في اليوم السابع عشر من شهر يناير سنة ١٩١٧ ، أصدرت القيادة القيصرية تعليمات سرية إلي قواد الغواصات الألمانية ، تلزمهم باتباع خطط جديدة كانت قد وضعتها من قبل لتلائم ظروف الحرب في البحار وتطوراتها . وكان لُباب الرأي السائد وقتئذ هو محاولة قهر انجلترا وحلفائها عن طريق إغراق بواخرها الحربية والتجارية ، فيزول بذلك الحصار البحري البريطاني ، وتتحايل ألمانيا بعد ذلك ما وسعتها الحيلة على إصدار بضائعها واستيراد ما تحتاج إليه .
وكانت المانيا تواجه عداوة روسيا وإيطاليا والصرب ورومانيا ، ولم يكن هناك دول تستطيع الاتجار معها سوى الأقطار السكندناوية وهولاندا وسويسرا . وقد كان في مقدور هذه الدول أن تمدها بجزء كبير من المواد والمؤن التى كانت تحتاج إليها إذا رفع الحصار وتقطعت شبكته .
وقد ذكرت في العدد السابق أن عمل الغواصات في القوافل الإنجليزية كان رهيباً خصوصاً بعد التعليمات الجديدة الى أمليت على القواد الألمان ، وان شبح المجاعة بدأ يهدد الحزر البريطانية تـهديدا فعالًا خطيراً ، ولولا ظهور ذلك الاختراع الجديد المسمى " بالمركب حرف ك " على يد أحد الضباط الفرنسيين لألقت انجلترا السلاح ، ولخرجت ألمانيا من الحرب الماضية منتصرة .
وقد انحصرت التعليمات الألمانية الموجهة إلي قواد الغواصات في خمس نقط صريحة هي :
أولاً : يجب على الغواصة التي تعمل تحت لواء القيصر أن تـهاجم وهي مختـفية تحت سطح الماء البواخر الحربية المسلحة كالمدمرات والطرادات والبوارج وحاملات الطائرات.
ثانياً : يحسن بالغواصات أن تختار الليل لقذف طوربيداتـها ، كى لا تكون عرضة للتدمير او الوقوع في الفخاخ .
ثالثاً : يتحتم على قائد الغواصة ألا يعطي أمراً بإطلاق الطوربيد من مسافة تزيد على مائتي متر عن القافلة المعادية حتى يضمن إصابة الهدف .
رابعاً : في حالة ظهور باخرة تجارية في حراسة بارجة حربية كبيرة ، يجب علي بحارة الغواصة وقائدها ان يوجهوا كل اهتمامهم نحو الباخرة أولاً ، وفي حالة إغراقها تنصرف الجهود من بعدها إلي البارجة .
خامساً : ليكن في علم كل فرد من أفراد الغواصات أن المؤن التجارية التي يتغذي بـها الأعداء تفوق في أهميتها الذخائر والمواد الحربية .
ولم يأت شهر إبربل من هذا العام - أي أنه لم يمض ثلاثة أشهر على صدور تلك الأوامر والتعليمات - حتى كادت البحار تخلو تماماً من البواخر البريطانية ، فانقطعت المؤن تدريجيا وانعدمت الواردات علي مر الأيام ....
ولنتأمل الآن قليلا في الصورة رقم (1) فإنـها تظهر بوضوح ما كان لفعل الغواصات الألمانية من تأثير على
التجارة الأنجليزية ، ويلاحظ أن كل نقطة سوداء على هذه الخريطة تبين موضع إغراق باخرة تجارية للحلفاء في الأسابيع الثلاثة الأولى من شهر ابريل عام ١٩١٧ . وهي خسارة فادحة ،لاريب في ذلك ، تأثر بـها الأسطول البريطاني أشد التأثر من ناحية ، وحفز الهمم على تلافيها من ناحية أخري .
كان لابد إذاً من إيجاد طريقة فعالة تحتاج إلى كثير من الدهاء و "التكتيك " الحربي . . كان لابد من درس الطريقة الألمانية المتبعة في إغراق البواخر , ومحاربة الغواصات في نقطة الضعف التي ستظهرها نتيجة البحث والتنقيب .
