الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 194الرجوع إلى "الثقافة"

من هنا وهناك :، سموم . .

Share

من ذا الذي لا يتذكر لفافتة الأولى ؟ تلك اللفافة التي أشعلها بيد مرتعشة مرتجفة ، في غفلة من الرقباء ، تحت تأثير غريزة كامنة باطنة هي ، غريزة المعرفة وحب الاستطلاع . لقد رأي الكثيرين من حوله يتسامرون ويتحادثون وبين أصابع كل منهم لفافته ، ينساب منها دخان ازرق يتناوب فوق رءوسهم على تموجات الهواء ، ويصنع هالة كثيفة تصطخب حولها الاحاديث وتتولد منها شتى الموضوعات . لقد رأي الكثيرين يستمتعون بجلسات هادئة في ليال صافية ، وقد ازدادت متعتهم عند ما اشعل كل سهم سيجارته وأخذ ينفث دخانها في سحب متتابعة . لقد سمع الكثيرين يتحدثون عن سحر السيجارة وكيف تساعد في

خلق الأفكار المنيرة في الرأس المفكر ، ثم عن عملها في تهدئة الأعصاب المضطربة في النفس الثائرة . لقد سمع بأذنه ورأي بعينه . . وها هي ذي الآن غريزة المحاكاة تشترك مع غريزة حب الاستطلاع في حثه على تقليد رفقائه والتشبه بهم . فتراه يشعل لفافته ويحتال علي الاستمتاع بلذتها . ولكنه يرى منذ النفس الأول أمورا لم يكن يتوقعها ، ولم تخطر له على بال . فها هو رأسه يدور وعينه تدمع وتمشى عما حوله . وها هي ذي الأرضتميد تحت قدميه ، في أول حاجز ليستند عليه طالبا للعون والمساعدة . وكلما تمادي في تدخين لفافته المحترقة ازدادت غشاوة عينيه وعظم دوار رأسه . . واخيرا يري ان محاولته الاولي قد بائت بالفشل وانه لا بد من تجربة ثانية في فرصة اخري تكون نتيجتها أرفق ولذتها أعظم . فإذا ما عاود الكرة بعد أمد قصير ، أحس أن الدوار الذي ألم به في المرة الأولى قد خفت حدته ، وان الغشاوة التي حجبت الأشياء

عن نظره قد تلاشت . ولكنه يشعر أن اللذة ما زالت بعيدة عن حسه وانه لا يستسيغ للفافته طعما وهكذا تجر اللفافة الأولى لفائف أخري تنتهي به إلي الإدمان .

وبعد ، فليسمح لي هذا المدمن ان اتوجه إليه بالسؤالين الاتيين : " هل كان يعلم أن من العسير عليه - بل من المستحيل - أن يرجع عما تعوده ؟ وان الصعوبة في ذلك تزداد علي مر الأيام والسنين ؟ " ثم : " هل كان يدرك منذ اللفافة الأولى الضرر الذي سينشأ عن إدمانه ؟ وهل إرادته القوية ، وعزيمته الصادقة ، تتضمنان له دوام الامتناع عن التدخين إذا شاء ؟ أم تراه لا بد عائدا إليه مهما أوتي من قوة الإرادة والعزيمة ؟ "

إن الإجابة علي هذه الأسئلة تكاد تكون متشابهة بين معتادي التدخين . فالإنسان بطبيعته معتد بنفسه ، فخور بخصاله الحميدة يكبرها ويعتمد عليها في وقت يتناسي فيه ضعفه الإنساني . فانظر إليه وهو يقول : " اني أضرب عن التدخين في أول فرصة أختارها " ، وربما اخذه الشك في مقدرته على تنفيذ أقواله فيضيف " ولكن علام الإسراع في التنفيذ وما زلت بصحة جيدة ؟ ومع ذلك فكثيرا ما سمعت أو قرأت أن أغلب المعمرين الذين جاوزوا المائة يدخنون ، بل هم من مدمني التدخين منذ حداثة سنهم فإذا كان هناك خطر على صحتهم ما عمروا أو عاشوا كل هذه السنين .

وهنا يخطر على ذاكرتي حادث فتاة انجليزية كانت لفافتها الأولى سببا في موتها ، وتفصيل الخير أن الجرائد الانجليزية نشرت في أحد أيام عام ١٩٣٧ قصة فتاة من سكان لندن كان جسمها من الضعف بحيث لم يقدر على تحمل مفعول " نيكوتين " اللفافة الأولى فقضت نحبها وما زالت السيجارة تحترق بين أصابعها .

