الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 301 الرجوع إلى "الثقافة"

موسم العلم

Share

دار العام دورته ، وانتهي شهر سبتمبر ، وأعلنت نتائج امتحانات الدور الثاني ، وأخذ كل والد يفكر في ابنه الذي اتم الدراسة الابتدائية ، أو اتم الدراسة الثانوية ، إلى أية مدرسة من المدارس الثانوية أو إلي إية كلية من كليات الجامعة سيدخل هذا التلميذ او الطالب الجديد ؟ وأخذ كل والد يلتمس الشفاعة ويعد العدة للوساطة ، لدى ناظر المدرسة الثانوية ، أو عميد الكلية ، التى يرجو أن يكون لابنه نصيب في الالتحاق بها .

ولا يكتفي الواحد منهم بشخص أو شخصين للقيام بهذه المهمة ، بل يكلف بها أكبر عدد مستطاع ممن يتصل برئيس المعهد بصلة القربي او الصداقة او النفوذ ، فتكثر بذلك الطلبات على مدرسي المدارس ، وموظفي ديوان وزارة المعارف وبخاصة كبار رجالها ، ونواب الامة وشيوخها . ويسخر العشرات من هؤلاء جميعا لكل تلميذ أو طالب واحد متقدم ، لا سيما إذا كان ترتيبه من بين الناجحين متأخرا ، أو كان بطلب مجانية

ورؤساء المعاهد تنهال عليهم الطلبات ، وتشتد عندهم زحمة الزيارات ، ولا تنقطع لديهم مكالمات التليفونات . فيحتارون في امرهم ، ويتعطلون عن إنجاز اعمالهم وعن ترتيب أمورهم للعام الجديد القادم . و كلما اقترب موعد الإفتتاح اشتد الضغط ، وزاد الإجهاد على الإعصاب ، وأخذت المناقشات تحتد ، والشكاوي تتخذ سبيلها إلي صفحات الجرائد وإلى مكاتب الوزراء .

ويتمسك رؤساء المعاهد في مبدأ الأمر بالقواعد التي رسموها لأنفسهم ، أو التي رسمتها لهم الوزارة أو اللوائح ، ويرتبون المتقدمين حسب الكفايات ، ويعدون كشوف القبول ، تبعا للأعداد التي تسمح بها سعة أماكن

الدراسة ، وما تجب مراعاته من الاصول التربوية التي تضمن استفادة كل تلميذ وطالب من الدراسة ، واضطلاع كل مدرس واستاذ بالقدر المناسب من العمل ، والإشراف على عدد معقول من التلاميذ أو الطلاب

فما أن يعلن القبول بالمدارس وكليات الجامعة ، ويعلم أن بعض المتقدمين قد رفضت طلباتهم لضعف استعدادهم ، او لعدم توافر الأمكنة لهم ، حتي تعلو الصيحة في البلاد أن يجب أن يدبر لكل متقدم مكان ، والا يرد طالب علم عن مناهله ؛ فتضطر الوزارة والجامعة إلي حشد أعداد عظيمة بالمدارس وبالكليات .

وكلنا نعلم أن هذا على حساب جودة التعليم ، وانه يشل حركة القائمين على المدارس من ان يؤدوا واجبهم على الوجه الاكمل ، ويفيدوا التلاميذ اكبر فائدة . وهذه الحقيقة ، وإن كانت معروفة لدي الجميع ، إلا أن أثرها السييء لا يدركه تمام الإدراك إلا أقلية ضئيلة ، وإلا لكان لهذه البلاد شأن آخر بإزاء هذه الحالة .

ومن الخير أن يعرف الناس أن عملية التعليم ليست مجرد دروس تلقي في خلال العام ، وامتحانات تعقد في آخره ، وإنما هي عملية نمو في الملكات ، وتفاعل بينها وبين الدراسات ؛ وهذه لا تؤدي على الوجه الصحيح إلا إذا درس المعلم تلاميذه دراسة دقيقة، وكيف خطة سيره حسب ملاحظاته ، وتبعا لتقدم تلاميذه .

