الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 304الرجوع إلى "الثقافة"

موسيقانا القومية

Share

اطوار الموسيتي الشرقية - تطورها في الشرق ثروتها مقارنة بين الثقافة الموسيقية العربية والمصرية الحديثة - رقيها في عصر سلامة حجازي وعبده ومحمد عثمان وأبي خليل القباني تدهورها في العصر الخاصر - موسيقى  القرآن تقتعد ذروة الفن كلمتنا لمعهد الموسيقي العربية

أطوار  الموسيقى الشرقية

نشأت الموسيقى العربية باديء الأمر في الحداء ، ثم تدرجت في الرقى حتى ازدهرت في عصر العباسيين ، ونبغ فيها رجال وقيان كانوا فخر قومهم ، وخلدت ذكرهم الأيام مثل معبد ، وإسحاق الموصلي ، وجميلة ، وعزة الميلاء ، وغيرهم ، وأشتهر في الأندلس زرياب ؛ وقد تركوا لنا من الالحان تراثا لا يحصر ملأ مجلدات الأغاني للأصبهانى وغيره من كتب الأدب .

ثم طفقت الموسيقى تتدهور بعد العباسيين ، لأن الألحان كانت تنتقل بالتواتر من جيل إلي جيل ، حتى انفرط عقد التواتر ، واختلت الألحان وذهبت فريسة النسيان

أشفق الفلاسفة والأطباء والموسيقيون على الموسيقي فتدار كوا أضمحلالها بعد انفصام عري التواتر ، فدونوا لها مؤلفات قيمة ؛ فكان في طليعة هؤلاء الأعلام الخليل بن أحمد ، وقد توفي في دمشق سنة ١٧٠ ه ، وقد وضع كتابا في الأوزان ، وآخر في المقامات وكتب يعقوب بن إسحاق الكندي رسالة قيمة في الموسيقى ، وتوفى  سنة ٢٤٨ ه ؟ ويحيي ابن المنجم المتوفي سنة ٢٠٠ ه ، وله رسالة مشهورة ؟ وأشتهر بعده بقليل محمد بن زكريا الرازي ، وتوفي سنة ٣١١ ه . ثم آتي بعده فيلسوف الإسلام أبو نصر الفارابي ، ومن اهم مؤلفاته كتاب الموسيقى الكبير ، والمدخل وقد ترجم الأول إلى الفرنسية البارون دير لانجبه ، وتوجد من الثاني نسخة فتوغرافية في دار الكتب المصرية . وظهر في القرن الخامس ابن سينا ، وله رسائل قيمة ، وبدار الكتب

طائفة عظيمة من المخطوطات العظيمة في الموسيقي .

دار الفلك دورته ، وتوالت الأعوام ونهضت الموسيقي الفارسية ثم انتقلت إلي تركيا فهذبتها وسمت بها إلي أوج الرقي ؛ وانحطت الفارسية ونزلت مكانتها الرفيعة إلي التركية ،

ثم انتشرت في مستعمراتها في الشرق الأدني مثل الشام وفلسطين ومصر وتونس والجزائر . ولكن الموسيقي التركية تلونت في كل قطر بلون خاص وطابع محلى ، بسبب تعدد اللهجات واختلاف الأوزان .

ضوئها

لقد أحصى مؤتمر الموسيقى العربية ، الذي انعقد في القاهرة سنة ١٩٣٢ بحضور المستشرقين المشهورين ممن تخصصوا في الموسيقى العربية ، المقامات المستعملة في الشرق الادني ، فإذا هي تقارب المائة ؛ كما أحصي الأوزان فإذا هي تبلغ المائة ، ويالها من ثروة لا نجد لها مثيلا في العالم

إن الموسيقي الأوروبية لا تملك غير مقامين اثنين : الكبير والصغير ، ويمكن تحويرهما بتغيير مفتاح النوتة ؛ ورغما من هذا الضيق فإن الموسيقيين الأوروبين قد أنشأوا من طريف مختلف الالحان مالا يحصي ولا يحصر ، والفضل في ذلك راجع إلي ثقافتهم العامة وشاعريتهم ورقة عواطفهم .

مقارنة بين الثقافة عند العرب وفي مصر الحديثة اشتهر أغلب المغنيين والقيان عند العرب بالشعر والأدب والتاريخ وأيام العرب . وكان إسحاق الموصلي من أكثر شعراء عصره ، اديبا عالما متفقها في الدين ، فضلا عن كونه اعظم موسيقي في عصره .

لم نر في مصر من فجر نهضتها الموسيقية إلي يومنا هذا من الموسيقيين المثقفين غير اثنين ، وهما : الشيخ شهاب الدين الشاعر الكبير صاحب السفينة ، وابو خليل القباني ؛ وكان هذا الأخير يؤلف بنفسه رواياته ويلحنها ويمثلها وكيف ننتظر ممن لم يصادف اية ثقافة ان يستطيع أن يعبر لنا بموسيقاه عما يجيش بصدره من مختلف العواطف

أو يصف ما يشاهده مثل هؤلاء ، كمثل من تعلم الهجاء ثم انبري لدراسة العروض ، زاعما انه سيصبح من فحول الشعراء . رقيها في عصر سلامة حجازي وابي خليل القباني وعبده و محمد عثمان ،

لا مراء في أن الكنوز الفنية التي خلفها لنا هؤلاء الفضلاء قد بلغت ذروة الكمال ، مما يدل علي غزارة المادة وحسن الذوق ، وخلوها من الالحان والأوزان الاجنبية ، حتى صارت نقية خالصة من اية شائبة او تهجين يذهب بطلاوتها . لم نر في عصرنا هذا من استطاع أن يشق غبار الشيخ سلامة حجازي ، ولم نشاهد احدا استطاع ان يقلده أو يقتفي أثره .

