كان قضاءً عجيبا ذلك الذي جعل اختراعا واحداً يتحكم في مصير أمم العالم فيرفع بعضها ويذل بعضها لمدة من الزمن تقرب من ربع قرن . عجيب حقا هذا القضاء الذي أوحي بشعاع ضئيل خافت في جو معتم بضباب اليأس ملىء بالعواصف والزوابع ، فأصاب عقلا نيرا وتفكيراً مرتبا سرعان ما استغله استغلالا حسنا ، فتبدد الضباب ، وانقشع الظلام ، وهدأت العواصف والزوابع ، ثم انقلب اليأس إلى رجاء ، وتحولت الهزيمة إلى انتصار . تلك صفحة لا تنسى من تاريخ الحرب الماضية تغلب فيها الحق على الباطل وانتصر العدل على الظلم .
يقول المؤرخ الانجليزي " فرود " في حديثه عن سيادة انجلترا في البحار : " جردها من أسطولها التجاري ومن الأسطول الذي يحرسه ، تتلاش امبراطوريتها ، وتتساقط مستعمراتـها كأوراق شجرة ذابلة ، وتغدو مرة اخري جزيرة لا اهمية لها في بحر الشمال " . وكان طبيعيا أن تفطن ألمانيا لهذه الحقيقة وتؤمن بـها ، فتعمل على تقطيع شرايين الأمبراطورية البريطانية بقطع مواصلاتـهــا الحيوية ؛ فاتخذت من فتك الغواصات في الحرب الماضية عمادها الأول ، وعلقت عليه معظم آمالها لاحراز نصر سريع باهر . وكادت تفلح . . لولا مساعدة أمريكا وفرنسا ، ولولا ظهور اختراع فتاك أنقذ بريطانيا في الوقت المناسب .
نعم ، إن المانيا كادت - بفضل غواصاتها - تنتصر في منتصف عام ١٩١٧ . ربما قيل إنه أمر مبالغ فيه ، وربما كذبه فريق من
المتحيزين لإنجلترا أو لحلفائها ، ولكن هناك وثائق رسمية تدعم ما أقول . وها كم الاثبات .
في اليوم السادس والعشرين من شهر أبريل ١٩١٧ أرسل الأميرال جيليكو Jellicoe (وكان في ذاك الوقت القائد الأعلى للقوات البحرية الإنجليزية ) تلغرافا لاسلكيا إلى واشنجطون يقول فيه ما نصه :
" . . ومن الواجب عليكم أن تبينوا للدوائر الأمريكية العليا مركزنا الحربي الدقيق في المحيطات . فقد ذهبت إلي قاع البحار في الأسبوع المنصرم خمس وخمسون من بواخرنا كانت تزيد حمولتها على مائة وثمانين ألف طن . إن المتوسط الشهري لخسارتنا لاينقص . بل على عكس ذلك فإنه في ازدياد دائـم . أرجو أن تضعوا المسألة الحربية نصب أعينكم وان تعيروها اهتمامكم الأول . فمركزنا الخطير يحتاج إلى مساعدة منكم سريعة فعالة . وتوجد لدينا وسائل حربية جديدة لا يمكن استخدامها قبل شهر يوليو القادم . وإلي أن يحين هذا الوقت أسعفونا بكل قوا كم . . "
وكل بلاغ يحتمل الكذب والصدق . ولكن أمراً خطيراً كهذا لا يمكن أن يكون مختلقا ، ولا يمكن أن يتطرق نحوه شئ من الشك مهما كان ضعيفا .
وهناك رسالة ثانية أهم من هذه كانت أشد وقعا لدي أمريكا وحكومتها ، وأثارت موجة من العطف الشديد نحو الانجليز . هذه الرسالة أرسلها المستر بيج Ms.page ، وكان يشغل منصب الوزير المفوض للولايات المتحدة في لندن ، وقد بعثها في اليوم التالي للرسالة اللاسلكية التي كان أرسلها جيلليكو إلى واشنجطون ، وها هي الترجمة الحرفية لرسالة بيج :
رسالة سرية جداً إلى سكرتير الدولة ورئيسها بالولايات المتحدة - أمريكا " إن نجاح الغواصات الألمانية في ازدياد مستمر ،
ويسبب في هذه البلاد قلقا شديداً . ولقد علمت من مصدر رسمي موثوق به انه فيما بين يومي ٢٢،١٥ من شهر أبريل قد أغرقت ثمان وثمانون باخرة إنجليزية وفرنسية ومحايدة ، ويربو مجموع حمولتها على ٢٣٧٠٠٥ من الأطنان ، فإذا استمرت الأحوال بـهذه الكيفية وعلى هذا المنوال إلى الخريف صارت البحار خالية تماما من بواخر الدول المتحالفة المتحاربة ، إن خسارتـهم تربو على مليون من الأطنان في الشهر الواحد ، وهي - كما ترون - خسارة فادحة . ولقد اتصلت أمس برئيس مجلس الوزراء وبباقي أعضاء الحكومة الإنجليزية فرداً فرداً ، فعلمت أن الكمية الغذائية للشعب المدني البريطاني في أنحاء الجزر لن تكفي لمدة شهرين ابتداءً من هذا التاريخ . وفي اعتقادى أن الزمن الذي نجتازه هو أحرج وأخطر زمن للحلفاء . ولا يسعني والحالة كما بينت إلا الالحاح الشديد في طلب معونة بلادنا الغنية . ونحن في انتظار ثلاثين مدمرة أو أكثر لمكافحة خطر غواصات الأعداء المتزايد . ..."
