادة عليها ، وضربها بقذائفها ؛ وهذا زعم باطل يبعد كل البعد عن السبب الأساسى الذى من أجله اخترعت المصابيح .
أما المقصد الوحيد الذى جعل المخترع يفكر فى اختراعه ، والذى جعل الأمم من بعده يفكرون فى اقتناء أكبر عدد منها ، فهو تضليل الطيار بأن يسلط عليه ذلك الضوء القوى الذى يعمى بصره ويبهر نظره فلا يستطيع التمييز بين صحراء جرداء ومدينة عامرة ، فيلجأ إلى أحد أمرين لا ثالث لهما : إما محاولة الافلات من تلك الأشعة الجهنمية ، وإما إلقاء القنابل التى يحملها حيثما اتفق .
ويجدر بنا أن نذكر فى هذا المقام ، أنه من الأمور العسيرة جدا أن تصاد الطائرة بواسطة مدفع من المدافع المضادة للطائرات ؛ فقبل إطلاق القذيفة يجب معرفة ارتفاع الطائرة وسرعتها واتجاهها ثم يضبط المدفع ،
ويشحن إلى آخر تلك العمليات التى تستغرق زمنا لا يستهان به يكفى لابتعاد الطائرة عن موضع انفجار القذيفة . ولا شك أن المصابيح الكاشفة تساعد كثيرا على إتمام بعض هذه العمليات ، ولكن نتائجها ليست بملموسة كما فى الحالة الأولى ، وهى التأثير على نظر الطيار وتضليله بذلك عن موضع الهدف . ويمكننا على هذا الأساس أن نقول إنه سواء صيدت الطائرة بين شبكات الأنوار الكاشفة أم لم تصد ، فلن يكون هناك فائدة كبيرة ترجى من إطلاق المدافع عليها إلا إذا
اقتربت من حصار الأهداف العسكرية وحاولت اختراقه فالستار الذى تصنعه تلك المدافع غالبا ما يصيب الطائرة ويسقطها
تتكلف الدولة فى شراء المصابيح أو صنعها تكاليف باهظة وأموالا طائلة إذا ما أرادت حفظ منشآتها على صورة مرضية . فمدينة كالقاهرة يجب أن تحصر بعدد من الكشافات لا يقل عن مائتين كيما تقع الطائرات المغيرة فى حبائل أضوائها ، ولا تفلت من بينها لحظة مهما صغرت . فإذا ما حاولت إحداها أن تغوص أو ترتفع لتفادى تلك الأشعة وقعت بين براثن أخرى ، وهكذا حتى إذا ما يئست رجعت إلى بلادها خائبة .
كان لا بد حينئذ من وجود حل مرضى للتغلب على مفعول هذه الأنوار إذا أريد معرفة مواقع الأهداف بالضبط وإلقاء القنابل عليها . وكان الحل البديهى هو مهاجمة مواقع المصابيح ، فينقسم السرب المغير إلى قسمين: أحدهما يحوم حول تلك المواقع صابا نيران قذائفه عليها يقتل رجالها ويتلف شبكة الأسلاك الكهربائية والتليفونية ، وأخر يتجه رأسا نحو الأهداف المراد نسفها ، فيتعاون بذلك قسما السرب على أداء واجبهما . ولكن كانت نقط المصابيح محصنة تحصينا شديدا تكفى لرد الهجمات والاغارات المختلفة ،
ففشل المشروع ولم ينتج ثمرته المرجوة . وأخيرا - وفى هذه الحرب فقط - وجدت الطريقة المنشودة . فقبل المشروع فى إنارة ليلية ترسل فى وضح النهار طائرات استكشافية تحلق فوق أرجاء المدينة وتأخذ صورا فوتوغرافية للضواحى التى يحتمل أن تكون فيها النقط العسكرية المختلفة . وبعد تحميض وتكبير تلك الصور تعين الأهداف على خريطة وتؤخذ مساحاتها وأبعادها عن موضع الهجوم . وما على الطيار فى هذه الحالة إلا أن يسلك الطريق الذى رسمة له رؤساؤه ويقذف بقنابل عندما يبين العداد المسافات التى حسبت بكل دقة على الخريطة . وكثيرا ما تكون الطريقة ناجحة منتجة ، وكثيرا أيضا ما تفشل
لأسباب تتعلق بظواهر خارجية لم تكن منظورة ( كهبوب رياح مفاجئة فى بقع مختلفة تسبب انحراف الطائرة وتقلل من سرعتها ، أو خلل غير متوقع فى بعض أجزاء العدادات ) الخ .
على أن استخدام الضوء فى الحروب لم يقتصر فقط على الدفاع عن المدن ، بل تعداه إلى مساعدة الجيوش على الهجوم فى ميادين القتال .
ويقال إن بعض خطوط القتال فى الحرب الحاضرة مجهزة بمصابيح كشافة ميممة على الدوام شطر العدو . وتلك المصابيح فضلا عن أنها تكشف بعض المواقع فى الميدان المقابل فإنها تتسترعلى حركات الجيوش من ورائها فتنقل المدافع وتحفر الخنادق وتتحرك القوات خلف تلك المصابيح ، إلى آخر تلك العمليات الحربية ، فلا يستطيع أن يميز العدو منها شيئا
ومهما قيل فى تعدد منافع الأنوار الكشافة ومهما عظم من شأنها وجلل من قدرها فإن استعمالاتها تعد محدودة لسبب ظاهر ألا وهو الاقتصار على استخدامها أثناء الليل فقط
