الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 580 الرجوع إلى "الثقافة"

من وحي الحوادث :, عودة الشباب

Share

كانت تبتسم وتضحك وتغني وترقص ، ثم تقبله وتعاقه . وكان هو مرحا شديد المرح سعيدا كل السعادة ، وإن كان يعجب أشد العجب من نفسه ومنها . أنى له كل هذا الجمال الذي أتى بها وسباها ، وأنى له هذه القوة والفتوة ؟! وهي ! كيف عادت تظهر له الآن كل هذا الحب وهذا الإخلاص بعد طول الهجر وطول العذاب ! لقد بدأ حبهما أيام شبابه البعيد ، بل أيام طفولته الجميلة ، الجميلة برغم كل ما بها من حوادث وأحداث منها المحزن ومنها الكئيب ومنها الدامي أيضا . على أن تلك المصائب لم تكن تنصب عليه إلا في غيابها ، ولكنه لم يكن يهتم إلا بها ولا يأبه إلا لها . وكانت جميلة جدا كما هي الآن مع فارق واحد بسيط ؛ كان جمالها الأول في نظره جمالا خرافيا ليس له حدود ، ولكن فيه روعة وفيه سحر وفيه أمل ، بل آمال لا حصر لها ولا حد لها ! أما جمالها الحالي فهو جمال إنساني محدود ، ولكن فيه الروعة وفيه السحر وفيه الأمل أيضا ، أمل محدود ولكنه عظيم وجميل .

كلا . كلا . إنه لا يريد أن يفكر الآن في اماله وفيما قد

يعترضها من صعوبات ، يكفيه الآن قربها . يكفيه الآن حبها هذا الحب الذي كاد ييأس منه ، بل كاد يسخر منه بعد ما فعلت الأيام كل ما فعلت بملامحه وبنفسه وبقلبه . ولقد كاد يظن أنها هجرته إلي الأبد ، وكاد ييأس من الحياة . وأوشك أن يقتل حبيبته ويقتل نفسه ! أما الآن فوافرحتاه

وجعل يحدثها قائلا : هيا ! تعالى إلى جانبي أيتها الحبيبة . أريد أن أشعر بوجودك معي وقربك مني . أريد أن أضع يدي عليك . أريد أن أقبض عليك بيدي . تبتعدين ؛ نعم . تذكرت . أنت لا تطيقين القبض ولا الاعتقال . إذا ماذا اصنع ؟ أريد أن أحس بك بكل جوارحي . . تكلمي . . تحدثي إلي . . غني . . ارقصي ودعيني أتحدث إليك أنا أيضا وأغني وأرقص إذا استطعت .

أتذكرين أول عهدنا يوم كنت أنا طفلا ؟ لقد كنت فتاة فتية كما أنت الآن ! إن الزمن لا يغيرك يا أعز المخلوقات . لقد كنت أهتف - كما أفعل الآن - باسمك وأشيد بمحاسنك ولا أمل ، وكنت تبتسمين لي أحيانا وتعبسين

أحيانا لم كنت تعبسين أحيانا ؟ تذكرت لقد كنت تطلبين منا أن نكون في حبنا رجالا حتى لا يشمت بنا العذال أجل لقد كنا كثيرين ، وكنا نحبك كثيرا وإن كنا لا ندرى ماذا نصنع لكي ترضي عنا ، ولكننا كنا مخلصين في حبك إلي درجة التقديس ؛ فلم يكن أحدنا يغار من محبيك الآخرين ، بل كان يفرح بهم ويتقرب إليهم .

أجل يا حبيبتي لم نكن نغار عليك لأننا لم نكن نطمع في أكثر من حبك والإخلاص لك ، وكنا نعلم أن أحدا لا ينال أكثر من حبك ، وكنا نراك نعمة أنعم بها الله على عباده فيجب أن يستمتعوا بها كلهم على حد سواء . وكنا نحزن أشد الحزن ، ونجزع أعظم الجزع ، ونبكي أحر البكا ، إذا خشينا أن يعتدى عليك معتد أثيم . وكنا ندافع عنك بألسنتنا الضعيفة وأيدينا الصغيرة وقلوبنا الكبيرة

