الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 449الرجوع إلى "الثقافة"

من وحي الصيف :, خطرات

Share

عدنا إلي الريف كعادتنا في صيف كل عام . وتجددت بعودتنا هذه ذكريات الأعوام السابقة ، وطافت برؤوسنا شتى الفكر التي تتصل بالحياة في ريفنا المصري العزيز . وهي ذكريات منها الحلو ، ومنها المر : أما الحلو فيتصل بطبيعة الحال بتجديد النشاط ، والاستمتاع بالهواء النقي ، والهدوء إلي النفس بعد الحياة الصاخبة في المدن وما يتبعها من إجهاد ومشقات .

وأما المر فيتصل بالفلاحين وحياتهم الرثيمة وظروفهم التعسة ، وأول ما يصدم الإنسان في الريف هو أن الجهود العظيمة التي تبذل لإصلاحه ، ونقرأ عنها كل يوم في الحرائد ، لا تكاد تحدث أثرا ملموساً تطمئن له النفس ، وينشرح له الصدر ، وتتفتح آفاق الأمل في تحسن سريع فعال .

فالجهل والفقر والمرض لا تزال كلها حية نشيطة ، تفعل فعلها بشدة وعنف . ويخيل إلي في هذا الصدد أن الجهود المبعثرة التي تبذلها كل جماعة أو هيئة في أية ناحية من النواحي المختلفة لميدان الإصلاح مستقلة عن غيرها من الجهود التي تبذلها نظائرها من الجماعات والهيئات ؟ هذه كلها لا يمكن أن تؤدي إلي نتيجة إيجابية ظاهرة الأثر ومضمونة النجاح . وسيظل الحال علي هذا المنوال ما دامت الجهود شتى ، والمجهودات كما قدمنا مبعثرة ، وذلك لسبب واحد بسيط ، هو أن هذه العلل الى تئن منها البلاد ، وتلك الأعداء الثلاثة التي تحارب المجتمع الصري متصلة ومترابطة بحيث يتفاعل كل منها مع الآخرين ، فتزداد بهذا الترابط والتضامن والتفاعل ، قوة الضنك لكل واحد من العوامل المؤذية .

ولعل من الخير أن نجرب فكرة تجهيز حملة مركزة ، تضم القائمين بمختلف نواحي الاصلاح ، حتى يتسنى لهم أن يعملوا هم أيضا كأعدائهم متكاتفين متساندين متعاونين على مقاومة جميع العلل ، والتغلب على جميع العوامل الهدامة في آن واحد ، بحيث لا تترك فرصة لأحد هذه العوامل ليقضي على جهود العاملين في المقاومة في النواحي الأخرى كما هو الحادث في الوقت الحاضر .

إذ ماذا تنفع تعاليم المدرس التي ترسم طرق الحياة النظيفة السعيدة لمن لا يجد تحت يده المال اللازم لتنفيذ تلك التعاليم ، ولمن لا يجد الوسيلة الفعالة التي تعينة على اتقاء الأمراض ، ومعالجة نفسه وأسرته مما ينتابها من العلل ؟

وماذا تجدى جهود الطبيب المعالج لدى إنسان لا يفقه قولا ، ولا يقدر نصيحة ، ومن ثم لا ينفذ تعليمات الطبيب على وجهها الصحيح بإخلاص وأمانة ، أو لدى من لا يجد الوسيلة المادية اللازمة لتنفيذ تلك التعليمات على صورة مجدية ؟

وقديما عرفنا أنه اتى على الفلاح المصري حين من الدهر ، عقب الحرب العالمية الأولى ( ١٩١٤-١٩١٨ ) كانت حالته المالية ميسرة ، ومع ذلك لم يرتفع مستوى حياته بالقدر الواجب ، وذلك بسبب جهله ، وما يؤدي إليه الجهل من سوء التصرف ، ويسبب تمكن العلل والأمراض على الرغم من تيسر الحصول على الطبيب المعالج لدي هؤلاء الميسورين الذين نشير إليهم .

ولست أنتظر بطبيعة الحال أن ترتب تلك الحملات الاصلاحية التى أشرت إليها في جميع أنحاء القطر في الحال . فالمال اللازم لها على هذا النطاق الواسع غير ميسور ، كما أن الأيدي العاملة المصرية اللازمة من المعلمين والأطباء لا تزال قليلة ، وإنما الذي يصح أن نؤمل فيه والذي يجب أن نأخذ في أسبابه ، هو تجربة هذا النوع من العلاج الحاسم

المشكلة على نطاق ضيق في منطقة محدودة . فهذا ممكن في كل وقت ، سواء من ناحية تدبير المال أو تجنيد الرجال ، وهو في الوقت نفسه طريق اكتساب الخبرة التي تؤدي إلى تخير أحسن الأساليب للقيام بالحملة الكبرى في وقتها المناسب .

