كان لدخول الولايات المتحدة الامريكية ( أمريكا ) في أواخر الحرب الكبرى إلي جانب الحلفاء بلا ريب اثره الحاسم في معاونة الحلفاء علي نيل النصر ؛ ولكن حماسة الشعب الأمريكي نحو الشئون الأوربية ما لبثت أن فترت بعد انتهاء الحرب مباشرة ، وكانت أمريكا هي الدولة
الوحيدة التي رفضت إبرام معاهدة الصلح التي اشتركت في وضعها ، ورفضت الانضمام إلي عصبة الأمم التي كان ممثلها الرئيس ولسون أكبر العاملين على انشائها
وأمريكا تواجه اليوم إزاء الشئون الأوربية موقفا كالذي كانت تواجهه في أواخر الحرب الكبرى ؛ ومع
ان أوربا تواجه اليوم خطر الحرب فقط ، فإنها من جهة اخري تضطرم بعناصر معركة حقيقية من نوع جديد ؛ فالدول الدكتاتوريه قد استنت لنفسها سياسة جديدة ، هي سياسة العبث بالمعاهدات المعقودة ، وبأحكام القانون الدولي ، والاعتداء المنظم على الدول الصغري ، والدول الديمقراطية من جانبها تحاول ان تقاوم هذه السياسة التي تكاد تضرم نار الحرب بين اونة واخري ؛ والتسليحات المروعة ، والاستعدادات الحربية على اشدها في العسكرين . وامريكا تشهد هذا الصراع بإهتمام ، وتريد ان تتحوط من جانبها لما عسى ان تتعرض إليه من جرائه ، وان تقرر موقفها نحوه ، خصوصا مني وقع الانفجار المرتقب .
وقد أظهرت أمريكا حتى اليوم ميلها وعطفها نحو المعسكر الديمقراطي ) انكلترا وفرنسا ( ؛ وبلغت هذه القاهرة اشدها في النداء الذي ارسله الرئيس روزفلت في أبريل الماضي إلي كل من زعيمي الدولتين الدكتاتوريتين ، يدعوهما فيه إلى التعهد بعدم الاعتداء على الدول المستقلة القائمة ؛ ولكن هذا العطف لا يمكن أن يعتبر في ذاته سياسة مقررة ؛ والحكومة الأمريكية تريد ان تحدد منذ الان بصورة دستورية المبادئ الاساسية التي يحسن ان تسير امريكا عليها متي قامت حرب اوربية او اسيوية ؛ وهذه المبادئ يجب أن تدمج في قانون الحياد ، الأمريكي .
وقانون ( الحياد) الذي يحتدم الصراع اليوم من اجله بين الرئيس روزفلت ومعارضيه ، قد وضع اصلا في سنة ١٩٣٥ ، ثم عدل في سنة ١٩٣٧ . وهو في حقيقته ونصوصه لا يتفق مع قواعد " الحياد " التي يقررها القانون الدولي ؛ وإنما هو في الواقع نظام خاص تحرص أمريكا على تقريره حتى لا يفوتها أن تجني ما يمكن أن تجنيه دولة مثلها ، ذات موارد صناعية وزراعية عظيمة ،
باسم الحياد من وراء حرب دولية لا تريد ان تشترك فيها بطريق مباشر
نظرية الرئيس روزفلت أو النظرية الديمقراطية
ويجب أن نلاحظ أولا أن سياسة الرئيس روزفلت نحو الشئون الأوربية ، إنما هي بإحياء اسياسة الحزب الديمقراطي التي بلغت ذروتها أثناء الحرب الكبرى علي يد الرئيس ولسون ؛ وروزفلت ، هو اليوم ، كما كان سلفه ولسون ، قائد الحزب الديمقراطي . وتتلخص نظرية روزفلت وانصاره في أنه يجب أن يحدد مركز أمريكا منذ الآن نحو الأزمة الدولية تحديدا دقيقا ، وأنهم في الواقع يعبرون عن رأي الأغلبية العظمي من الشعب ، في القول بوجوب اتخاذ عمل إيجابي ضد محاولات السيادة التي تقوم بها اليوم ألمانيا وإيطاليا واليابان بالقوة الغاشمة ، وأنه لا توجد إزاء الاضطراب الدولي الحاضر ، سوي وسيلة واحدة لصون السلم ، هي العمل لحمايته وتأييده بالقوة ؛ وأمريكا تنتمي إلي نفس الحضارة والنظم التي تنتمي إليها لكلترا وفرنسا ، والتي تعملان للدفاع عنها ، فكيف يسوغ لامريكا أن تتخلف عن تأييدهما في حماية التراث المشترك ؟ ثم إن الدول الصغري قد أصبحت جميعا هدفا لاعتداء الدول الدكتاتوريه ، وقد فشلت سياسة التهدئة ، فلا مناص إذا - إذا أريد حفظ التوازن الدولي وسلام العالم - أن تعود الدول الديمقراطية إلي التمسك بوسائلها القديمة ، وأن تعمل معا على تدعيم جبهة مقاومة الاعتداء .
