كان الصراع الذي نشب بين الدولة الاسلامية الناشئة ، وبين الدولة الرومانية الشرقية بضطرم حينما تبسط الدولة الشرقية سلطانها . وكانت الخلافة في نفس الوقت الذي تسير فيه جيوشها المظفرة نحو الشمال وتقترب من عاصمة الدولة الشرقية ، تتجه ببصرها نحو الغرب ، حيث كانت أملاك الدولة الشرقية تمتد في شمال افريقية حتى قاصية الغرب . وكان فتح العرب لمصر في سنة عشرين من الهجرة بدء تقدمهم نحو الغرب ، بيد أن تقدمهم في هذا الاتجاه كان محفوفا بمشاق وصعاب لم يألفوها في فتوحهم الاولى ، فقضوا زهاء نصف قرن في معارك عنيفة مع الروم ) الرومان ( والبربر ، وأصيبوا إلي جانب انتصاراتهم بأكثر من هزيمة شديدة ، وواجهوا عدة ثورات محلية عنيفة ، وأنهار سلطانهم الفتي غير مرة قبل أن يستقر نهائيا في شمال أفريقية
وفي أواخر القرن الأول الهجري كانت فتوح الخلافة تمتد من مصر غربا إلي المحيط الاطلنطي ، وتمت هذه الفتوح العظيمة وتوطدت على يد نخبة من اكابر القادة الذين تعاقبوا في حكم افريقية ، مثل عقبة بن نافع الفهري وزهير بن قيس البلوي ، وحسان بن ثابت الغساني ، وموسي بن نصير اللخمي . وكان موسي بن نصير من اعظم الزعماء والقادة الذين وجهتهم الخلافة إلى الغرب ، وكان أول فاتح مسلم قدر ان يجوز الاسلام على يديه إلي القارة الأوربية . ومع ان الرواية تتبع حياته بإفاضة منذ ولايته لحكم أفريقية فإنها لا تقدم إلينا عن نشأته وحياته الأولى تفاصيل شافية ، شأن كثير من زعماء الاسلام
في القرن الأول . علي أننا نعرف مع ذلك أنه من التابعين وأنه ولد في سنة ١٩ ه في خلافة امير المؤمنين عمر في قرية من قري الجزيرة ، أو بوادي القري في شمالي الحجاز على قول آخر . وأما عن نسبته فنقول الرواية إنه ينتسب إلي بكر بن وائل ، وإن أباه نصيرا كان ممن سباهم خالد ابن الوليد في موقعة عين النمر ) ١ ( وقيل إنه ينتسب بطريق الولاء إلي بني لخم إون أباه نصيراً كان على حرص معاوية
ابن أبي سفيان . ثم كان وصيفا لعبد العزيز بن مروان فأعتقه ) ٢ ( وأما عن حياة موسي الأولى فلا تذكر الرواية سوى القليل . وكل ما نعرفه منها انه تقلب في بعض المناصب العسكرية والادارية الهامة قبل ان يعهد إليه بحكم أفريقية . وقاد بعض الحملات البحرية في عصر معاوية بن أبي سفيان ، وغزا قبرص وغيرها من الجزر القريبة ) ٣ ( ، وفي بعض الروايات أن عبد الملك بن مروان حينما ولي أخاه بشرا على البصرة في سنة ٧٣ ه ، وكان يتولى قيادة الجند بمصر ، ندب موسي بن نصير لمعاونته ،
وكان يومئذ بمصر في خدمة أميرها عبد العزيز بن مروان صديقه وحامية ، وأن موسي لبث وزيرا ومستشارا لبشر أيام ولايته للبصرة ، فلما ولي الحجاج حكم العراق في سنة ٧٥ ه اتهم موسي بإختلاس أموال البصرة ، ولم ينقذه من بطش الحجاج سوى تدخل عبد العزيز بن مروان ، وكان قد وفد يومئذ على الشام بأموال مصر ، وهرع إليه موسى مستجيرا به ، ثم عاد موسي إلي مصر مع عبد العزيز بن مروان ، ولبث بها بقبواً لديه أسمى مراتب النفوذ والثقة ،