وكان أهلك - ولا زالوا - كراما ، كانوا يعظفون علينا ويرحبون بنا بل يشجعوننا علي حبك ! كانوا يعلمون أنك طاهرة وستعيشين عمرك الخالد طاهرة ، فما ضرهم لو أحبك الناس كلهم ، بل ما أحراهم أن يفرحوا عندما يرون الناس كلهم يحبونك ويتمتعون بنور جمالك ! أليسوا كراما ؟ ! والككريم يفرح بأن يعطي ويعطي من كل ما يملك ، فكيف به لو كان لا يعطي إلا العطف والحب وهما يسعدان الناس ولا يكلفانه شيئا . ولا يكلفانه شيئا ! ياللنكران ! إن الذي يبذل العطف والحب إنما يبذل خير ما يملك . إن بعض الناس لا يكتفون بأن يضنوا هم بالعطف والحب على الناس ، بل لا يطيقون أن يروا غيرهم يوزع عطفه وحبه على غيرهم ، إنهم يريدون أن يستأثروا بكل خير في هذا العالم . فكان أهلك حينئذ وما أبرهم يتحملون الأذى ويقبلون التضحية ويأبون أن ينفرد بعض الناس بالاستمتاع بعطفهم وحبهم دون الآخرين ، وكانوا يهتفون مع أبي العلاء المعري طيب الله ثراه قائلين :

فلا نزلت على ولا بأرضي

سحائب ليس تنتظم البلادا

وظللنا نشب ونحن حافظون لعهدك ، ساعون لودك ، إلا نفرا ضئيلا منا أعمتهم الأنانية الحمقاء فأرادوا أن يستخلصوك لأنفسهم ، فكانوا يتعاونون مع العذال على حبسك عنا فتهربين منهم ومنا .

لهم الله ! ماذا استفادوا ؟ إن كل ما استفادوه لا يساوي لحظة واحدة من قربك ، ولا لمحة واحدة من نور جمالك ، جمالك الذي يستطيع أن يعم الناس كلهم ، وأن يسعد الناس كلهم

ولكننا لم نكن نسكت على الضيم يا حبيبتي . كنا نظل نذكرك ونذكرك ، وكانت ذكراك تنغص عليهم عيشهم كما نغصوا علينا عيشتنا ، وكنا نظل دائبين على ذكراك والمناداة باسمك والعمل لأجلك حتى تعودي إلينا فنفرح ويحزنون ، ونضحك ويبكون ، وكم كانوا بنا وبك يسخرون .

يا حبيبتي . إنك عدت في هذه المرة أشد فتنة وأكثر جمالا ! وإن فرحنا بك هذه المرة لشديد ، وإن سرورنا لعظيم ؛ فلقد كانت غيبتك هذه المرة أطول من كل مرة سبقتها ، حتى خشينا ألا تعودي بل خشينا أن يكون حبنا لك قد فتر ، وسعينا لك قد ضعف ، بل أصبح كل منا يخشى أن يكون زميله في حبك قد أصبح من عذالك ! واحسرتاه من تلك الأيام المظلمة المرعبة الكئيبة .

يا حبيبتي . إني أشعر الآن أني عدت لعهد شبابي ، بل عهد طفولتي ، فمن كان يستطيع ان يصنع هذه المعجزة إلا أنت ! فأهلا ومرحبا بك ، وشكرا لله ثم لك .

امكثي بجانبي يا حبيبتي ، لا تبتعدي عني . . لا تخافي مني فلن أضع يدي عليك ، بل لن أوذي سمعك بكلمة نابية ، ولا بصرك بأشارة جارحة . يكفيني أن امتع ناظري بنور جمالك الباهر ، وأشنف أذني بسماع حديثك الساحر ، بل إن قربك مني يخلق الدنيا من حولي خلقا جديدا ! إن الشمس اليوم أجمل منها في كل يوم ، والأرض أراها قد لبست زخرفها وأزينت وأنبتت من كل زوج بهيج ، والجو !

الجو فيه أنغام سحرية لا عهد لي بها ، بل كان لي بها عهد ولكنها انقطعت عني فترة طويلة من الزمان حتى أنسيتها في تلك الفترة الكئيبة كان في لساني حي ، وفي أذني وقر ، وعلى بصري غشاوة ! لم أكن أتكلم إلا نفاقا ، ولم أكن أسمع إلا زورا ، ولم أكن أرى إلا نكرا ، يا الله إن السماء والأرض لم تتغيرا كثيرا منذ اليوم ولكني أنا الذي تغيرت ! كنت يائسا فأصبحت أملا ، وكنت بائسا فأصبحت سعيدا وكنت كافرا فأصبحت مؤمنا ، وكنت عبدا فأصبحت حرا أصبحت لي كرامة ! رفعت رأسي . . صرت أعلم أن لي حقوقا كما علي واجبات . في أيام هجرك لم أكن أعلم إلا أن علي واجبات ، واجبات فقط بغير حقوق ؛ كنت خائفا عليك فخفت على كل شئ حتى على الموتة الكريمة ! والآن امنت عليك فأمنت على كل شئ ورأيت كل شئ جميلا !

