تتجه أنظار العالم منذ حين إلي ألمانيا وحوادثها الداخلية أكثر مما تتجه إلي ميدان القتال ذاته ؛ ذلك أن ميدان القتال لا يزال هادئا لا تكاد تقع فيه حوادث ذات شأن ، سوى ما نقرأ كل يوم من تبادل دوريات الاستطلاع ، والغارات الجوية الاستكشافية ، وإغراق بعض السفن التجارية من مختلف الجنسيات بفعل الغواصات أو الألغام الألمانية .
ولكن أحوال ألمانيا ذاتها ، وما يقع فيها من الحوادث الداخلية ، وما يتردد حول خططها ومقاصدها من الاشاعات المختلفة ، وما يكتتف موقفها وسياستها من الغموض هو الذي يجذب اليوم اهتمام العالم .
فقد مضى نحو شهرين مذ انتهت ألمانيا من غزو بولونيا والإجهاز عليها ، واقتسامها مع روسيا السوفيتية ، وتحويل كل نشاطها وقواها إلى الميدان الغربي ، ومذ ألقى المستشار
هتلر خطبته في 6 أكتوبر يعرض فيها عقد الصلح على أساس الأمر الواقع ، ورفضت الحكومتان البريطانية والفرنسية عرضه ، والمانيا تلزم خطة الجمود ، ولا تكاد تقدم على عمل ذي شأن. وكان الظنون أن ألمانيا ، بعد أن أخفقت خطتها في إرغام الحليفتين الديمقراطيتين على قبول الأمر الواقع ، وأيقنت أنه لابد للاحتفاظ بسيطرتها الهمجية على أوربا ، والاحتفاظ بما اغتصبت من أسلوب الدول المغلوبة ، أن تخوض معهما حربا حقيقية لا هوادة فيها ، سوف تقدم حتما على القيام بعمل عسكري ضخم، سواء في البر أو في الجو ، تحاول فيه إحراز بعض النتائج العسكرية ، وخصوصا بعد ان اشتدت عليها وطأة الحصار الإنكليزي الفرنسي .
وقد ترددت بالفعل طوال الأسابيع الأخيرة إشاعات لا نهاية لها عن استعداد ألمانيا للقيام بهجوم على فرنسا ، سواء بمحاولة اختراق خط ماجينو ، أو خرق حيدة سويسرا وبلجيكا ، أو مهاجمة انكلترا من الجو ومن البحر ، وذلك باقتحام هولندة وأتخاذ شواطئها قواعد للطيارات والغواصات ، أو غير ذلك مما أفاضت فيه الأنباء بلا انقطاع .
ولكن شيئا من ذلك لم يقع ، ولا تزال الجيوش الألمانية مرابطة على طول الحدود الغربية ممتعة وراء خط سيجفريد ، ولا تزال ألمانيا على جمودها ، مكتفية بما ترسله على لسان صحفها من ضروب التهديد والوعيد .
على أن ما يقع داخل المانيا ذاتها هو الذي يجذب أنظار العالم قبل كل شئ .
فحادث قنبلة ميونيخ ، وما تلاه من تفتيش ألوف المنازل في برلين وميونيخ وفينا وبراج وغيرها ، والقبض على آلاف الأشخاص من مختلف الطبقات من المعروفين بخصومتهم أو عدم ولائهم للنظام النازي ؛ وحوادث يوهيميا التي وقعت أخيرا ، وأخصها مظاهرات براج
التي قتل فيها الألمان عددا كبيرا من طلبة الجامعة التشيك ، بصور همجية ، وقبض فيها على عشرات الألوف من الطلبة والأساتذة وغيرهم ، أخذوا إلي معسكرات الاعتقال ، وأغلقت الجامعات والمعاهد التشيكية ، وما أذيع من القبض على الرئيس هاشا ، رئيس جمهورية تشيكوسلوفاكيا السابق ، واشتداد أعمال القمع والإرهاب في جميع أنحاء يوهيميا ومورافيا ؟ وما يقال أخيرا من اشتداد الخلاف بين دوائر الحزب النازي ، والخلاف في الرأي بين هتلر والقيادة الألمانية العليا ، وما يبدو من التردد حول خطط ألمانيا السياسية والعسكرية ، كل هذه الحوادث والأنباء غطت على ما عداها وأثارت كثيرا من التعليق والتكهن بما عسي أن تدل عليه أو تسفر عنه .
وليس من ريب في أن حادث ميونيخ الذي انفجرت فيه قنبلة وضعت في مكان الاحتفال الذي كان يخطب فيه هتلر ، وانفجرت عقب انصرافه بقليل ، وذهب ضحيتها عدد كبير من القتلى والجرحي ، هو حادث عظيم الدلالة على سير الحوادث في ألمانيا ؛ ومع أن ألسنة الدعاية الألمانية حاولت بأن تلقي في روع الشعب الألماني والرأي العام الخارجي أن الحادث من تدبير بعض العناصر العادية للنظام الهتلري وللحزب النازي ، وأنه وقع على أي حال نتيجة لبعض المؤثرات الخارجية ، وذهبت في هذا الغرض إلي حد القول باشتراك قلم الاستخبارات البريطانية في تدبيره ، فان هذه الايضاحات لم تقنع الرأي الخارجي بوجاهة النظرية الرسمية الألمانية في شأنه ؛ ذلك أن في ظروف الحادث وفي تفاصيله ، وفيما هو معروف من شدة الرقابة التى تقوم بها السلطات النازية في مثل هذه المناسبات ، ما يحمل على الظن بأنه قد يكون من تدبير البوليس السري السياسي ذاته ( الجستابو ) وأنه دبر لغاية خاصة تبدو آثارها اليوم في إجراءات القمع الجديدة التي تنشط الحكومة النازية إلي القيام بها .
وسوابق حكوية ألمانيا النازية ، وشناعة وسائلها الإجرامية السياسية مما يبرر مثل هذا الشك ؛ ويكفي أن
تذكر أنها هي التي دبرت حريق الريخستاج الشهير في في بداية اضطلاعها بأعباء الحكم ، ونسبت هذه الجريمة إلي الحزب الشيوعي ، كي تفوز بهزيمته في الانتخابات البرلمانية ؛ وفي يونيه سنة ١٩٣٤ قام هتلر ومعاونوه بمذبحتهم الشهيرة التي زهق فيها مئات من أعضاء الحزب النازي والزعماء السابقين ، وذلك بحجة أنهم اشتركوا في مؤامرة يراد بها قلب الحكم ، وهي مؤامرة لم تقدم عنها أية أدلة ، ولم يجر بشأنها أي تحقيق أو محاكمة ، وكانت علي الغالب من صنع هتلر ومعاونيه الأقربين لتكون ذريعة للتخلص من معارضيهم الذين يخشون بأسهم ورقابتهم ؛ وعلي هذا المنوال دبر حادث ميونيخ ، لتجني الحكومة الهتلرية من ورائه نتائج سياسية معينة . والواقع أنه يبدو من دلائل وأمارات كثيرة ، أن المعارضة قد اشتدت بوادرها منذ وقوع الحرب ، وظهرت في قلب الحزب النازي ذاته ، وأخذ الصراع الخفي بين الفريقين المتنازعين يهدد سلطان النظام الهتلري ؛ ومن صالح هتلر ومعاونيه القابضين على السلطة أن تقمع هذه العناصر قبل أن يستفحل أمرها ، وإذا فلا يد من وجود مبرر لهذا القمع أو التطهير وقنبلة ميونيخ يمكن أن تتخذ مبررا سياسيا بديعا للقيام بمثل هذه الحركة ، وهي تتخذ الآن بالفعل ذريعة للقيام بحركة مطاردة واسعة النطاق لجميع العناصر التي يخشى من معارضتها ، سواء داخل الحزب وخارجه ، والتخلص منها بالقتل والسجن في معسكرات الاعتقال المروعة ، ومنها الكاثوليك واليهود وأنصار النظام الملكي .