هذا ، ولا ريب في أن تأييد أمريكا الآدبي للمعسكر الديمقراطي ، إنما هو ضمان قيم لوقف الدول الدكتاتورية عند حدها ، وربما كان من اكبر العوامل الحالية في وقف الحرب ، وتخويف ألمانيا وإيطاليا من عواقبها .
تلك هي نظرية الرئيس روزفلت وانصاره ، وهي نظرية تلقي اليوم تأييدا عظيما في أمريكا . ومن ثم فقد رأي الرئيس روزفلت ، بما له من السلطة التنفيذية ، ان يتقدم إلي البرلمان الأمريكي بمشروع قانون جديد للحياد ، روعيت في وضعه هذه الاعتبارات
قانون الحياد الجديد
والقانون الجديد من وضع المشترع سل بلوم ، ويقوم على المبادئ الأساسية الآتية :
أولا - يحتفظ الرئيس بحق تقرير وجود حالة الحرب بين دولتين أو أكثر .
ثانيا - إذا تقرر انه توجد حالة حرب ، فان الولايات المتحدة تستمر في بيع الأسلحة والمواد الحربية إلى الدول التجارية ، على شرط ان يؤدي المشتري الثمن فورا ، ويحمل بنفسه ما اشتري (cash and carry ).
ثالثا للرئيس الحق في أن يحدد مناطق القتال التي تحفر على السفن الأمريكية ارتيادها ، وفي خارج هذه المناطق تكون التجارة الأمريكية حرة وفقا لمبادئ حرية البحار .
والفقرة الثانية هي بلا ريب نواة القانون ، وهي تتفق تمام الاتفاق مع نظرية الرئيس روزفلت وغايته في تأييد الجبهة الدعقراطية تأييدا قويا مباشرا . ذلك انه لا يوجد بين الدول العظمي من تستطيع الشراء بالنقد ، سوى إنكلترا ، ومن جهة اخرى فان إنكلترا وفرنسا هما وحدهما اللتان تستطيعان حمل ما تشتريانه على سفنهما . فهما تملكان سيادة البحار ، والطريق بينهما وبين امريكا مفتوح ؛ أما المانيا وإيطاليا ، فواضح انهما نظرا لنضوب مواردهما المائية لا نستطيعان الشراء بالنقد ، ولا يتسنى
استفيهما في حالة الحرب إن تعبر إلى الإطلانطيق ، وذلك من جراء الحصار الذي بفرض عندئذ على شواطئهما .
وقد أودع المستر كوردل عل وزير الخارجية مشروع هذا القانون بمجلس النواب ، وبحثه بالفعل لجنة الشؤون الخارجية لهذا المجلس ، ووافقت عليه بأغلبية ١٢ إلي ٨ أعضاء ؛ ولكن المجلس الذي يتمتع فيه الرئيس روزفلت بأغلبية قوية ، ادخل مع ذلك على القانون تعديلا يقضي بحظر بيع المواد الحربية إلي المتحاربين ، ولا يستثني من ذلك سوي الأدوات والمهمات الصناعية . ولكن مجلس الشيوخ ، وهو الشق الثاني من البرلمان الامريكي ) الكو نجرس ( ، كان أشد معارضة لمساعي الرئيس روزفلت ذلك أنه أبي أن ينظر القانون بتاتا أثناء الدورة القائمة . وأصر على تأجيل النظر فيه إلي الدورة القادمة ، أعني إلي يناير القادم ؛ ويلاحظ أنه منذ شهر مايو الماضي ، قد انتهي سريان مبدأ بيع السلاح على قاعدة " ادفع واحمل " ولم يبق من قانون الحياد القائم سوي الحظر علي بيع السلاح ، وهو نص يطبق من تلقاء نفسه في حالة الحرب ، وذلك على جميع المتحاربين على السواء .
