الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 51الرجوع إلى "الثقافة"

موقف ايطاليا، من الزحف الروسى نحو الوسط والجنوب

Share

للمرة الثانية منذ نشوب الحرب الأوربية يجتمع المجلس الفاشستي الأعلى ليحدد مرة أخرى موقف إيطاليا من الحوادث والتطورات السياسية والعسكرية الأخيرة ، وليلقي شيئا من الضياء على وجهات النظر الايطالية .

ونذكر ان المجلس الفاشستي أصدر قراره فى مساء يوم أول سبتمبر ، أعنى على أثر بدء الزحف الألمانى على بولونيا ، بأن إيطاليا لن تدخل حربا اعتدائية ، فكان قراره مثار الدهشة والارتياح معا ، أما الدهشة فلأنه

لم يكن من المتوقع أن تلقى رومه مثل هذا التصريح ، فى نفس اليوم الذى تندفع فيه شريكتها وحليفتها فى المحور لأول مرة إلى خوض حرب حقيقية ؛ وأما الأرتياح ، فلأن التزام إيطاليا موقف الحيدة مما يعاون على حصر نطاق الحرب ، وعلى صون السلام فى حوض البحر الأبيض المتوسط .

وقد مضى منذ نشوب الحرب أكثر من ثلاثة أشهر ، وتطورت الحوادث بسرعة ، فصرعت بولونيا ، وقسمت

بين ألمانيا وروسيا ، وامتد الزحف الروسى نحو الشرق ، وفرضت روسيا حمايتها على دول البلطيق ، ولما حاولت فنلندا أن تجتنب المصير الذى فرض على زميلاتها ، وأن تحافظ على استقلالها ، انقضت عليها روسيا بقواتها الزاخرة لتجهز عليها ؛ ففي هذه الآونة التى تقف فيها فنلندا الصغيرة مستبسلة فى الدفاع عن كيانها أمام جارتها الكبيرة المتجنية عليها ، يجتمع المجلس الفاشستي للمرة الثانية ، ويؤكد قراره الأول (( بعدم دخول إيطاليا الحرب )) ؛ ثم يقرنه بتصريحين جديدين هما :

أولا - أن المجلس يصرح إزاء الأنباء المغرضة التى تذيعها المصادر الأجنبية ، بأن العلائق بين إيطاليا وألمانيا ستظل كما حددها ميثاق التحالف بين البلدين ووفقا لتبادل وجهات النظر الذى تم قبل ذلك وبعده .

ثانيا - أن كل ما يمكن أن يقع فى حوض الدانوب وبلاد البلقان لابد أن يهم إيطاليا مباشرة نظرا إلى حدودها الأقليمية والبحرية التى أصبحت مجاورة لهذه المنطقة بعد ضم البانيا إلى إيطاليا .

-١- ولنترك جانبا ما يثيره الفرق بين (( الحياد )) وبين (( عدم  الدخول فى الحرب )) وهى العبارة التى يتمسك بها المجلس الفاشستى للتعبير عن موقف إيطاليا ، فان مؤداهما واحد من الناحية العملية ، وهى أن إيطاليا تؤكد مرة أخرى أنها لا ترغب فى الاشتراك فى الحرب .

غير أن إيطاليا تصرح فى نفس الوقت بأن كل ما يمكن أن يقع فى حوض الدانوب وبلاد البلقان لابد أن يعنيها بصفة مباشرة ، أو بعبارة أخري إنها قد تعدل موقفها إذا سارت الحوادث فى هذه المنطقة بما لا تشتهى ، ورأت أن فيها ما يهدد مركزها او مصالحها ، سواء فى حوض الدانوب أو فى بلاد البلقان .

وإذا كانت إيطاليا لم تصرح باسم الدول التى يمكن أن

يقع على يدها مثل هذا التهديد لصالحها ، فمن البديهى أن الإشارة هنا لا يمكن أن تنصرف إلا إلى روسيا وألمانيا ، وهما الدولتان القويتان اللتان تجاوران هذه المنطقة ، واللتان تنهض القرائن منذ الحرب على أنهما تضمران نحو المجر والدول البلقانية خططا ومشاريع لم تتضح بعد حقيقتها ومداها . بل هناك ما يدل على أن إيطاليا تعنى على وجه التخصيص بهذا الانذار روسيا السوفيتية ؛ فمن أسابيع تتوالى حملات الصحف الايطالية على البلشفية وزعمائها ، وعلى سياسة موسكو وموقفها تجاه الدول البلقانية ، وما كشفت عنه أخيرا من اتجاهها إلى التوسع نحو الشرق والجنوب ؛ وتؤكد أن إيطاليا لا يمكن أن تسمح بامتداد الشيوعية إلى حوض الدانوب أو البلقان . ولما زحف الجيش الأحمر أخيرا على فنلندا ، لم تكتم الصحف الايطالية سخطها على هذا الاعتداء ، ونظمت المظاهرات فى جميع أنحاء إيطاليا إظهارا لعطف الشعب الايطالى على فنلندا ، وأرسلت إيطاليا بصفة غير رسمية عددا من الطائرات إلى فنلندا معاونة لها على الدفاع عن نفسها ضد الغزو الروسى .

