الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 210الرجوع إلى "الثقافة"

من يوميات محام قد تنشر :

Share

) هدية متواضعة خجلة إلى الأستاذين - ج ، ح  و ككرو،

المعادي في ظهر الجمعة ٥|٤|١٩٤٠

قدمت " المعادي ، تستجم ، ولكنك تابطت مذكراتك أي استجمام ؟ ومع ذلك فإنك لو تركتها ما كنت إلا مخادعا

ليست العبرة بهذه الأوراق التي تبثها لو اعجك وتفرج في معارجها طبق نفسك ، إنما العبرة بهذه النفس ، فإن استطعت أن تخلفها وراءك فلا ضير أن تخلف معها مذكراتك ؟

إنها خواطر مخزونة كثيرة ، وإن قديمها ليتجدد على الدوام ؛ إنه التناسخ المعنوي في نفسك ؛ إنك تمه

ولكن خواطرك تحيا ، وستحيا وتستحني ، بل لهذا الشقي أو هؤلاء الأشقياء الذين سينسخون منك وتناسخ فيهم بعد عمر تعس قصير

النيل جميل ، الشجر بديع ، المشرب شعري رائع ، الإهرام تبدو من هنا في عظمة الجد الحادب العطوف ، وهي حين تراها عن كثب تظهر قاسية متجهة متجردة من الحياة ، مبرمه بالأحياء

ولكن نفسك هي النقطة السوداء وسط هذه النصاعة كلها .

إنك كنت ملهما يوم أعجبت ب لصوص شطر ، إن نجوي " شارل فون مور خليقة بك الآن

حين كنت صبيا كانت رغبتي العزيزة أن أعيش كالشمس ثم اموت مثلها ، وكانت رغبة طفل . . لقد أتى على حين ما كان ليغمض فيه جفني إن أنا نسيت صلاة الماء أجل ، يا أصدقائي ، إن هذه الدنيا لبديعة

للغاية ، وإن هذه الأرض لبهيجة كل البهجه  وإنى. لقبح كل القبح في هذه الدنيا المليحة ، إنني شيطان يسمي فوق هذه الأرض المرحة .

طهارتي ! أعيدوا الي طهارتي ! . إن كل كائن حى قد ولي يمرح في أشعة الشمس الوهاجة ، فلماذا يقضي علي وحدي بأن استنشق لفحات الجحيم خلال افراح النعيم ؟ إن كل شئ سعيد ، إن كل شئ قد أدمجه روج السلام في حب أخوي ! إن العالم كله أسرة واحدة لها أب واحد في السماء . ولكنه ليس أبى  أنا وحدي طريد العدالة  أنا وحدي منبوذ من صفوف المباركين ؟ إن اسم الطفل الحلو لا يصلح لى  لقد حرمت إلي الأبد نظرة حبيبتى الروحية ، وحرمت إلي الآبد عناق الصديق ، وأصبحت محوطا بالقتلة ، يكتنفي فحيح الأساود ، وتشدني إلي الرذيلة قيود من حديد ، متعثرا في طريقها المؤدي إلي حفرة البوار إنني (ابادون) ملك المحاربة أهوى بين الورود المزهره في دنيا السرور ا . هـ

أنزهر ؟ لقد سئمت هذه المذكرات زهوك أتشكو ؟ فقد زهدت هذه الأوراق شكواك

أظهر فذالك المنظر المضحك الذي يدعو إلي الإشفاق ، ذلك الزنجي قد ألبسوه أحمر الرداء

ولكن الطبيعة جميلة ، إن الطبيعة قد تعودت أن تقهر ولا تقهر ، وإن نفسك الصغيرة ليست هي التي تسجل الاستثناء من هذه القاعده

إن النسيم رخو ، وإن النخيل مخلوق سمح النفس مرسل السجية ، منطلق الظاهر والباطن ، عطوف يتناول العطف ، في ميله وتدانيه حلاوة الود ، وفي تهامسه صفاء الحديث ، وفي تلاصقه جمال التعاون ،

كانت لك في طفولتك نخلة ينسبها أبوك إليك ، كانت طويلة القامة منسرحة العود ، وكنت إذ ذاك طويل القامة

منسرح العود ؛ كنت تسمع حديث الأم تتملي ولدها المنصرف إلي مدرسته ، وتهمس كأنما تخاطب نفسها وتشكر ربها : " ما أجمل عوده ، إنه سارح كالنخيل )

في عقلك الباطن قد استقر حب النخيل ، وفي عملك الباطن قد اقترن انطلاق البدن بانطلاق السريرة ، وفي إعجابك كان لقامة البطل شأن ملحوظ .

