بينما كان السيد سيباستيان لينورمان Sebastien Lenormand جالساَ في مكتبته في أحد ايام صيف عام ١٧٨٣ ، دق جرس الباب الخارجي . وكان يسكن شقة في الدور الخامس بأحدي العمارات في ضواحي باريس .
ولما تكرر صوت الجرس ولم تبلغه الخادم بالقادم ، قام بنفسه وتوجه نحو الباب ، وكم كانت دهشته عندما رأي أن الطارق لم يكن سوى نفس خادمه ، فاستشاط غضباَ وقال :
- لم ذهبت إلي السوق تاركة عملك دون أن تخبريني ؟
فأجابته الخادم على الفور : إنني لم أترك عملي يا سيدي .
- إذاَ من أين أتيت ؟
قالت الخادم وما زالت مفاصلها ترتعش .
- لقد كنت واقفة على حافة نافذة أنظفها ، ثم زلت قدي فهويت إلي الأرض . وكانت معجزة من عند الله إذ رأيت نفسي أهبط ببطء شديد نحو الشارع . وما هي إلا برهة قصيرة حتى لمس الأفريز قدمي ، ووجدت انني لم أصب بسوء ؛ وسرت بين دهشة جماهير الشارع وفزعهم ، وقد حسبوني شبحاَ أو عفريتاَ يتسلق النوافذ . فمنهم من تنحي ، ومنهم من فر هارباَ من أمامي , وجئت يا سيدي لأبلغك الأمر !!
تحقق السيد سيباستيان من صدق كلام خادمه عندما رأي أن جمعا غفيراَ من الناس كان قد اجتمع تحت المنزل ، وأخذ بعض منهم يتطلع إلى طابقه ويشير نحو النافذة التي سقطت - بل على الأصح هبطت - منها الخادم .
تلك كانت قصة المظلة الواقية ، أو علي وجه التحقيق
تلك كانت الفكرة الأولى التي أوحت بإختراعها . وعلينا أن نذكر أن الجزء الأسفل من أثواب نساء ذلك العصر كان مخروطي الشكل فضفاضاَ عند طرفه بشبه تقريباَ شكل المظلة الواقية .
وبعد بحث استغرق عاما كاملا عرض سيباستيان في حفل حضره عليه القوم أول مظلة ظهرت في تاريخ الاختراع ، فجاء بسلة ووضع فيها كلباَ ، ثم علقها في المظلة وقذف بـها من فوق برج منبلييه ، فنزلت تتهادي بين تصفيق وتـهليل الجماهير . وقد سميت بالفرنسية Parachute وهي كلمة مكونة من جزءين منفصلين هما Para بمعنى " ضد " , Chute ومعناها " سقوط " . وكان سيباستيان يري أنـها ذات فائدة عظيمة ، إذ يمكن استخدامها والنزول بـها في حالة شبوب الحرائق ، وأهاب بمواطنية أن يقتنوا عدداَ منها .
حوادث المظلة الواقية :
في عام ١٩٣٥ قام بعض السياسيين في فرنسا بثورة على الحكومة لإهمالها تدريب شبان الطيران على كيفية استعمال المظلة على أصولها ، حتى تعددت حوادث السقوط وكثر عدد الضحايا من الهابطين . فمظلة تظل مقفلة ولا تنفتح طوال المسافة ، فيسقط صاحبها إلي الأرض
فاقد الحياة ، وأخري يتمزق قماشها أو تتقطع حبالها فتسبب حوادث يكون أغلبها مميتاَ . ولما بحثت الحكومة الفرنسية في الأخطار التي يتعرض لها الهابطون بالمظلة .
وحققت في أسبابـها ، وطلبت أن توضع المسائل الآتية نصب أعين رجال الطيران ، وان تدرس دراسة وافية منتجة ,
وتلك المسائل بحسب ترتيب أهميتها هي :
أولا : الوثوق من فتح المظلة .
ثانيا : التخفيف من أثر الصدمة عند الانفراج مهما اختلفت سرعة الهبوط أو وزن الطيار .
ثالثاَ : التقليل من مقدار التأرجح في الجو .
رابعاَ : النزول بسرعة بطيئة مناسبة .
خامساَ : اختيار نوع الأقمشة التي تتكون منها المظلة .
كان مجموع تلك النقط الخمس أساس المناقشات والابحاث التي تدور في هذا الموضوع . وقد أبدع المخترعون ، وقتلوا تلك المسائل بحثاَ ، ولكل منهم رأيه الخاص ، ولكل دولة طريقتها .
ففي انجلترا وألمانيا وإيطاليا مثلا ، تصنع الهابطات من الحرير الطبيعي لخفته ، وعظم مقاومته للشد ، ولكنه سريع التمزق لا يحتمل أشعة الشمس وفعل المطر . أما الولايات المتحدة وفرنسا فتستعملان القطن الذي يقاوم تأثير أشعة الضوء فوق البنفسجية ، ولكنه أثقل من الحرير ومعرض للتمزق في حالة السقوط السريع والإنكماش في حالة المطر .
