الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 189الرجوع إلى "الثقافة"

من هنا وهناك :، اختراع جهنمي

Share

يتساءل المرء إذ يشهد آثار الحرب الماضية ، وبعض آثار الحرب الحاضرة : نري هل اعتري النفس الانسانية انحراف أو خيال أو ضلال ؟ أم أنها في حقيقة أمرها قد ركبت من الظلم والقسوة والشر ؟

إنها تظهر لنا كل يوم بل كل ساعة علي قطعان من الآدميين لا حصر لهم ولا عدد ، بين قتلي وجرحي وغرقي وتائهين ومشردين ، وعلى آلام جسمانية واهوال نفسانية وأفعال ملؤها الغدر والخديعة والبغض . .

ولاشك لدينا في ان الاختراعات العلمية في أيام السلم قد اغدقت الخيرات على الناس ، ويسرت لهم الرخاء المادي

بصورة تسمو على ما كان يحلم " الانسان وتناجيا به الأوهام . وقد ساقت إليه من ضروب المتع وألوان المسرات وصنوف اللهو ما لم يكن يطمح إليه ببصره ولا يدنيه الوهم إلى خاطره . ولكن عندما يضرب الناقوس إذانا باعلان الحرب بين دولة ودولة ، وعند ما تبتدي الجيوش الحرارة تحمل أسلحتها وتذهب إلي ميادين القتال تتقدمها الفرق الموسيقية والعبارات الحماسية ، عندئذ تنقلب الأوضاع وتتغير السحن ، فيضحي كل فرد مصدر شر مستطير ، وآلة مكيدة وانتقام ، ووسيلة هدم وتدمير .

وها هي الاختراعات تنهال علي المحاربين وغير المحاربين بكافة أنواعها واحجامها واشكالها . وها هو المخترع ، وقد رأي أمامه ميدان العمل مفتوحا ، يجد ويكد ويبدع ويتفنن حتي يخرج إلي الميدان جهازه الجهنمي دقيقا كاملا ، يحمل بين طياته اينما حل الموت والتخريب .

ومن الذي كان يخطر بباله أن قلما من رصاص أقام وأقعد في الحرب الماضية دولة بأسرها لمدة كبيرة من الزمن ؟ ومن الذي يمكن في خياله حتى يتصور ان هذا القلم أغرق بانفجاره مئات ومئات من السفن المتحالفة تملؤها الذخيرة والأغذية ؟

كانت جميع ظواهره الخارجية تنم على انه قلم ولكنه كان - برغم ذلك - قلما جهنميا :

في أوائل عام ١٩١٥ كانت الجيوش الألمانية قد بدأت تتأهب مرة اخري لتفرض نفسها على الأعداء . وفيما كان الجنود على اهبة الاستعداد ، والقادة قد اتموا تدبير خطاطهم الحازمة ، إذا بعدو جديد يظهر فجأة في الميدان ، ويمطر الجيوش في الجبهتين الشرقية والغربية بوابل من الدمار والهلاك ، بصورة أفزعت القيادة الألمانية العليا وروعتها . ولم يكن هذا العدو الجديد المفاجيء سوي الذخائر الأمريكية التي ابتدأت تتدفق بكميات عظيمة على الحلفاء

وكان أجل ما يخشي من هذه الذخائر هو طريقة صنعها المبتكرة ، والتي لم تكن مألوفة في المصانع الأوربية ، إذ كانت اغلفة القنابل والقذائف مصنوعة من الصلب والفولاذ بدلا من الحديد . وكلما انفجرت تطايرت شظاياها الخشنة المدببة في ألوف من القطع ، وتساقطات في قوة على خنادق الجنود الألمانية فتذيقهم موتا أليما . .

وتنبه الخلفاء لأمريكا وفرحوا بالنتائج الأولى فعقدوا الصفقات العظيمة مع مصانعها ، بل شجعوا كثيرا من المصانع الآخرى على أن تنقلب إلي صنع الذخائر ، وتتحول من صنع بضائع السلم إلي إدوات الحرب والدمار . . وما إن ظهرت أموال الحلفاء في الأسواق الأمريكية كالسيل الجارف حتي بدأت المصارف والبيوت المالية تخرج عن ترددها واندفعت تتسابق في إقراض مصانع الأسلحة والذخائر ، وقد طابت لهم جميعا الأرباح الباهظة التي لم تكن في الحسبان .

كل ذلك والجيش الألماني يحصد ثمار هذه التجارة قتادا وعلقما ، ويدفع الثمن دماء وأرواحا . وكان هذا العدو الجديد مبعثا للأحزان العميقة في برلين عامة والقيادة العليا خاصة . ولم يكن بالعدو الذي ينازل في الميدان وجها لوجه ، او يكتسح خنادقه في عاصفة من الجيوش ، بل كان شبحا مرروعا وقف جاثما إزاء شجاعة الجندي ودهاء قائده . فكان - والأمر كذلك - لا بد من إيجاد حل لعرقلة شحن الذخائر المكدسة على الموانئ الأمريكية بكافة الوسائل . . وكانت تلك الظروف وأمثالها هي التي أوحت باختراع القلم الجهنمي .