كما أن عملية التربية والتهذيب الخلقى ليست أقل شأنا من التلقين التثقيفي ، بل لعلها افضل منه واجدر بالأهتمام ، وهذه تتطلب من المدرسين عناية فائقة بتلاميذهم ، لا في فصول الدراسة وحدها ، وإنما في أوقات الفراغ وفي الملاعب وفي الجمعيات الخ . وهذا كله لا يتسنبي القيام به للمدرس المكدود المثقل بالأعمال ، والذي يقوم على عدد من التلاميذ اكبر مما ينبغي ، ومما تحتمله الطاقة البشرية ،

التوجيه  المهنى

هذا من جهة ، ومن جهة اخري هناك ناحية من نواحي العناية بالتلاميذ وملاحظتهم ، قد اهملت إلي الآن تماما ، وهي الناحية المتصلة بالإرشاد المهنبي ، اي بذل النصح للتلميذ وذويه ، وتوجيهه في الدراسة الوجهة التى يصلح لها بحكم استمداده ؛ وهذا التوجيه والإرشاد يكون نتيجة الملاحظة الدقيقة للتلميذ أثناء وجوده في المدرسة وفي جميع نواحي نشاطه العلمي والرياضي النظري والعملي ، وتدوين تلك الملاحظات في سجل خاص به ؛ وتزداد هذه المسألة أهمية بعد أن قررت الوزارة تنويع المدارس الثانوية ، وتخصيص بعضها للذين يرغبون في الاتجاه الصناعي ، وبعضها لمن يرغبون في الاتجاه الزراعي ، وغيرها لمن يتجهون نحو التجارة .

ولعل هذه المسألة جديرة بعناية خاصة من جانب وزارة المعارف . إذ يخيل إلينا أن توجيه التلميذ الصغير في مثل تلك الاتجاهات عقب خروجه من المدرسة الابتدائية سابق لأوانه ، فهذه الاستعدادات المختلفة لا تتكشف فيه إلا حوالي السن التي يكون التلميذ قد اتم فيها دراسته في السنة الثانية الثانوية ، فهلا يكون الأفصل أن تبدأ تلك المدارس الموجهة نحو الصناعة او الزراعة او التجارة بعد السنة الثانية الثانوية ، حتى تنتقي تلاميذها من بين تلاميذ السنة الثانية في جميع المدارس الثانوية بالقطر كله ؟ فيكون جميع التلاميذ في السنتين الأولى والثانية الثانويتين محل دراسة دقيقة من المعلمين بقصد تبيين اتجاهاتهم واستعداداتهم الفطرية ، وفي نهاية تلك السنة ينصح للتلاميذ وآبائهم بدخول المدرسة التى تناسب هذه الاستعدادات والميول الطبيعية في التلاميذ ؟ !

وواجب أن تستمر هذه الملاحظة الدقيقة للطالب في المدرسة الثانوية العادية طول مدة دراسته بها لي آخر السنة التوجهية ، وتتخذ هذه الدراسة صورة عملية  

وصيغة جدية ، وتكون محل تجارب واختبارات خاصة من آن لآخر ، حتي إذا اتم الطالب دراسته الثانوية امكن لمعلميه ، من الملاحظات المدونة في سجلاتهم ، ان يوصوا الطالب وينصحوا لاهله بأن يوجه في الدراسة العالية او الجامعية في الاتجاه الذي ينتظر أن يصادف فيه أكبر قسط من النجاح ، حسب استعداداته وميوله .

وهذا الإجراء ينال اكبر قدر من عناية جميع المعاهد الثانوية بأوروبا وأمريكا ، وقد كتبت فيه عدة مؤلفات ، وكان موضع دراسات عميقة شاملة ، ولذلك وصل إلي مستوي رفيع ، وصار له أكبر الأثر في نجاح الطلبة في دراساتهم العالية ، وبالتالي في حياتهم العملية بعد ان يتموا دراساتهم ويخرجوا إلى ميدان العمل .

أضرار الكثرة وعلاجها

وكل هذه الدراسة سواء اكانت للتوجيه المهني ام التهذيب الخلقي تتطلب في المدرسين استعدادا ممتازا ، وإعدادا خاصا ، وجهدا شاقا ، وعناية فائقة ، وكلها تستلزم أن يخفف عنهم في الدراسة الثقافية العادية ، وان يقلل عدد التلاميذ الذين يعهد إليهم بالإشراف عليهم ؛ ويقتضي ذلك كله زيادة عدد المدرسين ، كما يتطلب في نظرنا زيادة عدد المدارس زيادة كبيرة حتى يخف الضغط على المدارس الحالية ، فلا تضطر إلي أن تحشر فيها ما يزيد على الألف تلميذ ، مع أن سعتها الطبيعية حسب الاصول التربوية ينبغي الا تزيد على نصف عددها الحالي .

وسيقول بعض الناس إنني أتكلم في الهواء ، وألقي القول على عواهنه ، وادلى بآراء نظرية صعبة التنفيذ ، لأنها تحتاج إلي مال كثير قد تنوء به الميزانية ؛ لكن الذين يعترضون هذا الاعتراض ينسون انهم هم الذين يريدون مضاعفة عدد التلاميذ ، وإفساح المجال لكل إنسان ، وإعطاء الفرصة للجميع ، دون ان يعدوا العدة المالية ، التي تضمن رفع مستوي التربية والتعليم

لا خفضهما ، فهم يضحون بالكيف من أجل الكم ولا نزاع في ان تعليم عدد صغير تعليما جيدا افضل بكثير من تعليم أضعاف هذا العدد تعليما ناقصا بل سيئا .

