الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 353الرجوع إلى "الرسالة"

من وحي الحنين، آذار. . . حدثني. . .، (مهداة إلى الأستاذ الزيات)

Share

آذار. . . يا مُطلِق الحياة من قيود الشتاء. . . وباعث النور  في أرجاء الكون. . . حدثني. . . كيف ضمعت إليك   (دمشق)   بعد هذا الفصل القاتم، وذاك الجو الغائم؛ وتلك الليالي  القريرة؟!. . . هل أزحت عنها أثقال السحاب. . . وجبت ظلام  الضباب. . . ونشرب الروح في جنباتها الحلوة. . . أم أنها لا تزال  بعدُ غارقة في صمت الشتاء، صابرة على أذى الفرّ. . . تنذرها  السماء؛ وتهددها العواصف؟!. . .

آذار!. . . أيها المنطلق هنا على حفاحي النيل. . . تستمع  إلى أنشودته الصامتة؛ وهمسه الخفيف. . حدثني عن   (بردي)   هذا النهر الوادع. . . ألا يزال ثائراً مضطرباً. . . يحمل الخوف،  وينشر الذعر، ويبث الاضطراب، ويفيض على أطرافه وجنباته  كأنما ملّ مظاهر الجور ومهازل الحياة. . . أم أنه عاد سيرته  الأولى. . . يحمل الأمان إلى النفوس، ويشع الحياة في المهج؛  وتصطفق أمواجه الفانيات وتنصت إليه أفئدة وقلوب. . . لتسمع  أغنيته الخالدة، ولحنه البارع. . . وتنتشر على ضفتيه طوائف  الناس تنعم بهذا الرحيق السلسل، وهذا الصفاء الجميل. . . وتقرأ  في صفحاته آيات المجد الذي انبثق مع   (الغساسنة)  وترعرع  في جنبات قصورهم الناعمة؛ وتكامل في عهد   (أميَّة)  وفي ظلال  سلطانهم الواسع. . . ثم غاب حيناً من الدهر. . . فبكاه هذا  النهر. . . بدموعه وعبراته. . . حتى إذا ولد من جديد في تاج      (فيصل)   وملك     (فيصل)  . . . وفتح عينيه للنور، ومدَّ ذراعيه  يريد أن يحبو. . . انتزعه الدهر؛ في ليلة سوداء كالحة، ورمى به  في صحراء اليأس المجدب. . .

آذار!. . . أيها المرح هنا في ربوع   (الأرمان) ؛ وملاعب  الجزيرة، وحدائق النيل. . . حدثني. . . هلا حملت المرح

إلى وطني الآخر. . .؟ هلا زرعت البسمات على الشفاه. . . ودفعت  الدم في العروق، وأحييت موات الأمل في القلوب. . . .؟ أم أن  القوم في شغل عنك. . . يقارعون الدهر العصيب، ويجالدون  الزمن الغادر، ويدارون الأحمق السفيه؟

آذار. . . أيها الضاحك هنا على شفاه الأزاهير الفوّاحة. . .  حدثني. . . عن أزاهير دمشق. . . هل تفتحت عنها براعهما بعد  هجعة طويلة ثقيلة. . . وهل نشطت الحياة في هاته الشجيرات الفتية  القائمة في وسط الحدائق كأنها زمرة غانيات في موكب زفاف. . .  ترقص مع خطرات النسيم، وتهتز مع أنداء الفجر، وتصفق كلما  ذهب بها الهواء هنا وهناك؟. . . وهل استفاقت هذه الجنات  الفيح يا آذار. . . فنثرت الزهر، ونشرت العطر، وطبعت على  وجه الدنيا قبلتها الضاحكة. . . كأنها تنفخ فيها روحاً من النشاط؟

والغوطة. . . هل اكتست الغوطة ذاك الثوب الزاهي يا آذار!  بعد عرى طويل. . . فنبت في أرضها العشب الأخضر. . . ريّان  نديَّاً. . . ينفح الفتوة، ويمور بالحياة، ويستقبل الشمس مع  الصباح بقطرات من الندى المبعثر. . . البراق كالماس. . . ويودعها  مع المساء وهو يقبلها كأنه يتمنى ألا تزول عنه. . . ثم يبكي فراقها  في الليل بدموعه الصافية اللألاءة؟!. . .

.  . . والزهر المتشقق على مبسم الغصن يا آذار!. . . هل رقت  أوراقه الملونة لنجوى المحبين، وآهات الشاكين، وقلوب المتيمين؟  وهل خرج الناس يشهدون هذا السحر الحلال، وهذه الروعة  الضاحكة. . . وينعمون بهذه الأجواء المعطرة، والدنيا المتأنقة،  وينشقون في هوائها الأرج والعبير، ويطوفون بها كما يطوفون  في جنات الخلد. . . ويقرءون آيات الله البارعات في الغصن المائس  والفروع المهتزة، والماء الذي يخرج به نبات مختلف ألوانه؟!