حتى عين حاكما لأفريقية ) ١ (
وتختلف الرواية في تاريخ تولية موسي بن نصير لأفريقية اختلافا بينا ، فالبعض يقول إنها كانت في سنة ٧٨ أو ٧٩ ه في عهد عبد الملك ، ويقول البعض الآخر إنها كانت في سنة ٨٦ أو سنة ٨٩ ه في عهد ابنه الوليد ) ٢ ( ، ونحن نؤثر الأخذ بالقول الثاني ؛ لأنه أكثر اتفاقا مع سير الحوادث في أفريقية ، ولأن معظم الروايات مجمعة على ان حسان بن النعمان والي افريقية قبل موسي ابن نصير لبث على ولايتها حتى وفاة عبد الملك . وقد توفي
عبد الملك في شوال سنة ٨٦ ه ، وكان عبد العزيز بن مروان امير مصر قد توفي قبل ذلك سنة ٨٥ ه وندب عبد الملك ولده عبد الله أميرا علي مصر ، فدخلها في جمادي الآخرة سنة ٨٦ ه قبيل وفاة أبيه بأشهر قلائل ، وعزل عبد الله حسان بن النعمان عن ولاية افريقية ، واختار لولايتها موسي بن نصير . وكانت أفريقية تابعة يومئذ
لمصر في شئون الحكم والإدارة ؛ وكانت ولاية موسي لأفريقية على أرجح الأقوال في سنة ٨٩ ه ) ٧٠٨ م (
وكان موسي بن نصير قد اختبر مفاوز افريقية من قبل ، وسيره عبدالعزيز بن مروان في سنة ٨٤ ه إلي برقة فافتتح درنة ، وسبى من أهلها جموعا غفيرة ، وكان
البربر لا يزالون على اضطرابهم وتمردهم يتحينون الفرصة للثورة كلما سنحت . فما كاد موسي يلي الحكم حتى نزعوا إلي الثورة ، شأنهم عند كل تغيير في الحكم ، ولكنهم أخطأوا تقدير عزم الحاكم الجديد وصرامته . وسرعان ما سحقت الثورة في كل ناحية ، ومزق موسي جموع الثوار بيد من حديد ، ودوخ هوارة وزنانه وكتامه
وصنهاجة ، وغيرها من القبائل البربرية القوية ، ثم سار إلي طنجة وهي آخر معقل اعتصم به الثوار ، ففتحها وولى عليها جنديا عظيما ، هو طارق بن زياد الليثي ، وأثخن في مغاور المغرب الأقصى وطهرها من العصاة والمتآمرين ، واستمال إليه وجوه القبائل ، وحشد في جيشه آلافا من البرير المسالمين ، واهتم بنشر الاسلام بين القبائل فذاع بينهم ذيوعا كبيرا
وكان الروم ) الرومان ( بعد أن أخفقوا في الحرب البرية ويئسوا من إنقاذ افريقية قد لجأوا إلى غزو الثغور ومنها . فابتني موسي دارا عظيمة للصناعة على مقربة من أطلال فرطاجنة ، وأنشأ أسطولا لحماية الثغور ؛ وكان العرب قد بدأوا غزواتهم البحرية الأولى في تلك المياه قبل ذلك بعدة أعوام ، وسير موسي ولده عبد الله في السفن إلي الجزر القريبة فغزا جزائر البلبار ) الجزائر الشرقية ( وكانت يومئذ من أملاك ملك اسبانيا القوطي . وافتتح