هاتان الرسالتان على ما فيهما من خطورة ورغم ما تحتويان من أسرار دولية كانتا تظهران حرج الموقف ودقته . فقد نجحت الغواصات الألمانية في منع وصول المؤن والأقوات إلي الجزر البريطانية ، فباتت في شبه مجاعة تـهدد كيانـها وتـهدم من أركانـها .
والحق يقال أن الألمان في هذا الوقت كانوا يسيطرون على الموقف في البحار ، وكانوا - كما قلت سالفا - في طريقهم إلى النصر . ولم تمض بضعة أيام على هاتين الرسالتين حتى وصلت إلي واشنجطون رسالة ثالثة من الأميرال الأمريكي وليم سمزWilliam Sowden Sims القائد الأعلى للقوات البحرية في أوربا يقول :
" تسير الحالة من سئ إلي أسوأ . فبعد أن كانت دقيقة في الأيام الماضية أضحت الآن حرجة ، ولم تعد فائدة من كتمان الحقيقة المرة : أن العدو في طريقه إلى النجاح ؛ ولا نشك
مطلقا أن الفوز سيتحول من كفتهم إلي كفتنا إذا ما أسرعتم في إرسال قوات بحرية أمريكية لمساعدتنا . أما الآن وفي الوقت الحاضر فاننا نخسر الحرب " .
إن خطابا كهذا من قائد من أعظم قواد البحرية له ولا ريب خطورته . ومن غيره كان أعلم أسرار البحرية وأدري بتطوراتـها ؟ . . وتتبعت الولايات المتحدة تلك الحرب القائمة بقلوب واجفة . فقد كانت تناصر انجلترا لا لذات القربى بينهما ، أو لاتحاد لغتهما وتـجانس ثفاقتهما ، أو لتشابه نمط الحكم فيهما فحسب ، بل تتبعتها خوفا على كيانـها وحفظاً على مستقبلها واستقلالها ، إذا قدر لألمانيا النصر ، وكتب لها الفوز .
ولما وردت تلك الرسائل الثلاث تجملي شعور عطف الحكومة نحو أصدقائها ، ونشطت الدعاية في إبراز هذا الشعور حتى عمت البلاد ، وسرعان ما تأثر به الشعب وأظهر رغبته في خوض غمار الحرب . وكادت الأمنية تتحقق لولا وقوف " وودرو ولسن " رئيس الولايات المتحدة في سبيل تحقيقها ، فحال رغم ميوله وتمنياته بين الشعب وبين الحلفاء في نضالهم ، لا لشئ سوي نفوره من الحرب وخشيته من عواقبها وصونا لأمريكا من ويلاتـها .
وتصام ولسن عن رغبات رعيته ، ولم يسمح لها بأن تشتط أثر أهوائها . وعندئذ وصلته رسالة رابعة كان مصدرها مستر سمز ، وكانت الأخيرة من هذا النوع .
قال : " لقد فرغت الآن من إصدار أمر إلي جميع بواخرنا - نظراً لظروفنا الحاضرة - بخفض سرعتها إلي الخمسين إن كميات الزيت لدينا أخذت تتناقص "
وللرسالة حاشية من جملة واحدة مختصرة في كلماتـها رهيبة في معناها : " إن ألمانيا تنتصر " . ورغم ذلك فإن ألمانيا - كما نعلم - لم تنتصر ، لأنه كان في جيش الخلفاء رجال ذوو شجاعة لاحد لها يفضلون الموت على الهزيمة والاستعباد .. .
لم تنتصر لأنه كان في الجيش جنود ذوو عزائم جبارة لا يهابون الموت في سبيل إعلاء كلمة الوطن والحق . . لم تنتصر لأن كل رجل وكل جندي كان صورة مصغرة " لجوفر " و كامبل " و دوف " .
وأخيرا انهزمت ألمانيا بجيوشها الجرارة ، لأن القضاء أوحي بفكرة عظيمة إلى أحد العلماء ، فاستغلها وأظهرها في صورة سلاح كان هو القاضي علي الغواصات ، فأرسل معظمها إلى حيث لا رجعة لها . فتطهرت البحار من بعدها ، وزالت عقبات نقل البضائع والمهمات والجنود . تلك الفكرة الغريبة ، وذلك الاختراع العجيب يتمثلان في " المركب حرف ق "Q-Boat وهو عنوان الموضوع الآتي إن شاء الله .

