يسألني الأديب " جمال سالم " عن المقصود " بالكاموفلاج " Camouflage في الحروب الحديثة ، وعما إذا كان يدرس للجنود والضباط في المعاهد الحربية كعلم له أساتذته وقوانينه ، وفن له قواعده وأساليه .
والواقع أن كلمة " كاموفلاج " ) وهي فرنسية الاصل أضحت لها فى حروبنا هذه معنى خاصا ، وأدرجت بين مفردات اللغات الأوربية جميعها . وقد أريد بها فن يمتاز عن بافي الفنون الحربية الأخرى بسعة مجاله ، وتعدد صفاته . وقد بني هذا الفن على طريقة التقليد ، وفيها يحاكى الإنسان الطبيعة ومخلوقاتها ، ويقتبس منها بعض الأحكام التي أبدعتها لصون كيانها ؛ فهناك ألوف مؤلفة من الحيوانات ترعي وتعيش في الخلاء ، وملايين من الحشرات ندب على الأرض ، وكلها أو معظمها غزل لا سلاح لها سوى ما وهبها الله من هذا الفن ، فن الاستئثار عن أعين أعدائها حرصا على حياتها ، وحفظا لبقائها .
راعت الطبيعة الصغير قبل الكبير ، والحقير قبل العظيم ، ولم تهمل من شأن مخلوقانها شيئا ؛ فوهبت كل حيوان وكل حشرة غطاءه الخاص ، ليكون له حجابا يخفيه عن الأنظار ، ويلائم الوسط الذي يحيا فيه والمكان الذي يرتزق منه . فالدب القطبي مثلا لونه ابيض ناصع كلون الثلج المحيط به ، والضفادع وما شابهها من الحيوانات تأخذ لون الرمل أو المزارع التي تحيا فيها وقديما قال العرب : " ما أشبه حجل ) ١ ( الجبال بألوان صخورها ؛ فمن هذه الحيوانات درس العلماء فن الاستتار . درسوء على يد الطبيعة ، وازدادوا علما من أحكامها
وقوانينها ، ثم اتوا إلي ميادين العمل ومعهم ذخيرة ثمينة من العلوم الخاصة بالمملكة الحيوانية ، ثم طبقوها فجاءت بنتائج حسنة وبشرت بنجاح باهر .
إن " الكاموفلاج " أو فن الاستتار ، عكس السراب علي خط مستقيم ؛ فالسراب يخدع الإنسان برؤية أشياء لا وجود لها في علم الحقيقة ، أما " الكاموفلاج " فيري إلي إخفاء الأشياء التي لها وجود وتعميتها عن العين البشرية أو العين الفوتوغرافية . وهو في ذلك يستخدم طرقا صناعية وأساليب فنية تكفي لإبهام المشاهد بأنه يري أشياء تختلف عن واقع الأمر فينخدع فيها ، أو يري مناظر على غير حقيقتها فيغر بها فمن الملاحظات التي لا بد أننا لاحظناها في هذه الحرب ارتداء الجنود والضباط اللباس ذي اللون " الخاكي " وقد اتخذوه ذريعة للاستتار في حرب الصحراء ، لأنه أقرب إلي لون الرمال والأتربة التي تنبعث منها . أما في الأجزاء الشمالية حيث الميادين الثلجية فقد ارتدت الحيوش الألمانية في حروبها مع فتلنء اللهدا وروسيا ألوانا سنجابية أو بيضاء ، فكانت ملائمة للتنكر ومساعدة لهم على التخفي وسط حقول الجليد . أما السيارات وسائر مهمات القتال ولا سيما بطاربات المدافع فقد دهنت بالألوان المناسبة وفقا لطبيعة الأرض ولونها ؛ فكانت تمر عليها الطائرات الاستكشافية فلا تستطيع تمينيزها .