أحببت نفسك قديما يوم كانت جديرة بالحب ، كنت تعطيها وتعطيك ، كنت تعمل فتلقي الجزاء فوق ما تستحق كنت تري النجاح يخايلك ، وتري نخلتك آخذة في التصعيد منطلقة في الفضاء ، - أفتجيب إذن أن تنقلب على نفسك وقد انقلبت عليك ؟ افتجيب إذن أن تبادلها بغضا ببغض وازدراء بازدراء ؟ أفعجيب إذن أن تتنكر لهذا الترهل ، ان تنفر من هذا التضخم ؟ ان تنعي هذه النخلة التي ماتت ولكن الزارع تركها على الحافة تحمل أوراقا جافة سوداء لا تموت فيها ولا تحيا ؟

آن ، قد آن ! فإما غراب جريج كبير عليه أن يرتقب الإجهاز والنعش ، وإما شئ من هذا الطائر الخالد الذي إنما يموت لينشر من حطامه ورماده ، ويفنى ليخلد من جديد ؟

ولكن المحاماه ليست هذا الشعر الغث المشوه ، فما هذا الإسراف في التخليط ؟ إنك قد حملت معك يوميات محام لا جراب شاعري سقيم

ولكن قليلا من التنقيب يكشف سرك . إنك لتقف الحائر بين الشهوة والمبدأ الحائر بين الرغبة الجامحة في مسايرة الحياة وبين القوة التي تربطك بآراء وتعاليم قاسية تجذبك عن النجاح في الحياة . إنك آسف على ماضيك ، برم يحاضرك ، مؤمل في مستقبلك ، بائس من مستقبلك ، فيك الجرأة وفيك الجبن ، فيك الريف وفيك

الحضر ، فيك النخلة الحلوة المنطلقة والجزوعة المرة المعقدة المتدلية )

إنك بهذا الحديث ترمز إلي ما اختزن صدرك وضاقت به حتى مذكراتك .

إنك تريد ، فيما تريد ، أن تشير إلي ما كان من قدوم بعض الناس عليك ، منذ أيام قصار ، يقولون إن لهم في بنك التسليف العقاري شأنا وإنهم يريدون أن تصحبهم إلي البنك من أجله ! . إنك قد فهمت فصارحتهم أنك محام لا يعمل إلا عمل المحاماة ، فإن كانوا يلتمسون فيك غير المحامي فليريحوا أنفسهم ولينصرفوا لسواك ! . . كانوا يحسبون قولك طريقة من طرق الترغيب والإغلاء ، فكرروا وأعادوا ، وزعموا أن الأمر قد سوي بينهم وبين البنك فعلا ، فلا سعي ولا إقناع ، وإنما هي رغبة في الاطمئنان بوجود محام حين يكتب العقد ويسجل الاتفاق ! . . كنت تفهمهم فقلت لهم : أعطوني رقم ملفكم ، فإذا كان الصباح فأستفسر لأقف من الأمر على جليته ، وأعرف مدي الصدق في حديثكم ، وأعرف هل في الأمر ما يعمله محام كمحام ؛ فقالوا : نذهب معا ، قلت : كلا ، قالوا وهم يضمون أيديهم علي جيوبهم : ألا يلزم شيء الآن ؟ قلت : أتعاب ؟ قالوا نعم ؛ قلت : كلا لأني لم أقبل بعد أن أصنع شيئا ؛ قالوا : إذن نزورك في مساء الغد لنعرف رأيك ؛ قلت نعم بعد أن أكون قد خبرت الأمر ! وانصرفوا ، وكان الصباح فلم تحملني قدماي إلي البنك ، لمجرد الاستفسار ! قاومت في نفسي شهوتها إلي العمل ، والي المال ، وإلي النجاح ، وكنت أفكر في خروجة موقفي حين يزورني القوم في المساء ، فلا استطيع أن أكذب ولا استطيع أن أفسر عدولي عن إنجاز ما وعدت . ولكن القوم كانوا أحصف مما ظننت ، وأعرف بغايتهم مما قدرت . . إنهم لم يحضروا في موعدهم ؛ فإن

الحنابلة قد يكونون قلائل في هذا البلد ، ولكنك لست المحامي الوحيد فيه

إنك لتغلق في وجه نفسك الأبواب التي تفتح لك بغير سعيك ومع ذلك فأنت تشكو . هذا ابن آدم الذي إن يبلع الرزق فاه ولى قفاه

ولكن أي رزق ؟ أي طعام تزدرده غير مطمئن إلي مصدره ؟ إننا لا نطعم الخضراوات إلا وقد استوقفنا من نقائها وقتلنا جراثيمها بالماء المغلي والخل ، وبهذا السائل الآحمر الذي يسمي البرمنجانات ، فكيف نأكل من

طعام نشتبه في نقاوة مصدره ونرتاب في طهارة ثمنه

ومع ذلك فإنك لا تسلم من الإتهام ، وأقسم إن قوما ليقولون : مكره لا بطل ، وقصر ذيل لا ترفع نفس ، وإن قوما آخرين ليخطون خطوة اوسع فيسمعون من المغرضين المزورين اتهامك بالتلاعب من أجل مال قليل حقير .

أي جمال يحتمل هذا القبح ؟ أي قضاء لا تضيق فيه هذه النفس ؟ أي طبيعة تتسق وهذا الطبع ؟

مسكين

اشترك في نشرتنا البريدية