وعلى ذلك فلم يبقي امام الرئيس روزفلت ، سوى أمل واحد لحمل مجلس الشيوخ على النظر في مشروع القانون الجديد ، وهو استعمال حقه الدستوري في دعوة " الكونجرس " إلي الانعقاد ، وذلك إذا وقعت ظروف وطواريء تبرر مثل هذه الدعوة .
نظرية الجمهوريين أو نظرية العزلة
ويلاحظ ان مجلس الشيوخ ، هو معقل المعارضة ، ومعقل الحزب الجمهوري ، وهو ثاني الحزبين الأمريكيين
اللذين يتداولان الحكم ؛ ونظرية الجمهوربين وانصارهم تتلخص في وجوب تمسك أمريكا بمبدأ العزلة ، والأعتصام تذهب مونرو ، وعدم التدخل في شئون أو أزمات لاصلة لها بالعالم الجديد ؛ ومن ثم فإنه يجب على الحكومة والبرلمان أن يعملا علي حماية البلاد من وبلات الحرب ؛ وأمريكا قارة متيعة ، وعالم قائم بذاته ، فلا شأن لها عنازعات أوربا ، وإذا كان السترام العزلة من أصعب الأمور ، فإنه مع ذلك ضروري المحافظة على سلام القارة الأمريكية ، نعم قد تكون سياسة الرئيس روزفلت في معارضة الدول الدكتاتورية ، معبرة عن عواطف الشعب الأمريكي ، ولكن الحكومات لا تعمل بوحي العواطف ، ومن الواجب ألا تحر هذه السياسة الأمة الأمريكية إلي القيام بأي عمل إيجابي ضد العسكر الدكتوراتوري ، أو بعبارة أخري لا يسوغ مطلقا أن تدفع بها إلي خوض الحرب . والخلاصة أن أصحاب هذه النظرية لا يعنون بأمر السلام إلا في أمريكا وحدها ، ومن رأيهم أنه إذا وقعت الحرب في أية بقعة أخري غير القارة الأمريكية فلا شأن لأمريكا بها ولا بنتائجها .
على أنه يلاحظ أن نظرية العزلة قد فقدت إزاء الظروف الدولية الحاضرة كثيرا من وجاهتها القديمة ؛ فالعالم اليوم يكاد يكون وحدة متصلة متشابكة المصالح في جميع النواحي ؛ والأزمة الدولية الحاضرة لا ترجع إلي اسباب او عوامل محلية ، بل ترجع إلي اسباب وعوامل عالمية ، وهي تتعلق بمصاير جميع النظم القائمة من سياسية واقتصادية واجتماعية ، بل تتعلق بمصاير الحضارة القائمة كلها ، فكيف يطلب إلي دولة عظمي ان تقف جامدة تشهد انهيار النظم والحضارة الانسانية كلها تحت ضربات النظم والقوى البربرية المخربة ؟ فالعزلة السياسية في مثل هذه الظروف تكاد تغدو امرا مستحيلا . والواقع أن الحزب الجمهوري يروج لهذه
النظرية قبل كل شئ لاعتبارات محلية ، فالمعروف ان انتخابات الرياسة ستقع في اقل من عام ، اعني في ربيع العام القادم ؛ والجمهوريون يرون في قانون الحياد طريقة لمحاربة الديمقراطيين ، والأضعاف من هيبة روزفلت ، وهم يخشون ان يتقدم روزفلت إلي الشعب مباشرة فيتم عطفه وتأييده ، وهم لذلك يحاولون اجتذاب الشعب بنظرية العزلة والسلام المحلى ؛ وعلى ذلك فإنه ينتظر أن تدور انتخابات الرياسة القادمة - سواء تقدم إليها روزفلت للمرة الثالثة أو لم يتقدم - حول سياسة أمريكا الخارجية .
ومن الصعب أن نتنبأ الآن بمصير قانون الحياد ، أو بمصير سياسة الرئيس روزفلت ؟ بيد أن الرأي الراجح هو ان الظروف والقرائن كلها تحمل على الاعتقاد بأن الرئيس روزفلت سيفوز في النهاية بتنفيذ قانونه وسياسته . ( )