ومن الطرق المضلة التي جاءت بأحسن النتائج طريقة دهن اللوريات " وقطر السكك الحديدية وما إليها بخطوط معرجة من الطلاء تشبه الأمواج في شكلها ، وذلك لستر حدود الأشياء المرسومة هي عليها . وكانت السفن تخص بهذا الضرب من ضروب التعمية الحربية ، والغرض من ذلك إطاشة مقذوفات الغواصات التي قد تهاجمها في طريقها ، لا مجرد الاستتار عن الأنظار فقط
وفي البقاع التي تكثر فيها الأشجار والمزروعات تستعمل الأغصان والأوراق لستر مواقع الجنود والمدافع
والأنوار الكاشفة ، وقد ظهر في الشكل رقم ) ١ ( جندي وقد غطت الأعشاب ملابسه وقيعته وبندقيته ، بينما تراه قد ارتدي معطفا يشبه في لونه لون المحيط الذي يعيش ويناضل فيه . أعتقد أن تلك البدعة من الاستتار أخذت عن الطريقة التي تتبعها الزرافة عند ما يهاجمها عدو تخشى بأسه وتخاف بطشه . وكثيرا ما ساعدتها تلك الطريقة على الإفلات من برائن الأعداء ، فما إن تشعر الزرافة أن خطرا قد أحدق بها ، وان لا سبيل لها إلي الفرار إلا وثبت إلي جذع شجرة ذات أفرع طويلة كستها اوراق متتابعة الأشكال والألوان ، ووقفت بجانها محتبسة الأنفاس تنتظر مسيرها ؛ وهنا فقط ، وفي تلك اللحظة يظهر جليا عطف الطبيعة - تلك الأم الرؤوم - على مخلوقاتها . فإن جلد الزرافة ، وما عليه من بقع مختلفة الألوان يشبه في مجموعته جزءا من الشجرة التي تحيط بها ، فتتداخل الألوان بعضها في بعض حتي لصعب على عدو ما كر أوتي من الخبث قسطا وافرا ، أن يميز بين لون الحيوان ولون الجماد .
كذلك حالة الجندي المستتر بأغصان الآشجار ، والنشور صورته في الشكل رقم ) ١ ( ، فإن دوريات الاعداء الاستكشافية ، والطائرات المغيرة لن تتبينه مهما نقيت او دققت في البحث عنه ، لأنه يكاد يكون جزءا لا يتجزأ مما حوله . ومن طريف ما يقال في هذا الباب أن ابحاثا
كثيرة جرت في السنين العشر الأخيرة بقصد اختراع قواعد فنية تقوم على أسس علمية صحيحة لأجل إخفاء السفينة الحربية أو التجارية عن أعين الأعداء ، بحيث تبدو ذات هيئة ورسم مطموسين ؛ بل لكي تظهر وكأنها تسير في اتجاه مخالف لسيرها الحقيقي . والطريقة في ذلك هو رسم أشكال هندسية وتاريج علي جوانبها وسطحها ، فإذا ما انعكس عليها ضوء النهار أو أنوار الكشافات الليلية ، خدع بصر الأعداء وبدا لأعيتهم ونظاراتهم أن السفينة على وشك تغيير مجراها ، فيسدد الطوربيد إليها على هذا الأساس فيطبش سهمه ولا يصيب إلا الأمواج . وإذا ما دخلنا في بعض التفاصيل العلمية وتعمقنا في بعض النقط استطعنا أن نعلل كثيرا من المظاهر الآخرى التي تقوم على فكرة التعمية . فقاذفة القنابل مثلا - التي تعمل عادة في الليل - تدهن بألوان قاتمة وأصباغ حالكة لكى تضعف انكسار ضوء المصابيح الكاشفة إذ ما سلطت عليها . أما الطائرات الاستكشافية التي غالبا ما يكون عملها في وضح النهار فتكون ذات ألوان زاهية يختلط فيها لون السحب وألوان الفضاء الخ .
وإني لا أعتقد أن الدول التي تخوض غمار الحرب العالمية الآن تعتمد على الخدع والغش أكثر من اعتمادها على الذخيرة والأسلحة . فقد اضحت الحرب في هذه الآيام حرب أفكار وبدع تتطاحن فيها عقول المفكرين والمخترعين ، لا حرب انفار يفوز فيها العدد والعتاد . فإذا ما أرادت دولة نصرا حازما وجب عليها ان تناضل وتنازل عدوها بنفس سلاحه .