.  . . . ومواكب الزهر يا آذار!. . . هل شهدت   (دمشق)   هذا العام مواكب الزهر؟. . . وهل ضحكت هذه الدنيا الصابرة  لصروف الزمان وعبث الدهر. . . وهل صافحت عيناها من جديد. . .  هؤلاء الفتيان الذين يذهبون هنا وهناك. . . مع شعاعات الفجر  الأولى، يستقبلون الصباح، ويرتعون في الحقول، ويمرحون  في الجنان، وينتقلون. . . كالفراشات الطائرة. . . من شجرة إلى  شجرة، ومن غصن إلى غصن. . ويصفقون مع أمواه النهر،

وينتشون من هذا السحر؛ ويقضون يومهم لله ولأنفسهم. . .  ثم يعودون. . . وفي أيديهم هذه الحمالات من الورد؛ وهذه  الباقات من الزهر؛ ينشرون عبيرها في رحاب المدينة وأحيائها. . .  في صدورهم البشر، وفي وجوههم المرح؛ وعلى ألسنتهم نشيد  الوطن الغالي؟!. . .

والريف البعيد يا آذار!. . . هل انتفض من نومه العميق. . .  وهل فتح أهلوه أبواب دورهم بعد أن سدتها الثلوج، فحالت  بينهم وبين الخروج. . . فظلوا في حصار الطبيعة شهراً أو بعض  الشهر لا يغادرون هذه المدافئ المبنية في زاوية من زوايا الغرفة. . .  وهل بدءوا حياة الربيع الوادع. . . يتفقدون زرعهم الذي دفنوه  في الأرض، ووكلوه إلى الله، وانتظروا موسم حصاده؟!

وهل خرج أطفالهم يتسابقون في طرق القرية، ويتسلقون  قمم الجبل؛ ليظفروا بالثلوج المتجمدة. . . يتراشقون بها،  ويتزحلقون عليها، على طريقتهم الساذجة الأولية؟!. . .

.  . . وفتيات القرى يا آذار!. . . هل انتصبت قاماتهن؛ بعد  أن حناها الشتاء؛ في طريقهن إلى ماء القرية، يستقين منه،  وقد علتهن الجرار، ولثمت خدودهن هذه النسمات العليلة؛ وعبثت  بخمرهن؛ فحركتها ذات اليمين وذات الشمال. . . واجتمعن حول  الورد ينشدن في همس خفيف، وتمتمة ناعمة، ويتحدثن حديث  القرية وضيوفها ومواسمها وأعراسها. . .؟. . .

وحديث الجبال يا آذار!. . . هل اتشحت بوشاحها الأخضر  الزاهي؛ وهل نبتت فوق تربتها هذه الحشائش القصيرة، على

أنقاض الثلوج، وبقايا السيول. . . وهل خرجت القطعان تسرح  في شعاب هذه الجبال؛ وفي صعابها؟. . . وهل سمعت يا آذار. . .  أصوات أجراسها حين تتضيَّف الشمس إلى الغروب. . . وتنسحب  غلائلها على صفحة الأفق الوردية. . . وتتراءى صفحة السماء رائعة  جميلة. . . وتظهر الشمس كدائرة من النار الملتهبة، تغطس في بحر  الظلام فيخمد لهبها ويطفأ نورها، وتمَّحى شعاعاتها من السماء. . .  فتبكيها هذه القطعان. . . بأصوات أجراسها الحزينة؛ وتلتفت لتعود  إلى القرية. . . في جنح الليل، وستار الظلام. . . والرعاة، يا آذار. . .  هؤلاء الذي شرفهم الله، فجعل منهم الأنبياء. . . هل تسلقوا  الجبل مع قطعانهم، وحملوا مزاميرهم في أيديهم، ووقعوا عليها  نشيد الحياة الهادئة التي تتعالى عن الأرض، فلا تعرف المكر  والغل. . وتتقرب من السماء، فلا تعرف إلا الإيمان والنور  والحق. . . وهل أنصت إلى نغماتهم الحلوة يا آذار التي يرسلونها  في هذه الوحدة كأنها وحي السماء، ونغمة الكون المتسقة، فتنتقل  أصداؤها في الجبال مع خفقات الريح. . . ويلقنها الطير ليذهب  يرتلها على الناس في الوديان والحقول والبساتين. . .

.  . . حبذا يا آذار. . . حبذا لو استطعت أن تحملني على  جناحين رفيقين من نسماتك اللطاف. . . إلى مجالي الأنس،  وربوع الحياة إلى مطارح الصبا وملاعب الفتوة. . . أطفئ هذا  الحنين الذي يأكل كبدي، وأقنع هذا الشوق الذي يضطرم  في صدري. . . برشفات من بردي. . . ونسمات من   (قاسيون) حبذا يا آذار. . . حبذا. . .

(القاهرة)

اشترك في نشرتنا البريدية