وهذه الطريقة كما يعرف الكثيرون قد جربت بالفعل في كثير من البلاد الآخرى إبان نهضتها ، وكانت هي الأساس الأول الذي بنيت عليه حركة الإصلاح في روسيا السوفيتية ، ولا تزال هي الطريقة المتبعة هناك لإنجاح أي عمل من هذا النوع إنجاحا سريعا أكيدا ؛ حملة قوية مجهزة بأمهر الرجال ، وأوفر العتاد ، وخير المرغبات ، تنزل بالناحية المقصودة ، فتنقض على من فيها فتنبههم ، وما هي إلا أيام معدودة حتى يسير الكل مع التيار ، ويتغلغل الإصلاح في جميع النواحي في آن واحد ، فإذا بالأماني تتحقق بأيسر السبل في أقرب وقت . وإذا بأهل هذه الناحية المغزوة ينتقلون في أشهر معدودات من الظلمات إلي النور ، ومن الهمجية إلى المدنية ، ومن البؤس إلي السعادة .

والأمر الثاني الذي يصدم زائر الريف بعد طول البعد عنه ، هو أنه يجده كما تركه ، يجده هو هو كما كان دائما ، لا يهتز بالأعاصير ، بل يصمد للمتاعب والمأسات . والذين يتحدثون عن قيام الوعي القومي ونهوضه ، وعن خطر انخراط الفلاحين في سلك الحركات الشيوعية وأمثالها هؤلاء مغالون في تصوراتهم ، ومخطئون على ما أعتقد في فهمهم لأهل الريف عندنا .

فالفلاح إلي الآن لا رأي له بوجه عام في السياسة . وأهل الريف إنما يجارون ويقلدون ويجاملون ، فهم لا يعبأون في قرارة أنفسهم بالسياسة وبالانتخابات وبقيام الحكومات . فالفلاح لا يهمه من يجلس في الحكم ، ولا من يفاوض في قضية البلاد ، ولا من بذهب إلى

مجلس الأمن ليستعديه على الإنجليز ؛ وإنما الذي يهم الفلاح إلي أقصى حد ، وله الحق في ذلك ، هو كيف يحصل على حاجياته بسهولة ، وكيف يصل إلى تخفيض اسعار هذه الحاجيات من غير أن يؤدي ذلك إلى نقص إيراده أو المساس بأجره اليومي العادي .

وليس هذا بدءا من الامر . فالسياسة ميدان صعب يحتاج لعقل راجح ، وفكر ثاقب ، ونضح اجتماعي كبير . والأمم التي سبقتنا بمراحل ، لم يفقه العامة فيها اساليب السياسة على وجهها الصحيح إلا قليلا جداً وحديثاً جداً . وذلك حين أخذت هذه الأساليب السياسية ترتبط برغيف العيش ، وتجذب العمال ومن في طبقتهم بمعسول الكلام ، الذي يمنيهم بالسعة والهناءة والمساواة بين جميع الطبقات ، وغير ذلك من حلو الآماني التي يلوح بها للعامة هناك ، لترضى عن هذه الحركة أو تلك .

فإذا كان هذا هو الحال في الأمم التي سبقتنا في التربية والتعليم ، وفي التغلب على المرض والفقر إلى حد كبير ، فكيف بنا هنا بمصر ، ونحن لا نزال نئن تحت عبء ثقيل ، ونتحسس خطانا إلى محاربة تلك الإعداء العاتية ، ولما نتبين بعد طريق الانتصار عليها في تلك الحرب الضروس التي نريد أن نشنها عليها .

أظن أن القارئ العزيز يوافقني على أنه أحري بهؤلاء الذين يضيعون الكثير من وقتهم الثمين ووقت الفلاح في محاولة غمسه في السياسة أن ينشطوا إلى الميدان الاجتماعي لعلهم يجدون فائدة ترجي من الانعمال به فيه .

ولعل الجهود العظيمة التي تبذل في السياسة إذا بذل جزء يسير منها في تجهيز الحملات الإصلاحية التي أشرنا إليها من قبل تكون أكثر ثمرة وأهم فائدة .

هذا بعض ما يصدم الإنسان في الريف ، ويتصل بالذكريات المؤلمة ، نقتصر عليه في هذه المرة . ولعل لنا عودة إلى هذا الموضوع في فرصة اخرى قريبة إن شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية