الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 330الرجوع إلى "الرسالة"

موقف العلم من الكمال الإنساني

Share

( تتمة ما نشر في العدد الماضي )

انتهينا في حديثنا السالف إلى أن العلم قد استعبدته الأغراض  في أكثر مراحل حياته، فعاش في خدمة الإنسان يحقق مطالب  حياته العملية، أو يستجيب لنداء عقيدته الدينية، وأقام على هذا  الاستعباد طول عمره، إذا استثنيت مرحلتين من حياته تحرر  فيهما من ذل الأغراض، هما عهد اليونان، والفترة الأخيرة من  عصرنا الحديث. وقد أشرنا فيما أسلفنا إلى الروابط التي أخذ  ينشئها المحدثون من العلماء بين العلوم الطبيعية والفنون الجميلة،  بتوحيدهم الغاية التي ينتهي إليها كل منهما، فكان علينا إذا رغبنا  في الحديث عن صلة العلم بالكمال الإنساني أن نتناوله عند  (بيكون) ابن العلم الحديث، ورب الدعوة إلى تسخيره لصالح  الإنسان.

3 - الكمال عند بيكون

تمرد رجال النهضة على العصور الوسطى، وأقبلوا يحملون  - فيما حملوا - معاول الإصلاح الديني، وحطموا بها الكنيسة  وسلطانها الذي هيمنت به على قلوب الناس وعقولهم أجيالاً طوالاً  وسار في موكبهم حواريو العلم الطبيعي يتقدمهم رجال الفلك، من  كورنيكوس وتيخوبراهي وغاليليو وكبلر، وشنوا الغارة على علم  الأقدمين ومكنتهم الآلات التي اخترعوها من الكشف عن  كثير من أخطائهم، وبذلك هتكوا عصمتهم، وحطموا قداستهم  وأعلنوهم لطلاب العلم ناساً كسائر الناس، ومهدت هذه الحركات  لظهور (بيكون) في أواخر القرن السادس عشر، فتقدم بعقله  الواسع وقلمه السيال، للانضمام إلى موكب المحاربين، وساهم  بأوفر نصيب في تحطيم الفلسفة الجدلية التي شاعت عند المدرسيين،  وهدم القياس الذي استعاروه عن أرسطو ليحل مكانه منطقاً قائماً  على الاستقراء، فوضع بذلك أساس المنهج التجريبي، وبدأ العلم

في عصره الحديث على يديه، ورسم للباحث منهجه وحدد له غايته،  فدعا إلى تطهير العقل من الأوهام التي تعرقل طلاقته، ونادى  بالإكثار من جم المشاهدات وإعداد تاريخ لكل منها، وتصنيفها  توطئة لمقارنتها بعضها ببعض، واستنباط العلل الكامنة وراءها،  وتسخير النتائج التي يهتدي إليها العلماء لخدمة المجتمع، وتوفير  أسباب الكمال لأفراده، فربط بذلك بين العلم والكمال الإنساني،  وصور هذه النتيجة قي كتاب صادف عند الكثيرين من المؤرخين  مديحاً ملحوظاً ذلك هو New Atlantis الذي صور فيه مجتمعاً  مثالياً - على نمط جمهورية أفلاطون والمدينة الفاضلة للفارابي -  وتوافرت في مجتمعه أسباب الكمال، وتهيأت لأفراده ألوان  النعيم؛ وأظهر ما في هذا المجتمع المثالي مما يعنينا في مقالنا (بيت  سليمان) وهو يشبه المؤسسات العلمية التي تقام في عصرنا الحاضر  للعمل على تقدم العلم وإنهاضه، وقد حدد الغرض الذي يرمي إليه  هذا البيت بالكشف عن أسباب الظواهر والاهتداء إلى علل  الأشياء، والتمكين لسلطان الإنسان حتى يتيسر له القيام بكل  عمل ممكن؛ وتحقيقاً لهذه الغاية أنشئت المعامل لإجراء التجارب  في مختلف فروع العلم من طب وطبيعة وصناعة وزراعة. وأقيمت