فتح المظلة : والمظلة الواقية تنفتح بطريقتين : تعتمد الأولى منهما على فعل الريح ، ويعتبر الفتح آليا ،
ويشترط في هذه الحالة أن تكون الهابطة جافة ومطوية بترتيب خاص ينفك رباطها بنفسه عند القذف من الطائرة ، ويساعدها في تلك العملية مظلة أخرى أصغر حجماَ وأدق صنعاَ (انظر شكل ١ ).
مشهد هبوط جنود بالمظلات في ضاحية من ضواحي برلين . وعندما فحصت إحداها ( وكان فتحها بالطريقة الآلية المذكورة ) وجدت أن بـها جهازا صغيرا فيه هواء مضغوط يساعدها على الفتح ، وآخر يبين للطيار سرعة هبوطه نحو الأرض . وفي الطريقة الثانية يتحكم الهابط في المظلة نفسها ، فيفتحها متى شاء بجذبه مقبضاَ معلقاَ بحزام في وسطه . وهي الطريقة التي فضلتها الولايات المتحدة وانجلترا . .
أما الروس فيستعملون الطريقة الأولى في الميادين . وأما الطريقة الثانية فتستعمل عندهم كوسيلة من الوسائل الرياضية فقط .
وطالما عقدت قبل نشوب الحرب مباريات بينهم في حفلات عامة ، وكان بطلهم المدعو جيفدو كيموف Qevdokimovv الذي كان يقذف بنفسه من طائرة على علو ٨١٠٠ متر ، ولا يجذب مقبضه ) أي لا يفتح مظلته (
إلا بعد أن يصل إلي ارتفاع مائتي متر من الأرض ، ويمكن تصور الاخطار التي يتعرض لها اولئك اللذين يمارسون ذلك الضرب من الرياضة ويعتمدون فيها هي المقدرة في تملك شعورهم وأعصابـهـم ويقظة حواسهم في الأوقات المناسبة ، إذا عرفنا ان بعضهم قد يخطئ في تقدير المسافات التي يجب أن يحرك عندها المقبض .
كما ان الكثيرين لازمهم سوء الطالع فلم تنفرج مظلتهم حين جذب المقبض فسقطوا وماتوا لساعتهم ,
وأظن أن بعض القراء لا يزالون يذكرون تلك الحادثة التي وقعت عام ١٩٣٦ وكان ضحيتها أحد الضباط الفرنسيين وقد توفي عندما ما سقط على الأرض ، وكان السبب في موته الثفاف حبل من حبال المظلة حول إحدي ساقيه عند ابتداء القذف من طائرة احترقت في أعالي الجو .
قبل تدريب جنود المظلات تؤخذ أطوالهم وأوزانـهم
بكل دقة ، ثم تملي عليهم الأوامر في كيفية السقوط تبعا لتلك الأطوال والأوزان . فمن قل وزنه عن حد معين - يختلف باختلاف أنواع المظلات - يتحتم عليه أن يقذف بنفسه
من الطائرة ورأسه إلي أسفل لاكتساب سرعة ابتدائية كبيرة تساعد على سرعة انفراج المظلة - والمعروف أن الرأس هو أثقل جزء من جسم الانسان - وفي هذه الحالة يبسط الجندي ذراعيه في الفضاء من نافذة الطائرة أو من على جناحيها ، ثم يرمي
بنفسه تماما كما يفعل القاذف إلي الماء عندما يمتلي أحد العروق الخشبية . أما الذي يزيد وزنه من الحد المطلوب فيقذف نفسه بحيث تكون قدماه متجهتين نحو الأرض
وجسمه في اعتدال ، مع ملاحظته ان يبتعد قدر ما أمكن عن موضع السقوط ، ليتفادي اشتباك قماش مظلته أو أحد حبالها مع جناح أو ذيل الطائرة . وتقدر سرعة الجندي عند ابتداء انفراج المظلة بثلاثمائة وستين كيلومترا في الساعة تقريبا في الحالة الأولى ، وبمائـتين وخمسين كيلومترا في الساعة في الحالة الثانية .
ووظيفة المظلة أن تجعل تلك السرعة الهائلة تتناقص تدريجيا وبتقصير منتظم ، حتى تكاد تتلاشى ، فيصل الهابط إلي سطح الأرض سالما ، والشكل ( رقم ٢ ) يبين كيفية الهبوط أما ( رقم ٣ ) فصورة لبعض الجنود يتلقون الدرس الأول في القذف .
وقد تقدم البحث كثيرا وبخطوات واسعة ثابتة في كل ما يتعلق بالمظلة الواقية ، وخاصة فيما يرتبط بنقل المهمات الحربية إلي مسافات شاسعة . ففي إحدي المناورات الروسية أمكن إنزال ١٢٠٠ جندي و ١٥٠ مدفعاَ رشاشاَ و ١٨ مدفعاَ كبيراَ ، وصلت كلها سالمة إلي الأرض . ومن طريف يا يقال ان القائد كان يشرف على النظام في سيارة
قذفت من إحدي الطائرات وهي معلقة في مظلتين كبيرتين !.
وهكذا كانت المصادفات البحتة في هذه المرة أيضا هي التي أوحت إلي المخترعين والمكتشفين بإختراع جديد لم يعرف في باديء الأمر مدى نجاحه وإلي أي حد يمكن أن يغير مجري التاريخ : .