وهذا ما حدث في أواخر العام الماضي ، أيام كانت لندن وسائر الجزر البريطانية تحت رحمة القنابل التي كانت تلقي عليها بحساب وبغير حساب . فمن بين الملاحظات التي لاحظتها انجلترا أثناء تلك الغارات أن بعض قاذفات القنابل الألمانية كانت تصوب قنابلها على الأهداف
العسكرية من ارتفاع شاهق فلا تخطئها ، وكأن كل قنبلة تعلم مكانها بين الاهداف فتنفجر فيه وتشتت ارجاءه
والعجيب في الأمر أن قاذفة القنابل كانت من نوع جديد لم يسبق استخدامه في الحروب قبلا . فقد سقطت ذات مرة طائرة في إحدي ضواحي لندن وكانت خالية من الركاب ، ولم يلاحظ هبوط جنود منها " بالبراشوت " قبل ارتطامها بالأرض أو بعده . وقد حير هذا الأمر أولى الشأن ، وبانوا يفكرون في خطورته تفكيرا جديا ، وأخيرا استطاعوا أن يحلوا المشكلة ويتبينوا سببها ، بل واستطاعوا أن يحاربوا أعداءهم بنفس سلاحهم وأن يتفوقوا عليهم . فقد كانت ألمانيا تستخدم على الشواطئ الأوربية القريبة من الجزر البريطانية محطات لاسلكية ترسل أشعة ذات أمواج مختلفة ، وكانت الطائرة تسير في أثر أحد هذه الأشعة من تلقاء نفسها ، وعندما يتقابل شعاعان يتأثر جهاز حساس داخل الطائرة وينفتح خزان القنابل فتسقط تباعا بكل قوتها نحو الأرض . أما نقطة التقاء الشعاعين اللاسلكين فمحسوب حسابها بكل دقة ومعروفة للألمان ، وتكون فوق معسكر يراد ضربه أو خزان يراد نسفه ولما علمت انجلترا بالخبر وقتلته فحصا وبحثا ، أخذت تستعمل نفس الطريقة لإسقاط الطائرات اللاسلكية وتعميتها عن الهدف المنشود ؛ فكانت تستخدم في أنحاء أرضها محطات ذات أمواج تطابق أمواج محطات ألمانيا وتصوبها نحو الطائرة فتحار أيها تتبع وأيها تتجنب ، وأخيرا ينفتح خزانها عند تلاقي شعاعين فتسقط القنابل تباعا حيثما أرادت انجلترا ، ويكون مكان سقوطها بعيدا عن الأهداف ، وسط الحقول والمزارع . وقد نجحت فكرة التعمية وجاءت بنتائج شجعت انجلترا علي المضي في طريقها ، فجعلت شعاع رجوع الطائرة ينحرف نحو البحر ويبتعد عن القارة الأوربية حيث قواعد هبوطها ، فتسلك الطائرة طريقا غير طريقها إلي أن ينتهي وقودها أو يضعف تأثير
أمواج الأشعة ، وفي كلتا الحالتين يكون مصيرها واحدا وهو السقوط إلي أعماق البحر .
وبعد ، فإن طرق " الكاموفلاج " - كما اسلفت في أول المقال - كثيرة متشعبة ذات قوانين ثابتة بعضها عرف والآخر لا يزال تحت البحث والتمحيص .
وفي البلاد الأوربية معاهد فتحت خاصة لدرس هذا الفن وعمل الابحاث المتعلقة تحت اشراف أساتذة ذوي خبرة واسعة بفني الهندسة والطبيعة . وهذه المعاهد تقوم بواجب آخر الا وهو إحاطة كل رجل في الجيش علما بأصول الكوفلاج ، فاذا ما تخرج ضابط من احد تلك المعاهد أسرع في تعليم فصيلته ما أتقنه ، وبهذه الكيفية تعم الفائدة وترجع على وطنه المنفعة .