منها ميورقة ومنورقة ، وسارت حملات بحرية اخري إلي صقلية وسردانية وعاثت في ثغورها . وهكذا بسط العرب سلطاتهم على شمالي أفريقيا كله في البر والبحر ، ولم يبق من ثفوره بيد النصاري بعد افتتاح طنجة سوي ثغر سبتة ، وكانت يومئذ من أملاك اسبانيا ويحكمها امير من القوط يدعي الكونت يوليان . ) ١ ( وكانت قد استطاعت لمنعتها
الطبيعية ويقظة حاكمها أن ترد هجمات العرب ؛ وكان موسي يتوق إلى افتتاح هذا المعقل الحصين ، بيد أن مشروعاته في الفتح لم تكن تقف عند سبتة ، بل كانت تجاوزها إلي ما وراء البحر من الممالك والأمم المجهولة
- ٢ -
كانت مملكة الفوط في الضفة الأخرى من المضيق قد هرمت وأصابها الوهن ، وكانت وقت ان اقترب العرب من شواطئها فريسة الاضطراب والفوضي ، تمزقها الخلافات الداخلية ، ويقتتل حول عرشها الزعماء المتنافسون . وكان على عرش القوط يومئذ ملك شديد البأس والعزم ، هو ردريك او لذريق حسبما تسميه الرواية العربية ، ولكنه كان يواجه خطر الانتفاض المستمر ، ولم يكن ملكا شرعيا ، ولكنه استطاع ان ينتزع العرش من صاحبه الشرعي الملك وتيرا ) أوغيطشه ( عقب ثورة ديرها
بمؤازرة رجال الدين والأشراف الناقمين . ومع أنه استطاع أن يوطد سلطانه مدى حين ، فان الخطر لبث مع ذلك محدقا بعرشه وملكة . وكان اقتراب العرب من شواطي الجزيرة يحفز خصومه إلى التماس الوسيلة لاسقاطه وسحقه
وكان الكونت يوليان من أنصار الحكم القديم ومن خصوم الحكم الجديد يخشى عواقبه على مركزه وسلطانه ؛ وكان غنيا شديد البأس وافر الأتباع والجند ، بعيدا عن سلطة العرش ، يقبض على مفتاح اسبانيا يحكمه اسبته والمضيق ؛ فتفاهم معه أبناء الملك السابق ونيرا وباقي الزعماء الخوارج ؛ واستقر الرأي على الاستنجاد بالعرب جيران الكونت . وهذا هو التعليل التاريخي للتحالف الذي عقد بين الكونت بوليان وبين موسي من نصير ، وانتهي بفتح العرب لأسبانيا . ولكن الرواية -والرواية الاسلامية بنوع خاص - تقدم إلينا تعليلا آخر ، فتقول إن يوليان كان يعمل بدافع الانتقام
الشخصي أيضا ، فقد كانت له ابنة رائعة الحسن تدعي فلورندا ارسلها إلى بلاط طليطة جريا على رسوم ذلك العصر ، لتتلقي ما يليق بها من التربية بين كرائم العقائل والفرسان ؛ فاستهوي جمالها الفتان قلب ردريك فاغتصبها وانتهك عفافها ؛ وعلم الكونت بذلك فاستقدم ابنته
إليه ، وأقسم بالانتقام من ردريك ونزعه ذلك العرش الذي اغتصبه . فلما نشبت الحرب الأهلية بين ردريك وخصومه ، والتجأ هؤلاء الخصوم إليه رأي الفرصة سانحة للعمل ، ولم ير خيرا من الاستنصار بالعرب ومعاونتهم على فتح اسبانيا
والرواية الاسلامية تجمع على قبول هذه القصة ، والأخذ بها مع أخذها في الوقت نفسه بالعوامل السياسية التي ذكرناها ) ١ ( . ولكن الرواية النصرانية تتردد في قبولها ، وتنفيها الرواية الأسبانية ، وتعتبرها اسطورة صاغتها الأغاني والقصص القديمة ، بل يذهب بعض مؤرخي أسبانيا إلي إنكار شخصية الكونت يوليان نفسه ، ويعتبرها شخصية خيالية ) ٢ ( . وإنكار الرواية الأسبانية
