الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1021 الرجوع إلى "الرسالة"

مهرجان الحرية

Share

تحتشد مصر اليوم فى عاصمتها القاهرة لتحتفل بذكرى يوم الحرية بعد نصف عام ! ويوم الحرية أو يوم 23يوليو سنة ١٩٥٢ هو يوم مصر الأوحد فى تاريخها العريق فى العبودية, العميق فى الأوتقراطية, منذ أن رفع (مينا) إلى العرش, إلى أن خلع (فاروق) من الملك

كان الشعب المصرى طيلة هذه القرون الأثنين والأربعين التي مرت على وجوده فى هذه الأرض , أشبه بقطيع من السوائم , لا إرادة له فى نفسه , ولا قيادة له من جنسه ؛ وإنما كان يتولى قياده رعاة طغاة , سموا أنفسهم آلهة أو ملوكا أو ولاة , سخروه ليظلموه , واستغلوه ليحرموه . ولم تعصمه هداية الدين من عبث خليفة كالحاكم , ولا مدنية العلم من فجور ملك كفاروق ؛ حتى اجتمع على إذلاله واستغلاله فى عهده الأخير , مالم يجتمع عليه فى دهره الطويل , من سلطان العواهر من نساء البلاط , و طغيان الفجار من رجال الحكم ، وبغى المترفين والمسرفين من الأمراء والإقطاعيين رواد الخنا وعباد المنكر ، فمصفت النخوة

فى رءوس الأحرار من قادة الجيش , فهبوا هبوب العاصفة الخيرة المدركة : صواعقها الماحقة للقصور الطافحة بالرذيلة , وللكراسي الغائصة فى الوحل ؛ورياحها العاتية للجذوع التي نخرها السوس , وللفروع التى أذواها الخريف ؛ ووعودها القاصفة للآذان التى أصمها الهوى , وللبصائر التى أعماها المال ؛ ويروقها الوامضة للقلوب التي أظلمت من اليأس , وللنفوس التي زاغت عن الطريق ؛ وأمطارها المحيية للثرى الذى جف فلا ينبت , وللشجر الذي ذوى فلا يثمر

وهكذا عاشت مصر فى خير هذه العاصفة العمرة المصلحة ستة أشهر اندفعت فيها إلى الأمام اندفاع القوة المضغوطة المكظومة : تنفجر انفجار البارود فتمحق , وتنطلق انطلاق السهم فتلحق !

فإذا احتشدت مصر كلها بطبقاتها وطوائفها لهذا المهرجان فإنما تحتشد لتحتفل بتحررها من رق أعرق في القدم حتى  طمس في نفوسها معاً في الحرية والعزة والاستقلال والكرامة !

وشتان بين هذا المهرجان ومهرجانين أقيما من قبل : مهرجان يوم تزوج المخلوع بإرادة شعبه , ومهرجان يوم تزوج بإرادة قلبه . كان هذان المهرجانان من صنع السيادة والقوة , أنفقت فيهما مئات الألوف من أموال الأمة لتغرق القصور الملكية فى القصف واللذة , وتمتلي الخرائن الملكية بالذهب والماس ! وافترست الحكومة ( الملكية ) هذه الفرصة لتنحنى امام الطاغوت انحناءة العبودية حتى يمس أنفها الأرض , فحشدت الشعب فى شوارع العاصمة ليهتف وهو جائع , ويرقص وهو عريان ؛ وتركته يهيم فى الطرق والميادين هيام القطط الجياع والكلاب الضالة ؛ لا يجد نفسه فرحة المعرسين ولا متعة المدعوين ولا بهجة العرس !

أما هذا المهرجان فمن صنع الطبيعة والأمة . أقامه الخارجون من ظلام الظلم ، والناجون من أثار الرق , كما تقيم الطبيعة مهرجان الربيع لخروجها من ظلام الشتاء ونجاتها من همود الأرض . فكما يورق الشجر ويزهر ,

وينضر الزهر ويفوح , وتمرح الطير وتهزج , ترى الشعب من ذات نفسه يبتهج ويفرح , ولإطراب نفسه يغنى ويرقص , ولإطراء نفسه ينشد ويهتف !

ذلك لأنه بات ذات ليلة ثم أصبح فإذا هو صاحب العرش وصاحب الجيش وصاحب الحكم وصاحب الثروة ! نام وهو لاشى , ثم استيقظ وهو كل شىء  ! لقد استطاع فى هذه اللحظة القصيرة من عمره الأطول أن يضع هذا النير الثقيل عن كاهله الواهن بعد أن مكن له الرق المزمن بين اللحم والعظم والعصب !

كان قد ألف نير العبودية كما يألف الثور الذلول نير المحرات فلم يفكر فى الانعتاق منه؛ إلا مرة واحدة حاول أن يفلت فيها من قيده فعجز , كان هذا النير فرعاً غليظاً من هذه الشجرة الملعونة درّعه الإنجليز بالحديد والذهب , فشق على عرابى الثأثر الأول أن يحطمه, ثم عظم وضخم بفضل الأفظاظ الغلاظ من أولي الأمر فى عهد الخليع الرقيع , حتى رزحت الكواهل وخرت الأعناق , وحسب الناس حتى المتفائلون أن الليل سرمد , وأن الرق خلود , فقروا على الضيم واستكانوا للهٌون . وكادت مصر كلها تسقط بسقوط فاروق ومن على دين فاروق لولا أن نبه الله للخطر رهطا اصطفاهم من رجال القيادة , فنفخوا فى الصور فنهض الجيش وانبعثت الموتى . وقاد الشعب محمد نجيب وأصحابه فى معركة التحرير والتطهير , فحرروا الأمة من النير الباهظ , وطهروا الوطن من الفساد الشامل ؛ وعمدوا إلى . أوكار الأفاعى وأجحار الذئاب فقوضوها على الأذى والجريمة ثم فتحوا أبواب الرزق المحتكر أو المغتصب فتدفق على أهله المحرومين منه المكدودين فيه . ثم لخصوا دين الله فى ثلاثة أٌمروا بها , وهى العدل والإحسان والمؤاخاة ؛ وثلاثة نهوا عنها , وهى الفحشاء والمنكر والبغي , وثلاثة عملوا لها ، وهى الاتحاد والنظام والعمل ؛ ثم جعلوها كلها مبادئ ( لهيئة التحرير ) التى أعلنوا ميلادها اليوم فى

مهرجان الحرية و ( ميدان التحرير )! فمن حق الشعب إذن أن يقيم هذا المهرجان العظيم مزهوا بجهاده , فخورا بقواده , معبرا بهتافه المرتفع , وتصفيقه المدوى , وحماسه المتقد , وسروره الدافق , عن اطمئنانه الواثق إلى حاضره المستقر , وعن أمله الفسيح فى مستقبله المشرق

اشترك في نشرتنا البريدية