ولم يكتف هذا النابغة بترقية الموسيقى المصرية بأنواعها ، بل اوجد التمثيل الغنائي بمصر ، ونهض بالمسرح بعد انحطاطه وتدهوره - ولقد اعجبت به ساره برنارا ايما إعجاب ، وقالت عنه إنه من الممثلين القلائل الذين لم يتلقوا الفن في مدرسة ، بل كانوا معلمي أنفسهم ، كمثل كبار رجال المسرح عندنا ، مثل يوكلان وأخيه ، وسليفان ، ولمبير ، ودي فيرودي ، ولولوار ، وغيرهم .

تدهورها في عصرنا الحاضر وسيرها بثوبها الخلق  المرقع

أخذت موسيقانا في عصرنا الحاضر تنحط وتضمحل يوما بعد يوم وأباح المحترفون لانفسهم ان يرقعوها بمختلف الموسيقات الأجنبية ، حتى اصبحت فنا هجينا تنفر منه النفوس ، وتمجه الأذواق ، إذ لما أعيتهم الحيل وجفت القرائح ، وسد الجهل عليهم المنافذ ، وتورطوا في تلحينهم ، هرعوا إلي السرقات المرذولة والتشويه المنفر لقلة البضاعة ونضوب الذهن ، حتى صارت موسيقانا كثوب أهل الكدية ) الدلق ( مرقعة بمتباين الألوان .

ولم يبيح البعض إدخال الموسيقات الأجنبية علي موسيقانا ليستسيغوا الموسيقي الأجنبية ، ولا يبيح هذه العملية في لغتهم ويطعمها بالإنجليزية والفرنسية والمالطية ! ولقد تغلغل هذا الداء الوبيل في موسيقانا حتى فقدت طابعها الخاص وجمالها الفتان

رثي المستشرقون لما حاق بموسيقانا ، وشق عليهم ما شاهدوا من المسخ والتشويه ، وقالوا لنا في مؤتمر الموسيقى العربية : لقد رحلنا إليكم والشوق يغالبنا ، وكنا نمنى النفس بعد حرمانها الطويل من سماع الموسيقى العربية الخالصة ، وظننا أننا سنعثر علي ضالتنا بمصر ، ولكن خاب ظننا وخاننا الامل !

موسيقى القرآن تقتعد ذروة الفن

إننا نحمد الله الذي من علينا في عصرنا هذا بمقرئين يفخر بهما الشرق بل العالم الإسلامي اجمع ، إذ يرقبونهما بجانب المذباع رقبة الأعباد ، احدهما حجة في علم القراءات والتجويد ، فصيح في مخارج الحروف ، بليغ في الإلقاء ، قوي في التعبير ، يسود تلاوته خشوع اخاذ ورهبة عظيمة ، ووهب الثاني صوتا جهوريا رنانا ، وفنا موسيقيا ساحرا ، وفصاحة في التلاوة نادرة ، وطريقة فتانة لم يسبقه فيها احد ، وذوقا سليما رفيعا في الفن . وتلك المواهب لم نصادفها مجتمعة لدي أحد من المغنين والمغنيات في عصرنا الحاضر .

كلمتنا لمعهد الموسيقي العربية

شاءت إرادة المغفور له مولانا فؤاد الأول أن ينهض بالموسيقى العربية ، فافتتح لها سنة ١٩٣٢ مؤتمرا دوليا بالقاهرة ، ضم أشهر من اشتغل بالموسيقي في اقطار اوروبا ، كما ضم علماء الموسيقي النابغين في جميع البلاد العربية ، وانفقت الحكومة مبالغ طائلة لنفقاته وطبع اعماله ، فشخصوا الداء ووصفوا لنا الدواء ، ولم يبق علينا إلا تحضير العلاج

مضي على المؤتمر أحد عشر عاما لم يحرك فيها المعهد ساكنا ، ولم يعمل شيئا مما وصى به المؤتمر حتى السلم الموسيقى المصري ، وما فتئ حائرا ضالا لا يعرف له اساسا ولا قاعدة . واكتفى القائمون بأمره ان يجعلوه مدرسة لتعليم الصبيان ولتخريج المحترفين .

إن البلاد تعج بالموسيقيين والمعلمين ، ولا تنقصها المعاهد الموسيقية ، ولكنها أصبحت تبحث عن نصير لفنها الضائع ، وحام يذود عن حياضها المهدمة ، وينهض بها بعد كبوتها واضمحلالها ، ويعيد إليها مجدها السابق ، ويغار علي قوميتها ، فان الموسيقى تعتبر بحق عند جميع الامم اشرف الفنون الرفيعة .

اشترك في نشرتنا البريدية