فالذين يلجأون إلي وزارة المعارف يطالبونها بتيسير التعليم لجميع أبناء الأمة ، يجدر بهم أن يتقدموا إلى البرلمان مع وزارة المعارف يطالبون بفتح الأعتمادات اللازمة للتوسع حسبما تقضي الاصول الفنية ، وبحيث نضمن تحسين النوع مع مضاعفة العدد . فالأمة التي ترغب في تعليم أبنائها تعليما جيدا صحيحا يجب الا تضن بالمال اللازم لتحقيق هذا الغرض .

ومن الغريب ان الناس يدركون خطورة تعريض الجسم لما يصيبه بالأضرار الصحية ، ويقدرون الجهود التي تبذل في سبيل رفع المستوي الصحي بتيسير العلاح واتخاذ وسائل الوقاية ، وينادون بوجوب فتح خزائن الدولة لكل مصلح يريد أن يحسن تلك الوسائل الصحية ، ولكنهم في الوقت نفسه لا يدركون خطورة ما يصيب العقول من آفات وأضرار بسبب سوء التعليم ؛ ولا تجد من رجال التعليم من يبرزون هذا الخطر ، ويبصرون الناس به ، ويلفتون نظرهم إلى ضرورة الاهتمام بوسائل الوقاية منه ، وإلى وسائل علاج الضعف في العقل ، ووسائل تربيته وإنمائه كما ينبغي ، حتى تكون البلاد اسخي بالمال علي التعليم ، وأكثر اهتماما بإعداد المعلم إعدادا جيدا ، واعظم تقديرا للجهود التى تبذل في سبيل إنهاض المعلم ، حتي يقى تلاميذه الأضرار والأمراض العقلية

مشاكل المجانية

يبقي أن نقول كلة فيما يختص بالمدارس الابتدائية ، وظروفها الجديدة بعد ان تقررت المجانية فيها وعممت ، وصح ما توقعناه في مقالاتنا السابقة من ان معظم التلاميذ ، الذين هم في سن التعليم الأولى أو الابتدائي ، قد لجأوا إلى الثاني وانصرفوا عن الاول ، بعد ان تساويا من

حيث المجانية ، وتفاوتا في نظر الناس من حيث المستقبل . وكانت نتيجة ذلك ، كما قرانا في الصحف ، ان تقدم إلي معظم المدارس اعداد تبلغ اضعاف اضعاف ما تتسع لقبوله منهم ، فالمدرسة التى فيها امكنة لمائة مثلا قد تقدم إليها في معظم الحالات خمسمائة أو أكثر

وليس أمام نظار المدارس إلا وسيلة واحدة للاختيار من بين المتقدمين لها ، وهي امتحان المسابقة التقليدي ، الذي سيكون الفوز منه على الأرجح لكبار السن ، الذين قضوا في المدارس الاولية عدة سنوات ؛ فالتميذ الذي قضى فيها نحو ثلاث سنوات واصبح سنه تسعة او اكثر سيتغلب على التلميذ الذي تتراوح سنه بين السابعة والثامنة .

والأختبارات التي يعمل فيها حساب لهذا التفاوت في السن هي اختبارات الذكاء ، لأنها تطالب كل سن بدرجة محددة من الإجابة أعلى من الدرجة المحددة التي تطالب بها من هم في سن اقل ؟ ولكن وزارة المعارف لم يبد عليها إلى الآن ما يدل على إيمانها باختبارات الذكاء هذه ، فلا ينتظر إذن ان تأخذ بها المدارس لتحقق مبدأ تكافؤ الفرص تحقيقا عادلا .

وها قد بدأت تظهر آثار هذه الحالة ، والتي سبق أن حذرنا الامة منها ؛ فقد قرأنا في الصحف ان بعض أصحاب المدارس الحرة قد بدأ يعلن عن فتح مدارس ابتدائية للخاصة بمصارف تبدو الآن متواضعة ، لكنها ستزداد من غير شك ، تبعا لقانون العرض والطلب ، كلما ازداد الإقبال عليها ، كما أنها لن تقتصر على المدارس الحرة المصرية ، بل إن أغلبيتها ستكون مدارس خاصة أجنبية وذلك لعدة أسباب :

منها أن أصحاب المدارس الحرة من المصريين ستكون لديهم وفرة من التلاميذ الذين ستحولهم إليها الوزارة وتدفع عنهم المصاريف لاصحاب المدارس الحرة ؛ ومنها أن المدارس الأجنبية قد اعتادت فيما مضي فتح اقسام خاصة ، بمصاريف كبيرة ، وقد الف المصريون إرسال

ابنائهم وبناتهم إليها منذ زمن بعيد ، وارتاحوا له

وسبب آخر أورده ، هو أن بعض المدارس الأجنبية لا يزال يعني بالكيف قبل الكم ، ويوجه اهتماما خاصا للناحية التهذبية وللتربية الخلقية ، مما سيجعل فرصتها في إقبال الطبقات الراقية والمتوسطة وما بينهما على إرسال ابنائهم وبناتهم إليها اعظم من فرصة المدارس الحرة المصرية .