المراصد لمراقبة الظواهر الجوية، وحفرت البرك والبحيرات  لتربية الأسماك وسائر الأحياء المائية... ولما كان بيكون شديد  العناية بالإكثار من جمع المشاهدات والإسراف في عمل  التجارب رغبة في تمكين البحث، وعدم التسرع في استنباط  القوانين العامة من الجزئيات القليلة، فقد رأى أن يوفد بيت  سليمان فئة من العلماء بين الحين والحين، يجوبون البلاد الأجنبية،  ويرتادون الآفاق النائية في طلب المشاهدات، وجمع الكتب وكتابة  التقارير عما يصادفهم من غريب الظواهر، وبذلك ترقى العلوم  ويتيسر لأهلها أن يفهموا الطبيعة على وجهها الصحيح، لا اقتصاراً  على فهمها، بل توطئة لبسط سلطانهم على ظواهرها، واستغلال  سيادتهم لها، في الانتفاع بها والإفادة من مواردها ما استطاعوا  إلى ذلك سبيلاً وبذلك يرقى المجتمع وينهض أفراده. وقد جره  هذا التصور إلى أن يكل حكم المجتمعات إلى العلماء والفلاسفة  الذين لا يقنعون بالاطلاع على ما تحويه بطون الكتب، وإنما يولون  جهودهم شطر الطبيعة ليجمعوا منها المشاهدات توطئة لاستغلال

فهمهم لها في ترقية المجتمع والعمل على تطوره إلى الكمال تلك صورة مصغرة لهذا المجتمع المثالي الذي يتحقق فيه الكمال  الإنساني فيما بدا لبيكون. ولم يكن هذا التصور غريباً على العصر  الذي دوت فيه هذه الصيحة، فقد اتجهت فيه أنظار أهل العلم  والأدب والفن إلى الطبيعة، وراح كل يعبر عنها بطريقته وفي  حدود منهجه، واهتم العلم بالسيطرة على ظواهرها أملاً في استغلال  مواردها، واتقاء شرورها، وملأ الحياة الإنسانية بالخير والهناءة. وقد تساءل (كامبانيلا) - معاصر (بيكون) - في مجتمعه  المثالي عن موقف الإنسان الجديد من الرقيق، وانتهي إلى القول  بأن مخترعات العلم الحديث ستوفر للناس وقتهم، وتغنيهم عن الرقيق  والعبيد، وتجعلهم سادة للطبيعة، وتملأ حياتهم بالسعادة...

تلك هي النزعة التي شاعت في أوربا أواخر عصر النهضة،  وهي قائمة على الأمل الباسم في قدرة العلم على تحقيق السعادة للناس.  وقد مكن لهذه النزعة بيكون في مستهل القرن السابع عشر،  ودفعها إلى العصور الحديثة، فانطلقت أبانها تسعى حثيثة حتى  خابت في العلم آمال الناس، وتحرر العلماء من ذل الأغراض  - على نحو ما عرفنا في مقالنا السالف -

والآن بعد أن قطع العلم هذه المراحل الطويلة في تحقيق  الغاية التي كان يرجوها (بيكون) وأشياعه، نرى من حقنا  - وقد اندلعت نار الحرب وراح العلم يقدم لها الوقود - أن نتساءل  عن مدى ما حققه العلم من الكمال، ومبلغ ما أسبغه على الناس  من نعم. وليس هذا السؤال بجديد في تاريخ الفكر، فكثيراً  ما تردد في أبحاث الأدباء والفلاسفة، واختلفت في الإجابة عليه  وجهات النظر. ولقد ذهب بعض الذين تناولوا بالبحث هذا  الموضوع إلى الطعن في العلم وما يترتب عليه من ألوان الحضارة  والمدنية، والدعوة إلى العيش على مقتضى الإلهام الطبيعي البسيط،  وقد نادى بهذه النزعة في القرن الثامن عشر (جان جاك روسو)،  ولم يقصر هجومه على العلوم الطبيعية وحدها، وإنما تجاوز آفاقها  إلى الطعن في العلم بأوسع معانيه، فشملت غارته الآداب والفنون  كذلك، فلنعرض - في إيجاز - حلمه الذي كان يرى فيه  تحقيقاً لسعادة الناس، وسنرى بين آرائه وآراء (بيكون) هوة  سحيقة القرار:

اشترك في نشرتنا البريدية