لمثل هذه القصة معقول تجدوه بواعث لا تخفي ,فهى تأبي الاعتراف بواقعة تسجل خيانة الوطن على نفر من زعماء أسبانيا الأوائل ، وهي خيانة أدت إلي أن افتتح العرب أسبانيا ، وحكمها الاسلام قرونا طويلة . على أننا لا نجد في القصة ما يحمل على إنكارها ، فوقوعها ممكن معقول في مثل الظروف التي كانت تجوزها اسبانيا يومئذ ، من خلاف في الرأي وتنازع على السلطة وانحلال أخلاقي واجتماعي . ولسنا من جهة أخري نلمس في الرواية الاسلامية أثر الاختراع ، فليس ثمة ما يدعو إليه . وليس من المعقول أن تخترع الرواية الاسلامية قصة مفادها أن المسلمين لقوا في فتح أسبانيا معاونة لم يتوقعوها ، وان هذه المعاونة ذللت لهم سبل الفتح ، ولعلهم بدونها ما أقدموا عليه أو تعرضوا للفشل . هذا إلي أن بعض الروايات الأسبانية القديمة ، ومنها ما هو قريب من الفتح ، يشترك مع الرواية الاسلامية في ذكر قصة فلورندا والأخذ بها ) ١ (
وعلي أي حال فقد اتصل الكونت يوليان بموسي بن نصير ودعاه إلى فتح اسبانيا . ووقعت المفاوضة بينهما في ذلك المشروع الخطير . والظاهر أن يوليان وحلفاءه لم يقصدوا بهذه الدعوة ان يفتتح العرب اسبانيا لانفسهم . وان يستأثروا بملكها ، بل كان مشروعهم على الأرجح أن يستعينوا بالعرب على محاربة المغتصب ، وإسقاطه واستخلاص الملك لانفسهم . والظاهر ايضا ان موسي وعدهم من جانبه بأنه لا يقصد سوى مجد الفتح وكسب الغنائم ، وانه لا ينوي إنشاء دولة مسلمة وراء البحر . وهذا تصوير المشروع يؤيده منطق الحوادث وتشير اليه الرواية العربية ) ٢ ( . وكان موسي قد وقف على أحوال
اسبانيا وخصبها وغناها واستطاع أن يقدر أهمية هذا الفتح وجليل مغانمه ومزاياه فلما وقف من يوليان وحلفائه على ماتعانيه اسبانيا من اسباب التفرق والضعف ، وايقن انه يستطيع الاعتماد على عون يوليان وحلفائه كتب إلى الوليد بن عبد الملك يخبره بأمر المشروع ويستأذنه في الفتح , فكتب اليه الوليد ان يختبره بالسرايا والا يزج بالسلمين الى أهوال البحر . ومع أن المسلمين كانوا قد تمرسوا في اهوال البحر واختبروا هذه المياه بالحملات
والفتوح الناجحة ، فان موسي لم يسعه إلا العزول على نصح الخليفة . فجهز خمسمائة مقاتل بينهم مائة فارس بقيادة ضابط من البربر يدعى طريف بن مالك ، فعبروا البحر من سبته في أربع سفن قدمها يوليان ، إلى البقعة المقابلة التي سميت جزيرة طريف باسم قائد الحملة ، وذلك في رمضان سنة إحدى وتسعين ) بوليه سنة ٧١٠ م ( . وجاست الحملة خلال الجزيرة الخضراء بارشاد يوليان ، وأصابت كثيرا من الغنائم واستقبلت بالإكرام والترحيب .
وشهدت كثيرا من مظاهر خصب الجزيرة وغناها ثم عادت سالمة . وسر موسي بنتائج الحملة واستبشر بالفوز وجد في أهبة الفتح .
( له بقية )

