يرجع كثير من تصرفاتنا في حياتنا اليومية إلي خراقات قديمة نتوارثها عن اجدادنا بدون ان نشعر بذلك ، فإن رش الملح مثلا دليل على سوء الحظ ، ويتجنبه الإنسان بأن يلقي حفنة منه من فوق الكتف اليسري ، ويرجع السبب في ذلك إلى عدم وفرة الملح في العالم وتوزيعه توزيعا عادلا ، وإذا كان متوافرا في بعض الجهات ، إلا أنه نادر في كثير غيرها ، بل إنه من المتعذر جدا الحصول عليه في بعضها ، وكانت جماعات كثيرة من الناس تعاني متاعب كثيرة في سبيل الحصول على الملح بسبب صعوبة المواصلات في الأزمنة القديمة ؛ وكان الملح من ضروريات الحياة ، ولابد من ضمان الحصول عليه ، ولذلك فإن تناثر الملح كان في حد ذاته دليلا على سوء الحظ ، وبذلك نشأت هذه الخرافة وانتشرت في بعض الجهات
والخراقات المتصلة بالقطة السوداء منتشرة ، ويتشاءم كثير من الناس عندما تعترض قطة طريقه ، ويحاول أن يغير طريقه ، وهذه الخرافات من بقايا عهد السحرة ، فقد كانت الساحرات يملن للقطط ، وكان المعتقد أن أرواح الساحرات تختفي في القطط في أوربا الغربية ، وكان الاعتقاد في ارواح القطة المديدة وفي مقدرتها على الرؤية ليلا والخوف منها باعتبارها مصدرا للزوابع راجعا إلى مكانة القطط في عالم السحر .
وقد صدر في العصور الوسطى كتاب اسمه " احذر القطة ! " سنة ١٥٨٤ وكان يعتبر القطط السوداء ساحرات
متنكرات ، وان قتل القطة ليس معناه قتل الساحرة ، لانه يمكن أن تتقمص الساحرة جسد القطة تسع مرات .
ومما يدل على انتقال الخرافات من جيل إلى جيل وبقائها حتى العصر الحالي ما يتصل بالعطس ، ويرجع ذلك إلى الفكرة القديمة عن الروح وانتقال الأرواح ، وكانت الفكرة القديمة ان العطس يطرد الروح مؤقتا من الجسم . وكان اليونانيون والرومانيون في الأزمنة القديمة يعتقدون أن العطس دليل الشؤم ، إلا إذا قيلت عبارة تطرد الشؤم كقولهم : " ليحفظك جوبيتر " . وما زال الإنسان في العصر الحاضر يقول : " رحم الله " او " فليببارككم الله " . ويقول الأوربيون عبارة المانية متداولة في اللغات الغربية Oesund helth ومعناها " صحة جيدة ! "
وترجع الخرافات المتصلة بالمراة إلى تلك الأزمنة القديمة عندما كان الاعتقاد السائد أن انعكاس صورة الإنسان في الماء أو في أي سطح لامع - وأخيرا في المرأة - ليس إلا روحه ، وحتي اهالي جزائر البحار الجنوبية الذين على الفطرة في الوقت الحالي يعتقدون عندما ينظرون إلى انفسهم في المرأة انها الروح ، وقد لا يدرك الإنسان المتحضر في العصر الحالي أن تشاؤمه من انكسار المرأة معناه الخوف من ان تكون الروح منعكسة في اللحظة التى كسرت فيها المرأة ، وبذلك لا يمكن الاستعاضة عنها بعد فقدها
ومن الخرافات الشائعة تجنب السير تحت سلم مرتكز على بناء ، وأمل هذا احتياط من خطر الأشياء المتساقطة . ولا بد ان تذكر أن كل الخرافات الحالية متوارئة ، فإن السلم المرتكز على جدار يمثل شكل زاوية وهي من أقدم الأشياء التي ترمز للحياة . وعلى ذلك فإن السير تحت السلم معناه انكسار رمز الحياة ، مما كان يعتبر مقدسا في نظر الإنسان القديم ، وربما كان الأمر كذلك في العقل الباطن للإنسان المتحضر .