وإذا كانت مثل هذه الوسائل والأجراءات المكشوفة لا تكفي لاقناع الرأي العام الخارجي بصحتها ومشروعيتها ، ففي وسع الدعاية النازية أن تتقدم بمزاعمها إلي الشعب الألماني الذي يعيش بمعزل عن بافي العالم ، وأن تقنع فريقا كبيرا منه بأن أعداء ألمانيا يأثمرون بحياة زعيم ألمانيا ومنقذها من ظلم فرساي ، وانه يحق للحكومة إزاء ذلك أن تتخذ الاجراءات المشددة لقمع المعارضين خصوم النظام والحزب
وخصوم ألمانيا الكبرى .
على أن الحادث في ذاته ، سواء أكان من تدبير العناصر المعارضة ، أم كان حسبما يظن من تدبير البوليس السري السياسي ( الجستابو ) ، ينطوي علي مغزي ودلالات خطيرة تلقي ضوءا على سير الحالة الداخلية في ألمانيا ؛ فهو يعني قبل كل شئ أن المعارضة للنظام الهتلري قد اشتدت إلي حد يزعج القابضين على ناصية الحكم ، أعني هتلر ومعاونية الأقربين ؛ وأنه إذا كانت مؤامرة ميونيخ من تدبير العناصر المعارضة ، سواء داخل الحزب ذاته أو خارجه . كالعناصر الشيوعية والملكية وغيرها ، فمعناه أن هذه العناصر قد بلغت حدا من القوة يسمح لها بالاقدام علي أعمال العنف ، في حين أنها لم تكن تستطيع التنفس من قبل ، وأن رقابة البوليس السياسي ، وفرق الهجوم ، ومختلف الاجراءات الصارمة التي تلجأ إليها الحكومة النازية لاخماد كل صوت معارض ، لم تعد كافية لحماية النظام الهتلري ، وحماية " الزعيم " من تدابير المعارضة ، وأن هذه التدابير قد تسفر عاجلا أو آجلا عن الغرض المنشود ، وهو قلب هذا النظام الحديدي الدموي ، الذي ترزح ألمانيا تحت عبثه المرهق منذ عدة أعوام ، والذي دفع بها إلي أنون الحرب ، وهاوية الخراب . أما إذا كانت المؤامرة من صنع " الجستابو " وتدبيره ، فمعناه أيضا أن المعارضة قويت إلي حد بزعج الحكومة الهتلرية ، ويحملها على التذرع بوسائلها الاجرامية المعروفة لاخماد هذه المعارضة ، وعلى أن تحاول تبرير إجراءاتها الدموية بظاهر من الشرعية علي الأقل في نظر الفريق المخدوع من الشعب الألماني .
وأما اضطرابات بوهيميا ففي اتساع نطاقها ، ووحشية الأساليب التي أتخذت لقمعها ، ما يدل على أن ألمانيا الهتلرية بدأت تجني عواقف سياستها الاعتدائية الغاشمة ففي النمسا، وفي بلاد التشك ( بوهيميا ومورافيا ) تشتد وطأة الحكم النازي باشتداد حركة المعارضة؛ وقد اتخذت هذه الحركة في بوهيميا منذ بداية الحرب صورا عنيفة ،
واشتدت السلطات الألمانية في قمعها ، ولم تدخر في ذلك شيئا من أساليبها المثيرة ؛ ولقد قلنا غير مرة إن استيلاء ألمانيا على تشيكوسلوفا كيا كان أعظم خطأ ارتكبه هتلر ، وأنه كان اعظم عامل في تطور سياسة الدول الغربية ، وتحولها نهائيا عن سياسة الوفاق مع ألمانيا ، واعتزامها مقاومة ألمانيا بمثل أساليبها العنيفة ، وتعتقد اليوم أن حوادث بوهيميا الأخيرة إنما هي إنذار واضح لهتلر ، وأنها قد تغدو في القريب العاجل عاملا خطيرا في إزعاج الحكومة الهتلرية ، وتشجيع حركة المعارضة في النمسا وباقي أنحاء الريح " .
