الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 620الرجوع إلى "الثقافة"

مهزلة قيصر وكليوبترا, نقد وتحليل, مهزلة قيصر وكليوباترا

Share

لا شك أن هذا الفيلم سقط ، أسقطه برنارد شو نفسه ؛ فلقد استحوذت على القصصي الكبير شهوة الدراما فكتب قصة شائقة مسلية ؛ علي أنها من الناحية العلمية أعني التاريخية هباء ، فإنها تشوه أحداث التاريخ تشويها مزريا . ولا ريب أن المؤلف جعل رائده في كتابة القصة فن القصة ذاته . دون ما نظر في دقائق التاريخ التي ينبغي أن يكون لها الاعتبار الأول في هذه الحالة ، إذ أنها تتناول شخصيات تاريخية لها صفاتها الخاصة ونوازعها ، وأحداثا تاريخية أيضا لها ملامحها ولها أشكالها ومميزاتها . ولا ريب أن المخرج قد هدف إلي أن يجعل الفيلم صورة طبق الأصل مما كتب برنارد شو ، فجاء الأصل المكتوب والصورة المتحركة كامرأة دميمة قد رأت خيالها في المرأة . وسنعرض هنا لأحداث هذا الفيلم بشيء من الإيحاز فنقول : أولا : نري يوليوس قيصر وهو يناجي أبا الهول على حافة الصحراء ، وتري فتاة تخرج إليه من بطن التمثال فيؤخذ القيصر قليلا للمفاجأة ، ويدور بين البطلين حوار يجري فيه ذكر الرومان ، فتنصح كليوباترا قيصر بالاختفاء خشية أن يأكله الرومان ، حتى إذا صارحها بأنه هو روماني يأخذها الدهش، لأن تعلم أن الرومان أناس مثلنا ، وتعلن إليه أنها سمعت بعض الناس يذكرهم بأن لهم انوفا كخراطيم الأقبال ، وما إلى ذلك من الصفات التي تسلك الرومان في زمرة العجماوات لا في جماعة الجنس الإنساني . فكيف تتوقع مثل هذا الظن من " ملكة " عكف على تثقيفها وتعليمها خيرة المعلمين في ذلك العصر من فلاسفة اليونان وغيرهم ، مهما تكن تلك الملكة طفلة حدثة صغيرة السن لما تبلغ الحلم . .

وإذ يدخلان - قيصر وكليوباترا - أحد قصور الإسكندرية الأثرية وقيصر ممسك في يده بالشعلة ، فيري على الجدران رسوما وآثارا لقدماء المصريين ، يمض قدما دون أن يعير تلك الآثار الخالدات أقل اهتمام ، أو يلقي عليها نظرة متأملة فاحصة في وقت قد سار فيه العالم أجمع يذكر تلك الآثار ، وأشار بعظمتها ومهارة الذين تركوها . كيف ؟ إن الرجل العادي الذي لم يؤت من العلم نصيبا ولا يعنيه من التاريخ إلا أنه قصة تروي ومشهد يستمتع به الرائي ، لا بد متوقف ليتأمل مثل تلك العجائب الباهرة ؛ فما بالك بقيصر العظيم ، قيصر واسع المعرفة الذي كان ولا يزال معدودا من أساطين التاريخ والمؤرخين في العالم أجمع ، شأنه شأن هيردروت ويولييوس وتوكوتيدس وغيرهم . .

وحين يدخل على قيصر أحد العلماء ، ولعله أمين مكتبة الإسكندرية فيخبره أن المكتبة قد شبت فيها النار ، وان هذا التراث الخالد قد صار إلي زوال ، يقابله قيصر بهز الكتف وبابتسامة عابرة ، أو بالأحري ساخرة ، كأن ما يحرق من كتب هو بعض الفحم أو الهشيم أحرق للدفء والسلى . .

مأخذ آخر : أحد الشبان يبادر أمام قيصر فيلقي بنفسه في اليم من علو شاهق ، فينظر قيصر إلى من حوله في شيء من الزهو والفخر بالنفس ، وكأنه يراهن على أنه يستطيع هو الآخر إلقاء نفسه في اليم ، ثم لا يلبث أن خلع طيلسانه ويثب في الماء كأنه غلام يلعب على الشاطئ . أو كأنه متسابق لنيل الجائزة . فكيف يكون بتلك الرقاعة قيصر العظيم  قيصر الذي وصفه " كاسياس " أو بالأحري ) البقية علي صفحة ٢٥

) بقية المنشور في صفحة ٢٣

شكسبير بأنه إله ، والذي يصف نفسه في الفيلم بأنه ) بعضه وحش ، وبعضه امرأة ، وبعضه إله ( . أي أنه مزاج من القسوة والرقة والقدسية

وأخيرا نراه يلبس لباسا من قطعتين كأنه ) مايوه من قطعتين ( أو كما يلبس الاسكتلنديون من أهل هذا الزمان

وكيف يستبيح قواد قيصر لأنفسهم ، بل كيف يبيح هو لهم أن يرفعوا معه الكلفة إلى حد أن يلتصقوا به في سيرهم وجلوسهم التصاقا ، بل يذهبوا إلي أبعد من هذا فيمزحوا معه مزحا سافرا ويسخروا منه في مواقف عدة من الرواية ، كما فعلوا حين هم بإلقاء نفسه في اليم . . وفوق هذا يري قيصر في الرواية من مفتتحها حتى انسدال الستار يضحك ملء . شدقيه ، ويرسل النكتة وراء النكتة ، ويمشى خافض الرأس يترنح ويهتز كأنه ) بودكيوث ولوكوستيللو ( لا قيصر العظيم الذي دانت له أوربا وعنت له أمم العالم القديم

اشترك في نشرتنا البريدية