ولم السعي وراء أخبار يشوبها الشك وكلنا يعلم قصة الدكتور فو كيه الذي كان يرفض معالجة مريض إلا بعد أن

يشفي من مرض التدخين ، زاعما أنه أساس كل مرض ومصدر كل اعتلال لا ريب انه كان محقا فيتصرفاته مع مرضاه . فالنيكوتين في خواصه لا يختلف عن المورفين الهيروين أو الحشيش ، فكل منها كرية المذاق في مبدئه ، لا لذة له ولا طعم ، ثم يصبح علي مر الأيام مقبولا ، وأخيرا ينقلب إلي لازمة لا بد منها كالطعام أو الشراب .

ولعل من الطف النوادر التي تدخل في هذا الباب نادرة الطبيب الذي قال المريض حين وجده هزيلا بسبب التدخين : " إن فيك يا صاحبي ثلاث مزايا : فلن يعضك كلب ، ولن يسرق اللص بيتك، ولن تشيب لحيتك أما الأولى فلأن التدخين سوف يضني جسمك وينهك قواك فتلتمس العصا لتتوكأ عليها ، فتتحاشاك الكلاب ! وأما الثانية فلأن اللص كلما هم بأن يتسور المنزل وجدك يقظا مشعلا لفافتك او مصطحبها تشعل فيهيب الدخول ويعود من حيث اتي ! وأما الثالثة فلانك لن تعيش حتي تشيب لحيتك

إن اللفافة علي صغر حجمها تحوي سموما تفتك بالجسد ولا يكاد يسلم من ضررها جزء من اجزائه فخلايا الاعصاب تصاب تدريجيا بشلل أو تخدير مميت يعوقها عن القيام بوظائفها . وبذلك تتجمع سموم التبغ في الألياف الحيوية حيث يعظم الضرر ويشتد الخطر ، وإذا ما حللنا التبغ إلي عناصره الاولية وجدناه يحتوي على مادة شبه قلوية تعرف بالنيكوتين ، وعلي عناصر أخري نذكر منها حامض الهيدروسياتيك له Prussic ucid والنشادر وحامض الكبريتيك والبترول ، ولا يفوتنا أن نذكر تلك الغازات التي تتولد بإحتراق ورق اللفافة وهي تحتوي علي نسبة كبيرة من غاز أول أكسيد الكربون

فانظر إلي تلك المواد والغازات مجتمعة متضافرة للتأثير على الرئة والاعصاب . فبينما نعلم أن عدد دقات القلب هو

اثنان وسبعون دقة في الدقيقة لدي الشخص السليم نري ذلك العدد يرتفع تحت تأثير التبغ إلي مائة أو مائة وخمسين دقة في بعض الأحايين . ومن البديهي أنه كلما زاد عدد دقات القلب ، ضعفت الدورة الدموية، وضعفت معها مقاومة الجسم لشتي الأمراض . ولا نبالغ في شيء إذا قلنا إن مرض السل هو نتيجة غير مباشرة للتدخين . أما عن غاز أول أكسيد الكربون فمفعوله ثابت لدي العلماء بتأثيره على كرات الدم الحمراء ووظيفتها في توزيع الأكسجين لأعضاء الجسم المختلفة . وبجانب هذا وذاك تري تأثير النيكوتين على القنوات الهضمية وتسببه في فقد الشهية للطعام ، وهزال الجسم ، وضعف القوي .

وبعد ، فإن أضرار التدخين قل أن تحصى تحت عدد والأمراض التي يتعرض لها الجسم بسبب الإدمان متعددة متشعبة . ولكن من الإنصاف ان نقول إن تركيب بنية الإنسان يختلف من شخص إلي آخر . والمرض الذي يفتك بشخص ما ، يتحمله شخص اخر فلا يؤثر عليه تأثيرا مميتا . وعلي كل ، وسواء كان التأثير مميتا أو غير مميت ، فان الجسم تضعف مقاومته للأمراض إذا ما ادمن صاحبه على التدخين .

ولا استطيع أن أختتم هذا الموضوع دون أن أذكر حادثة وقعت لي شخصيا منذ شهر مضي :

كنت اسير ذات يوم مع صديق لي في أحد شوارع القاهرة . وكان صديقى هذا مولعا بالتدخين لا تكاد اللفافة تفارق شفتيه ، وبينما نحن نتحدث اقبل علينا شاب وجيه الهيئة ، حسن الملبس نظيفة ، اعترض سيرنا قائلا : " ارجو المعذرة إذا قطعت عليكما الحديث . لقد لاحظت أني نسيت سهوا حافظة نقودي في المنزل وأستطيع أن ارجع إليه لاحضرها مشيا علي الأقدام ، فهو على مسيرة نصف ساعة من هنا . ولكني في اشد الحاجة إلي لفافة ادخنها . فلا تؤاخذاني إذا طلبت من أحد كما لفافة

عجيب جدا أمر هذا الشاب الذي سولت له نفسه وجعلته يبسط يده ويستجدي لفافة ممن لا يعرفهم ولا يعرفونة ! اتتحكم العادة في الإنسان إلي هذا الحد ؟ . حد الاستدلال والعبث بالكرامة ؟

اشترك في نشرتنا البريدية