وما زال لحدوة الحصان أهمية عظيمة في عالم الخرافات ،
ولا يعرف تاريخ الاستدلال بها على حسن الحظ ، ولكن من المشاهد أن شكلها يشبه رمز التفاؤل عدد القدماء / ولورقة البرسيم ذات الأجزاء الأربعة مكانتها في عالم التفاؤل ، وكثيرا ما يقضي الناس ساعات عديدة في البحث عنها ، وقد ضاعت معالم هذه الخرافة ، ولكن تروي الأساطير أن حواء أخذت معها عند خروجها من الجنة ورقة برسيم ذات أجزاء أربعة ، ولما كانت تذكارا للجنة فإن حيازة هذه الورقة يعتبر فألا حسنا اما العادة الكريهة في البصق على شيء ، وخصوصا النقود ، لتجلب الحظ فما زالت منتشرة ، وكان القدماء يعتقدون أن البصق طلسم ضد الشر ، وما زالت قبائل البانثو في أفريقيا تعتبر اللعاب أهم مصل ضد المتاعب الناتجة عن العين الشريرة
ولقد تأثرت كل شعوب العالم بفكرة العين الشريرة ، سواء في ذلك الشعوب المتمدنة أو المتأخرة ، وما زالت كل الشعوب تستعمل في الفاظها المتداولة عبارات تدل على العين الشريرة .
وكان يوم الجمعة يعتبر في أوائل المسيحية يوما مشئوما ، لان المسيح مات في ذلك اليوم ، وقد حدث كثير من المآسي في الأزمنة القديمة كالطوفان واضطراب الحجات في بابل وتناول آدم وحواء من الفاكهة المحرمة في ذلك اليوم ، ولذلك يعتبر كثيرون منذ العصور الوسطى ان يوم الجمعة يوما مشئوما .
ومع ذلك كان يوم الجمعة يوما سعيدا بالنسبة لمصير امر بكا ، فقد ابحر كولمبس من ميناء بالوس في اسبانيا في يوم الجمعة ٣ أغسطس سنة ١٤٩٢ م ، وشوهدت أرض العالم الجديد لأول مرة في يوم الجمعة ١٢ أكتوبر من السنة ذاتها ، ووصلت السفينة ماي فلاور إلى ميناء بروفنس في يوم الجمعة ١٠ نوفمبر سنة ١٧٢٠ م ، وولد جورح واشنجتون في يوم الجمعة ٢٢ فبراير سنة ١٧٣٢ م .
ولا شك في أن الذكريات السعيدة التي ترتبط بأمريكا في أيام الجمع تزبل التشاؤم في هذا اليوم .
ويعتبر رقم ١٣ دليلا علي سوء الحظ ، وأصل ذلك يرجع إلي جلوس المسيح وتلاميذه الاثني عشر لتناول الطعام قبيل صلب المسيح .
ومن النادر أن يجد ثلاثة عشر شخصا يجلسون حول مائدة ، وتتجنب الفنادق ترقيم إحدي حجراتها برقم ١٣ فتقفز الأرقام مباشرة من ١٢ إلى ١٤ إرضاء لنزلائها ومع ذلك ، فإن بعض الناس يحاولون الأزدراء بفكرة التشاؤم من هذا الرقم ، فيجتمع ثلاثة عشر منهم في كل مناسبة ممكنة وبذلك يتفاعلون من هذا الرقم ، ولقد كان ويدرو ويلسون الرئيس السابق للولايات المتحدة يزدري بفكرة التشاؤم من رقم ١٣ ، فكان يصدر القرارات الهامة في الثالث عشر من الشهر ، وبلغ به تمسكه بهذا الرقم ان ترك الجزء الأول من اسمه وهو ( توماس ) حتى يكون باقي اسمه ويدرو ويلسون باللغة الإنجليزية مكونا من ثلاثة عشر حرفا
ومن العادات المألوفة عدم ذكر أسماء الموتى عند الشعوب المتأخرة ، ولا تذكر القبائل الإسترالية المتأخرة أسماء الموتى . ولعل السبب الرئيسي لذلك الخوف من إثارة روح الميت ، وإذا وجدوا ما يستدعي الإشارة إلي اسم الميت ، فإنهم يقولون بصوت خافت " المرحوم "
أما عادة شرب نخب شخص ، فإنها عادة قديمة يرجع إلى التقاليد الدينية التي كان الناس يشربون فيها الموتي والآلهة ، ولقد كتب اللورد تشترفيلد إلى ابنه في حديثه المعروف عن آداب اللياقة يقول : " أما بشأن العادة المبتدلة ولكنها عالية ، الا يوجد شئ يرتبط بصحة الإنسان أكثر من شرب كأس من الخمر ، فإنها لا تتفق مع الذوق السليم ، ومع ذلك فإن الذوق السليم يدفعني للتمسك بها