وهنا ، وفي هذه الأوقات الحرجة العصيبة ، بينما كان اليأس يزحف تدريجيا إلى نفوس قواد الجيش البحري ، ظهر مصباح الأمل يحمله الكابتن جوردون كاميل في رسالة إلى الهيئات الفرنسية يقول فيها :
" كلنا يعلم أن الغواصات وما تحمله من بحارة وضباط ، يعيشون بما يقتنصون من المؤن التي تحملها البواخر التجارية . وقد لاحظنا مراراً وسمعنا كثيراً من بعض الناجين أن الغواصة الألمانية تطفو على سطح الماء إذا مارأت باخرة تجارية عزلاء تسير وحدها في البحار ، لا يحرسها أسطول ولا تحيطها قوة يخاف بأسها . . فبعد ان تقترب الغواصة المعادية من الباخرة تأمرها بالوقوف ، ثم تخيرها بين إغراقها بمن عليها او الطاعة العمياء لأوامر القائد الألماني . فيفهم البحارة ما يحويه هذا التهديد ، وأن الموت غرقا ينتظر كل فرد منهم إذا هم حاولوا الفرار أو الدفاع ، وكيف يكون الفرار أو الدفاع وهم يعلمون جيداً أن مدافع الغواصة مصوبة إلي باخرتـهم من كل جانب ، وان طوربيداتـها متحفزة للانطلاق عند أول إشارة ؟ إن العدو مسلح أكمل التسليح وأشده ، بينما هم لا يملكون سوى مسدساتـهم او بنادقهم ، إذا كانت
لديهم مسدسات أو بنادق . " لا بد إذاً من التسليم مهما كلفهم الأمر . ولابد من الطاعة مهما قست عليهم الأوامر . فتقف الباخرة ويصعد إليها بعض رجال الغواصة ، ينهبون كل ما تقع عليه أيديهم من مأكولات ومشروبات وملبوسات ثم يأمرون بحارة الباخرة بتركها إلي زوارق النجاة أو إلي غواصتهم كأسري حرب ، وفي هذه اللحظة فقط تبتدىء مأساة الباخرة . فإن طوربيداً واحداً محكم التصويب كافِ لإرسالها مشتتة الأجزاء إلى حيث لارجعة لها في عالم الوجود " .
واستطرد جوردون قائلا : " فإذا كان الأمر كما ذكرت فلم لا نحاربـهم معتمدين في ذلك على طريقتهم في السلب والنهب ؟ لم لا نرسل إليهم بواخر تجارية ضعيفة عزلاء في ظاهرها ، قوية محصنة في باطنها ؟ سنعتبر كل غواصة للأعداء سمكة كبيرة شرهة أو حوتاً ضخما جائعا دانـم البحث وراء فريسة جديدة . فلنقدم له طعماً على صورة باخرة من بواخرنا فإذا ما ظهر لاقتناصها قابلته المدافع بأشد النيران فتكا وتدميرا "
وبمثل هذا الاقتراح كان المسيو جوردون يبغي جعل كل باخرة فخاً للغواصات ، وبذا يتحايل على قهر العدو بطريقة المكر والدهاء .
إن كل اقتراح - مضراً كان أو نافعاً ، قويا كان أو ضعيفا - يلقي دائما آذانا صاغية من شخص دب في نفسه اليأس ، وهذا ما حدث لاقتراح جوردون . فتسلحت البواخر التجارية بكافة أنواع المدافع وقنابل الأعماق , وكسيت تلك المدافع بأغلفة من الصلب تحجب عن الناظر فوهاتــها . ومن طريف ما يقال أن بحارة تلك السفن كانوا يطلقون لحاهم ويرتدون أقذر الثياب وأرثها ، فيدل منظرهم على أنـهم من أحط الطبقات ، وأن أحدا منهم لا يعرف كيفية إطلاق مدفع . وكانوا يتعاملون
فيما بينهم بألفاظ بذيئة وقحة . والواقع أن هؤلاء الرجال كانوا من ضباط البحرية أحسنهم وأمهرهم , وأنـهم كانوا يمثلون على ظهر باخرتـهم كما لو مثل أقدر الممثلين على خشبة المسرح . أما السفينة نفسها فكانت أشد قذارة من راكبيها : فمن صناديق كبيرة توهم بأنـها مكدسة بالبضائع ، موزعة بغير نظام او عناية ، ومن علب وصفائح فارغة تدل . على أن بداخلها المأكولات المحفوظة من كافة الأنواع والأصناف . وبالإجمال كان مظهرها غير حقيقتها وظاهرها غير باطنها . وكان عليها أن تسير وحدها في المناطق التي يعرف قائدها أنـهــا مهددة بالغواصات . كان عليها أيضاً أن تبحث عن تلك الحيتان وأن تجري وراءها وتتصيدها ، لا أن تتحاشاها وتفر منها كما كان قبلا ، وعندما تراها إحدي الغواصات فانـها تطفو سريعا على سطح المياه وتقترب منها بعد ان تكون قد تيقنت من بعيد انه ليس بـها مدافع يخشى أمرها . وهنا يمثل بحارة السفينة دور
الهلع والفزع فيتصنعون الاضطراب ويروحون ثم بجيئون كأنـهم يبحثون عن منفذ يهربون منه او ملجأ يحتمون فيه . وتقف الباخرة تبعا لامر قائد الغواصة التي تقترب بكل هدوء وهي مطمئنة على نفسها فرحة بغنيمتها وفي اللحظة المناسبة ، وعندما تكون الغواصة علي مرمي المدافع والقنابل ، تنفتح الأغلفة فجأة فتظهر الفوهات دفعة واحدة وتصب نيرانـها عليها بكل ما أوتيت من قوة ، بينما يكون الذهول قد عقد ألسنة الأعداء وشل حركتهم عن أي عمل عدائي .
وهكذا أخذ عدد الغواصات يقل دون ان تعرف القيادة الألمانية لذلك سبباً من الأسباب ، إلي ان جاء اليوم الذي فيه تطهرت البحار وأمنت المواصلات ، وازدادت على انجلترا الواردات فقويت عزيمتها وانتهي نضالها بالنصر .