أزمة المدرسين وعلاجها

ولعل هذا البحث لا يكمل إلا إذا قلنا فيه كلمة عن المدرسين اللازمين لمواجهة هذا التوسع العظيم في التعليم الابتدائي والتعليم الثانوي فالذي نعرفه أن مدرسي تلك المدارس كانوا مثقلين بالأعمال ، وكنا نود كما قدمنا لو استطاعت الوزارة ان تخفف عنهم لتيسر لهم المساهمة في التربية بدلا من الاقتصار على التعليم . فليس هناك إذن زيادة في عددهم ، او فسحة في وقتهم ، تسمح بزيادة أعمالهم ، حتى ولا في نظير مكافآت مالية إضافية

ولما رأت الوزارة أن عدد من يتخرجون في معاهد التربية لا يكفي لسد حاجتها وحاجة المدارس الحرة من المدرسين ، عمدت إلي إنشاء دراسات صيفية في التربية ، لخريجي الجامعة من مختلف الكليات ، وسيكون الناجحون من هؤلاء عماد المدارس الأهلية على الأقل في سد حاجتها من المعلمين ، لا سيما بعد ان تعين الوزارة من خيرة معلميها العدد الكبير الذي ستحتاجه لمدارسها لمواجهة التوسع المزمع .

ولا نزاع في أن هذا الإعداد كان إعداد ضرورة ، وإنه لا يمكن أن يخلق من هؤلاء الخريجين مدرسين بمعنى الكلمة ، أو بنصف معناها ، مما سيؤدي من غير شك إلى خفض مستوي التعليم بالمدارس الحرة إلى ادني مما كان عليه . فالتلاميذ الذين سيحولون إلى هذه المدارس الحرة لن يجدوا فيها فرصة للتعليم الصحيح مكافئة للفرص التي سيجدها زملاؤهم الذين قبلتهم المدارس الاميرية ، مع

أنهم لضعفهم أحوج إلي معلمين أكفاء

ولعل خير ما نشير به على وزارة المعارف في هذا الصدد ، أن تجعل نصب عينها تكميل إعداد هؤلاء إعدادا فنيا عمليا ، والطريقة التي نقترحها لتنفيذ ذلك ، ان تعين الوزارة في المدارس الحرة الكبيرة مدرسين أوائل تكون مهمتهم ، فوق الإشراف الفني العادي ، زيارة هؤلاء المدرسين الجدد باستمرار ، ومدهم بالنصائح والإرشادات العملية التى تعين على تحسين حالهم كمعلمين صالحين . وقد يكون من المفيد ايضا تعيين مفتشين لهذا الغرض نفسه ليشرفوا على هؤلاء المدرسين الاوائل وعلى بقية المدرسين الجدد بالمدارس التي لم يعين فيها مدرسون أوائل .

على أنه يجب أن تستمر الدراسات الصيفية لمدرسي المدارس الحرة ، وان يفرض على هؤلاء المدرسين الجدد حضورها مرة اخري أو مرارا حتى يستفيدوا الفائدة المرجوة . فخير هذه الدراسات الصيفية ، في نظرنا ، ما كان تكميليا لا اساسيا ؟ فالمدرس الذي لاقي صعوبات في عمله في خلال العام يستفيد من حضور تلك الدراسات ما يذلل به صعوباته ، ويحل به مشكلاته ، لا سيما بعد التذاكر والتحدث عنها مع زملائه واساتذته .

وبعد ، فإن الناس كلهم متطلعون إلي ما سيكون من امر المدارس في هذا العام ، وما بعده من اعوام ، ومن امر الجامعتين بعد ان تتخرج هذه الأعداد الكبيرة في المدارس  الثانوية ، وتلجأ إليهما ملتمسة التعليم العالي .

وإنا لنرجو ، مخلصين ، لمن بيدهم تصريف شئون التعليم في هذا البلد توفيقا في مهمتهم الشاقة ، حتى يكون الجيل القادم أكثر استعدادا ، واعظم كفاية ، واقدر على الكفاح وشق طريقه في الحياة العملية وسط التزاحم القاسي الذي ينتظر أن يلقاه .

اشترك في نشرتنا البريدية