كان هذا القلم يحتوي علي أنبوبتين من الزجاج الرقيق يفصلهما سلك دقيق من البلاتين . ومحتوي الأنبوبة العليا على حمض الكروميك علي هيئة ملح مخفف ، أما الثانية فيها مادة سريعة الالتهاب تسمى " قولمينات الرئبق كالتي تستعمل في معظم " خراطيش " البنادق . ويحيط بالأنبوبة الثانية غرفة

صغيرة أخرى تحتوي علي خمسة عشر جراما من " بيكرات الصوديوم " وهي مادة شديدة الانفجار وعندما يراد استعمال القلم تثقب قطعة الشمع العليا بدبوس فتسرب الرطوبة إلي الداخل وتذيب حمض الكروميك الذي يتفاعل مع قطعة السلك ويختلط محتوى الأنبوبة الثانية ) انظر شكل ١ ( فتتولد

بذلك حرارة شديدة تكفي لإشعال بيكرات الصوديوم وإحداث اللهيب أما سلك البلاتين الذي يفصل الزجاجتين فهو من السمك والرقة كما يراد . فلو كان سميكا احتاج السائلان إلى طويل وقت حتى يتفاعلا معه ويذيباه ، وهكذا يمكن السيطرة على وقت حدوث اللهب بزيادة السمك أو إقلاله ؛ بل إن التجارب القليلة مكنت من

عمل أسلاك ذات سماك مختلفة ، ينتهي كل منها إلى إحداث اللهب في وقت معين محدود يتراوح بين بضع دقائق وعدة ايام .

أما اللهيب الناشئ فهو شديد صامت يخرج من طرفي القلم متدلعا لمسافة تتراوح بين عشرين وثلاثين سنتيمترا ، ويكون مصحوبا بحرارة شديدة تكفي لازالة جدران القلم نفسه وتخفي بقاياه عن العيان :

وما إن اكتمل هذا الاختراع وبرهن على منافعه ، حتى نشطت الجواسيس الألمانية ، فاستطاعوا ان يقيموا مصنعا صغيرا في أحد المونئ الامريكية وسط حركة الملاحة البحرية ، واستطاعوا ايضا ان يدسوا بواسطة بعض الخائنين الأرلندين هذه الآقلام في معظم البواخر المملوءة بالذخيرة إلى روسيا وانجلترا . وكانت البواخر تغرق تباعا وهي تمخر عباب البحر دون ان يعرف لها سبب

إذ كانت الحرائق تندلع فجأة من بعض أرجائها ، فسرعان ما تصب غرف الذخائر وما احتوتها . . واخيرا شاءت الأقدار أن ترفع الستار عن سر الحرائق ، فينكشف الأمر وتظهر الحقيقة ، إذ نشرت جريدة " نيويورك تايمز " في أحد الأيام بخط كبير على صفحتها الأمامية خبرا فحواه أن السفينة " كيرك اسوالد " عند ما كانت تنظف خارج ميناء مرسيليا عثر فيها على انبوبة صغيرة عجيبة الشكل تشبه قلم الرصاص ، وما إن فحصت حتى تبين انها قنبلة موقوتة على جانب كبير من الخطورة

وقد أدرك أولو الشأن على الفور أن هذه القنبلة ما أودعت السفينة إلا عند ما كانت راسية في ميناء نيويورك وكان الجواسيس قد وضعوا القنبلة في هذه السفينة على أنها ذاهبة إلي شمال روسيا ، ولكن يبدو أن السفينة تلقت امرا بأن تغير وجهتها وتيمم شطر ثغر مرسيلها الفرنسي . ولما كانت المسافة في هذه الحالة اقصر بكثير من الأولى ، فإنها وصلت سالمة قبل ان تنفجر فيها القنبلة .

وهكذا ابتدأت الرقابة تنشط ، وأخذت احواض البناء وأرصفته تموج بجماعات المخبرين ، وقل نشاط الجواسيس من ألمان وإرالنديين .

وها هي الأيام تدور دورتها ثانية ، فتنشر الجرائد من أسبوعين خبرا فحواه أن جواسيس نزلوا من غواصة معادية على بعض الشواطئ الأمريكية يحملون صناديق تحتوي على مواد مفرقعة ، واخري محرقة ، تري هل كانت على طراز تلك الآقلام الجهنمية التي استعملت في الحرب الماضية ، أم أن العقل البشري بتقدمه أخرج ما هو ابدع شكلا وأخطر شأنا ؟ . .

اشترك في نشرتنا البريدية