القاهرة فى ١٩٤٦/٩/١٩ لص بالليل وقاضٍ بالنهار .
ها هى ذى الشخصية المزدوجة تطالعنا من جديد فى حادث مثير بعد أن طالعتنا فى رواية ستيـﭭنسون الشهيرة التى أسماها ₍₍ دكتور جيكل ومستر هايد ₎₎ .
ولسنا هنا أمام رواية ولكنا أمام قضية تروى تفصيلاتها صحيفة البروجريه فى عدد اليوم والعهدة على الراوية .
إن وليم هيرتز فتى أمريكى فى السابعة عشرة من عمره يطلب العلم فى جامعة شيكاغو ، وهو فى النهار مثال الطالٮ كما ينبغى أن يكون : جاد فى تحصيل دروسه هادىء وديع لا يستقبل النوم قبل أن يؤدى صلواته فى حرقة وتهجّد، ومع ذلك فإن هذا الطالب المثالى قد حل فى بدنه منذ أدرك الثالثة عشرة - كما يقول - شخص يدعى ₍₍ جورج مورمان ₎₎ ، فكان المظهر الأول لهذا الحلول أن ضبط وليم على باب منزل يحمل فى يده مسدساً واعترف بأن هذا الشخص الذى حل فى بدنه قد اقترف أحد عشرة سرقة وأردف اعترافه " بقوله : ₍₍ إنه جورج مورمان ، إن مورمان نوع قذر
وإنى أدفع دائما ثمن جرائمه ₎₎ ، فلما أدخل معاهد الإصلاح اعترف بارتكاب ذلك الشخص خمس جرائم أخرى . وبدا المعهد بعد حين أن ضيفه قد استصلح فأطلقه لكن ليعود إليه مرة ثانية ثم ليسرحه المعهد بعد لأى ، فيلتحق بالجامعة فتشهده بياض النهار الجامعى المثالى الذى وصفنا حتى إذا تخطفه الليل انقلب مجرما فتاكا يعيث فى الشوارع سرقة وتقتيلا ريثما يبزغ نور الصبح فيعود سيرته الأولى طالب الجامعة الجاد الوديع الودود !
وحدث أن قتلت طفلة فى السادسة تدعى ₍₍ سوزان دجنان ₎₎ وحارت الشرطة فى الاهتداء إلى قاتلها ، إلى أن ضبط هنرى ذات ليلة محاولاً السرقة وبدا لرجال المباحث بعد أن اعتقلوه ان يضاعوا بصمات أصابعه على بصمات وجدت على ورقة قريبة من الطفلة ، فتطابقت هذه وتلك ، ولكن المتهم أنكر وأقام على الإنكار فحقنوه بمحلول ₍₍ الصيديوم بنتونال ₎₎ الذى اشتهر باسم ₍₍ العقار الحامل على الاعتراف ₎₎ ، وفقد نصف وعيه . فسألوه :
- أأنت قتلت سوزان ديجنان ؟ - كلا ، إنه جورج . - أى جورج ؟ - لقد خرج جورج للسرقة ورأى سلما مستندا إلى حائط فهبط عليه ودخل إلى الرحبة .
- أية رحبة ؟ - الرحبة التى قتلت الطفلة فيها ؛ لقد كانت ما تزال نائمة وقد خنقها ﭽورج .
- ثم ماذا ؟ - ثم مزقها إرباً وجعل كل إربة فى مكان
ووُجه هنرى فيما بعد بهذا الاعتراف فاستضحك
وقال : لابد أنه ﭽورﭺ الذى كان يتكلم ، أما أنا فلا علم لى بهذه القتلات ₎₎
وتحقق النائب أن لقتل الطفلة سوزان صلة بمقتل أرمل فى شيكاغو تسمى ₍₍ جوزفين روس ₎₎ وفتاة تسمى فرانسز براون رأوا على حائط منزلها هذه العبارة مكتوبة بقلم من أقلام أحمر الشفاه : ₍₍ بحق السماء اعتقلونى قبل أن أرتكب قتلا جديدا فإنى لا استطيع أن أقاوم رغبة القتل ₎₎ ..