والواقع أنه لم يبق شك في أن النظام الهتلرى يجوز أزمة داخلية شديدة . وقد ظهرت بوادر هذه الأزمة واضحة قبيل نشوب الحرب على أثر عقد الميثاق الألماني السوفيتي ، وما أحدثه من صدمة عنيفة في بعض الدوائر النازية التي ظلت على بغضها القديم لروسيا البلشقية ؛ وأثارت ألمانيا الهتلرية الحرب عامدة معولة على أن تضرب ضربتها السريعة في بولونيا ، وأن تعمل بعد ذلك على إرغام انكلترا وفرنسا على عقد الصلح وقبول الأمر الواقع ؛ ولما انتهت بمعاونة التدخل الروسي من الإجهاز على بولونيا بالصورة البربرية التي تمت ، قامت بمحاولتها لعقد الصلح ، ولكنها فشلت إزاء حزم انكلترا وفرنسا ورفضهما عقد صلح يقوم علي الأمر الواقع ؛ وتطورت الحوادث بصورة مزعجة ، فبسطت روسيا ، فضلا عن استيلائها على نصف بولونيا الشرقي ، حمايتها على دول البلطيق ، واستردت سيادتها السياسية والعسكرية على شواطئه الشرقية ، وقضي بذلك على نفوذ المانيا ومشاريعها في هذه المنطقة ؛ وكذلك منيت ألمانيا بالفشل الذريع في سياستها البلقانية ، وجاء عقد الميثاق الثلاثي بين تركيا وانكلترا وفرنسا ضربة شديدة لخططها ومطامعها في جنوب شرقي أوربا ؛ ثم كان صدور قانون الحياد الأمريكي ، ورفع الحظر عن تصدير السلاح ،
وما يهيئه ذلك للدولتين الحليفتين من فرص عظيمة لاستيراد المواد الحربية والأسلحة من أمريكا ، نذيرا آخر لألمانيا يجب أن تحسب حسابه في المعركة الهائلة التى يجب ان تخوضها ، ومن جهة أخري فقد ألقت ألمانيا نفسها في الغرب أمام قوي إنكلترا وفرنسا الزاخرة ، ولم تستطع حتى اليوم أن تقوم في الجبهة الغربية بأي عمل حاسم ، ولم تسفر حرب الغواصات التي عولت عليها ، عن نتائج ذات شأن ، ولم تفلح في خرق الحصار الانكليزي أو تخفيف وطأته ؛ وفي موقف هتلر ومعاونيه ، وفي جمودهم المستمر كثير مما ما يدل على حيرتهم وترددهم في شأن الخطط أو السبل التي يجب اتباعها ؛ ومنذ اسابيع ونحن نسمع عن مشاريعهم في غزو انكلترا من الجو ، أو خرق حيدة هولندا وبلجيكا أو سويسرا ، أو غيرها ، ولكن الامر لم يعد حتي اليوم حدود الكلام والوعيد الأجوف .
وليس من شك في أن الشعب الألماني قد بدأ يشعر بفداحة المأزق الذي دفعته إليه سياسة زعمائه الطائشة ، وبدأ يرتاب في حكمة هؤلاء الزعماء وكفايتهم ، ويلمس ترددهم وتخبطهم واضحا ؛ كما انه بدأ يعاني الكثير من آثار الحصار والضيق الاقتصادي ؛ وهو بلا ريب يتساءل اليوم عن مصيره في ظل هذا النظام الذي ساقه إلى هذا الصراع المحفوف بالمخاطر ؛ وإذا كان من الواجب ان تتقبل كل ما يقال عن اشتداد العارضة للنظام الهتلري بشيء من التحفظ ، فأنه لا ريب مع ذلك أن تلك المعارضة قد وجدت فعلا ، بعد أن كانت معدومة من قبل ، وأخذت آثارها تبدو واضحة في سير الحوادث الداخلية ؛ وفي نظرنا أن قنبلة ميونيخ ، وما ترتب عليها من حركة التطهير الدموية التي تقوم بها السلطات النازية في جميع أنحاء ألمانيا ، وحوادث بوهيميا الأخيرة ، هي مقدمات خطيرة الدلالة والمغزي لما قد تسفر عنه الحوادث الداخلية في ألمانيا في المستقبل القريب .