اقتربي مني يا حبيبتي ، دعيني أشعر بالدفء ، وبالحياة . إن أنفاسك العطرة تنعشني ، ويدك السحرية تبعث في جسدي القوة والنشوة ؛ إنك بجانبي تدفعيني دائما إلى الأمام ، إلى طريق السعادة ، أما في غيابك فكنت امشي وأتعثر ، بل واأسفاه ، كان جض الناس يدفعونني إلى الوراء ! يا للعار ! العالم كله يهرول إلى الأمام ، إلى العز والمجد والكرامة ، وأنا وحدي كنت اسير القهقري

عديني ألا تمكني بعد اليوم أعدائي وأعدائك من أن يستولوا عليك . أعدائي ! إنهم ليسوا أعدائي ، إنهم إخوتي ، ولكنهم أنانيون جدا ، يريدون أن يحجبوا أشعة الشمس فلا يعيش بها غيرهم ! يريدون أن يمنعوا نور القمر فلا يستمتع به سواهم يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم أما إن أراد أحد مشاركتهم أو جرؤ على اتهامهم بالظلم والقسوة فكانوا يقتلونه ؛ يا للهول ؛ إنهم كانوا يقتلون إخوتهم وأبناءهم ! حتى النساء والأطفال لم يسلموا من أذاهم ! أخذوا منهم عائلهم ، ومنعوا عنهم مورد رزقهم وحرموا التصدق عليهم والإحسان إليهم ! والذين فعلوا ذلك كان لهم نساء يبثون لهن وأطفال يدللونهم .

فلا أدرى كيف ظلموا نساء وأطفال آخرين كانوا في أشد الحاجة إلى كلمة طيبة ، بل إلى لقمة الخبز ! كيف طاوعت هؤلاء القوم قلوبهم على ذلك ، بل كيف كانوا يهنأون بالعيش أو بالنوم ؟ .

لا تنتحبي ياحبيبتي ولا تبكي ، فهم يقولون : إن أولئك العائلين الذين اعتقلوهم كانوا من أعدائك أيضا . نقولين وما ذنب النساء والأطفال ؟ ذنبهم ياحبيبتي أنك لم تكوني موجودة لتحميهم . ها أنت ذى تعودين فتحمين كل الناس ، تحمين حتى أعداءك السابقين فلا يؤاخذهم أحد بأكثر من كلمة العتاب ، وتأخذين بيد كل إنسان ، تأخذين بيد الجاهل الفقير ، والبائس المريض ، والطفل الشريد ، والأسرة التي أخنى عليها الدهر انظري إليهم جميعا ، إنهم ينظرون إليك فرحين مستبشرين . لقد نسوا ما هم فيه . نسوا آلامهم ومتاعبهم ، وأصبحوا يعيشون في المستقبل السعيد بإذن الله . لقد كنا قبل عودتك لا نعيش إلا بالماضي فقط ، لم نكن نستطيع أن نحيا في الحاضر ؛ كنا نهرب منه بعقولنا وقلوبنا ، فأصبحنا نقفز إلى المستقبل قفزة الأمل الحلو ، بل قفزة الثقة والاطمئنان . لقد نلنا بفضلك خير ما في الماضي والحاضر والمستقبل معا ! يا لها من آية ؛ فمن غيرك انت يستطيع هذا يا خير هبة لله في الوجود ؛

يا حبيبتي ما أجملك وما ألطفك وما أحلاك ؛ وما أحلى اسمك بين الأسماء كلها ؛ يا أجمل من الحياة وألذ من النعيم ؛ الحرية ! ما أبدع الحس ، وما ألطف الجرس . وما أجمل المعنى ؛ الحرية ؛ إن اسمك لكما قال المغفور له شوقي بك:

كما النداء أسمها حسنا وحببه

حتى كأن اسمها البشرى أو العيد ؛

بل أنت خير من ذلك يا حبيبتي ! إن البشرى والعيد لا يعيشان إلا بك ، ولا يكونان إلا حيث تكونين .

اشترك في نشرتنا البريدية