ولكن النائب ₍₍ وليام نومى ₎₎ قدر أن مثل هذا الاعتراف وهو ثمرة الحقن بمخدر لن يقنع القضاة ولا المحلفين فاتجه إلى الحصول على اعتراف طبيعى . وواصل استدعاء المتهم واستجوابه طيلة شهرين دون أن يظفر ببغيته حتى أوجس أن يظن به تعذيب المتهم فكان يأمر بتجريده من ثيابه عقب كل استجواب ليثبت خلو بدنه من أى أثر لأى تعذيب .
ولم يجد النائب إلا أن يستدعى محامى المتهم ويقسم له بشرفه إن النيابة لن تطلب رأسه إن هو اعترف . فتدخل الأبوان التمسان وأثرا على ولدهما حتى أخذ فى اعتراف طويل استغرق أربع عشرة ساعة روى فيها كيف قتل سوزان وكيف ارتكب وحيدا جريمتى قتل أخريين ومائة سرقة ، فضلا عن جرائم أخرى شرع في ارتكابها وخاب فعله لسبب خارج عن إرادته . ولما انتهى من اعترافاته نقل إلى غرفته بالسجن فأدى صلواته كدأبه واستسلم لنوم هادئ .
وكانت المحاكمة فتمسك الدفاع بأن المتهم هنرى غير مسئول عن جرائم الشخصية الأخرى التى اقتحمت عليه كيانه . ـك الدفاع بحالة ازدواج الشخصية سبباً للإباحة أو مانعاً موانع العقاب ، وأبى القاضى كما أبى المحلفون إقرار هذا الدفاع ، ولكنهم با كتفائهم بعقوبة السجن المؤبد قد كفلوا الاحترام للاتفاق الذى تم بين المحاماة والاتهام .
نقرأ هذه التفاصيل فلا تثير فى أنفسنا قضية الشخصية المزدوجة ومدى المسئولية الجنائية بشأنها فقط ، ولكنها تثير أموراً أخرى فلا نستطيع أن نتجنب هذه الأسئلة :
كيف أمكن أن يلتحق هنرى الصغير بجامعة شيكاغو بعد أن ثبت ارتكابه لجرائم السرقة وأدخل بالفعل معهد الإصلاح مرتين وأدلى فيه باعترافات عن جرائمه الماضية ؟
وهل يقر فن التحقيق القضائى السليم حقن المتهم بمخدر الاعتراف ليعترف ؟ .
وإذا اعترف أيكون هذا الاعتراف دليلا قضائيا كافيا ؟ وهل يؤدى المحامون واجبهم خير أداء حين يدخلون مع النيابة فى مثل هذه المساومة ويعقدون معها هذا الاتفاق ثم ينفذونه من جانبهم بالتأثير على ذوى المتهم ليحملوه على الاعتراف ؟ ..
ثم أ كنا ننتقد القضاة والمحلفين لو هم أهملوا هذه المعاهدة ورأوا أن حالة المتهم تستدعى عقوبة الاستئصال فقضوا عليه بالموت ؟
أما المسألة الأولى فلا نتردد فى جوابها ، وليس الجواب إلا إنكاراً لما كان ودهشةً من وقوعه ؛ ولو تمّ مثله فى مصر لصرخنا بل لصرخ الأمريكيون قائلين إنها فضيحة إدارية وقضائية وتهذيبية لا تقع إلا من متوحشين أفريقيين سود كالمصريين غير بيض كالأمريكيين !
وأما الحقن بالمخدر الحامل على الاعتراف فمسألة قد يتعارض فيها رأى الأمن العام مع رأى القانون؛إن الأول يصيح طالباً الاهتداء إلى المجرم الخطر بأى ثمن ، وإنه ليستستطيع الاعتذار بأن هذا المخدر لن يكون إلا خادماً للحقيقة فإنه لا يحمل المتهم على الاعتراف الكاذب بل يحمله على قول الحق وهو طلبة الجميع وفى خدمته يجند القانون ورجال القانون ، وشتان ما بين الوصول إلى الاعتراف بالضغط أو الإ كراه البدنى والأدبى ، والوصول إليه بحقنة كأية حقنة يتناولها أى مريض . وأما رجال القانون فإنهم
سيترددون طويلا لينتهوا ₍₍ فى أكبر الظن ₎₎ بعد التردد إلى الرفض . لقد صاح بعض المتهمين فى قضية مقتل الرحوم أمين عثمان باشا ، صاحوا أمام قاضى الإحالة يتظلمون من التحقيق ويعزون إلى المحققين أنهم هددوهم بحقنهم بهذا المخدر . . . مجرد تهديد إذا لم ينفذ ، ومجرد قول بمجرد تهديد ؛ وإني لأذ كر ، والشىء بالشىء يذ كر ، أن محكمة جنايات القاهرة قضت بأنه ليس من المحرم على رجال الضبطية القضائية استراق السمع فى المحادثات الخصوصية التى تحصل بين أشخاص مشتبه فى أنهم ارتكبوا جريمة ، ولكن هل يستوى الأمران ؟ لا أظن ؛ وقد أمكن الدفاع عن حكم محكمة الجنايات بأن القانون أجاز ضبط الخطابات بإذن من القاضى فلا مانع من قياس المخاطبات الشفوية على المخاطبات الكتابية . فهل في القانون نص نستطيع أن نولده تبريراً لتحقن بمخدر الاعتراف ؟ .
ونعود إلى هنرى . . . لقد قدّر النائب أن القضاة والمحلفين لا بد مهدرون اعترافاً تولد عن حقنة المحلول . . ولكن الدليل الجنائى هو دليل إقناعى وجدانى ، فكيف نملك منع القاضى وهو يكون عقيدته من التأثر بهذا الاعتراف دون أن ينص عليه فى حكمه ، بل كيف يملك القاضى نفسه أن يتحامى هذا التأثر شاعرا أو غير شاعر ؟
وأخيرا نقف أمام هذا الدور الذى لعبه المحامون . لقد تحّيروا بداهة فلابد من أن نتحير فى الحكم على موقفهم ؟ لقد كانوا أمام صفقة أو أمام مضاربة ولعلهم قدروا أن القضاء قد يقتنع باعتراف المخدر ويكمله ببقية القرائن والأدلة ومنها جرائم المتهم الأولى ومنها بصمات الأصابع ، لعلهم قدروا هذا فرأوا الدخول فى هذه المساومة وا كتساب هذا الوعد من النيابة محتفظين بحقهم فى الإدلاء بدفاعهم
الأساسى على قاعدة انتفاء المسئولية أصلاً لأن ازدواج الشخصية عارض كالجنون المطبق تنتفى به المسئولية عن العقل .
بقى سؤالنا الأخير . . إن وعد النيابة شىء والتزام القضاء بتنفيذه شىء آخر . . فهل فى قانون شيكاغو مايقيد القضاء بطلبات النيابة ؟ لنفرض أن هذا التقييد غير موجود أ كنا نلوم القضاة لو أهملوا الوعد ونطقوا بالإعدام ؟ إن اصحاب القانون لا يستطيعون أن يوجهوا مثل هذا اللوم بل إنهم لينقلبون به على النيابة التى باعت ما لا تملك ، ولكن الذين يراعون السياسة الجنائية وجانب الأمن قد يرون رأياً آخر ، قد يقولون إن حسن السياسة يقضى بتشجيع مثل هذا الاعتراف . . .
مازلت أحس أن فى التلخيص الذى قرأته للوقائع بعض ثغرات . . وقد كنت أود أن أعرف هل فحص الأطباء وعلماء النفس هذا المتهم فانتهوا إلى التثبت من إصابته بازدواج الشخصية ، أو ا كتفى فى تقريرها بالسلوك المزدوج وبأقوال المتهم لا سيما التى أدلى بها تحت تأثير المخدر ونسب فيها القتل إلى ﭽورج وتبرأ منه ؟ و كنت أود أن أعرف هل تناولت المحكمة فى أسبابها مشكلة الشخصية المزدوجة وحكم القانون فيها ؟
ولكنا مهما نعرف فلن نعرف . . . إنها النفس البشرية . . إنها المنطقة المجهولة . . إنها الأقطار المظلمة التى ما تزال فى انتظار ₍₍ كولمب ₎₎ بعـ ₍₍ كولمب ₎₎ . .
ما تزال فى انتظاره ! بل ما تزال فى التوجس منه وتضليله ! .