ومع أن إيطاليا لا تعنى بأمر التوسع الروسي فى منطقة البلطيق بصورة مباشرة ، فانها تنظر بجزع إلى تقدمه واتساع نطاقه ، وترقب فى يقظة وتحفز خطوة روسيا التالية . هل يكون تحرك روسيا البلشقية واندفاعها نحو الشرق استئنافا لسياسة روسيا القيصرية ؟ وهل تتحول روسيا بعد انتهائها من الاجهاز على فتلندا ، نحو المجر ورومانيا والبلقان ، فتنتزع منها بعض الأراضى ، ثم تحاول السيطرة على البواغيز التركية (البوسفور والدردنيل ) لتغلق البحر الأسود فى وجه الدول الغربية ؟ وهل تحاول روسيا بث المبادىء الشيوعية فى تلك المنطقة استئنافا لخطتها القديمة فى العمل على بث الثورة العالمية ؟ هذه هى المسائل التى تشغل بال إيطاليا وبال الدول ذات الشأن ،

والتى لاريب أن تصريح المجلس الفاشستى يقصدها وبعنيها .

ومع ذلك فانه يصعب علينا أن نتبين خطة إيطاليا تجاه هذه الاحتمالات بصورة واضحة ، فقد لجأت إيطاليا حتى الآن إلى العمل السياسى فى مقاومة الضغط الروسى على المجر ودول البلقان ، ولكن يلوح لنا أنها قد لا تتأخر عن العمل الحربى إذا أصبح الغزو الروسى لهذه المنطقة حقيقة واقعة ، والدفاع بقوة السيف عن مركزها ومصالحها .

وتعتبر رومانيا هى موطن الخطر والهدف الأول للغزو الروسى ؛ والمعروف أن لروسيا إزاءرومانيا مطالب إقليمية تتعلق بإاسترداد ولاية « بسارابيا » الروسية ، وهي الرقعة الممتدة من مصب نهر الدانوب إلى جبال الكربات ، والتى ضمت إلى رومانيا بمقتضى معاهدات الصلح ؛ وقد لوحت الصحف السوفيتية غير مرة بهذه المطالب ، وهددت رومانيا بمصير كمصير بولونيا ؛ ولا ريب أن هذه التلميحات تطابق خطط موسكو ، وإن كانت قد أنكرتها فى بلاغ رسمى .

وليس يبعد أيضا أن تكون موسكو متطلعة إلى ما هو أبعد من ذلك ، وأن يكون من برنامجها الزحف نحو البوسفور والدردنيل ، ومحاولة الاستيلاء على قسطنطينية ، وتحقيق حلم القياصرة القديم ، أو يكون من برنامجها أن تزحف على تركيا من ناحية القوقاز وقارص توصلا إلى نفس الغاية .

ومن جهة أخرى فقد أصبحت روسيا تجاور المجر من ناحية بولونيا ، وربما كانت تنوى مهاجمة المجر واسترداد روتنيا الكرباتية ، أو ربما حاولت ان تفرض عليها النظام السوفيتى ، كما حدث من قبل عقب انتهاء الحرب الكبرى ، حيث قام بها الحكم البلشفى مدى أيام ؛ ومتى سقطت المجر فريسة الشيوعية ، كان ذلك تمهيدا لبلشفة بلاد البلقان .

فهذه الاحتمالات جميعها تلوح فى الأفق ، وإيطاليا

ترقب مجرى الحوادث بعناية ، متحفزة فيما يبدو للتدخل إذا اقتضي الأمر ؛ ومن الصعب أن نتصور منذ الآن كيف يقع هذا التدخل ، ولكن إيطاليا تحتل باحتلال ألبانيا فى البلقان مركزا حربيا منيعا تستطيع الزحف منه داخل البلقان ، وتسيطر كذلك على جزر الدودكانيز القريبة من الدردنيل ، ولا تفصلها عن المجر صديقتها وربيبتها سوى رقعة صغيرة من أرض يوجوسلافيا .

وخطة إيطاليا فى العمل على وقف الزحف الروسى نحو جنوب شرقي أوربا ، والمحافظة علي سلام البلقان ، وشرقى البحر الأبيض المتوسط ، تتفق تمام الاتفاق مع خطة الدولتين الحليفتين ، أعني انكلترا وفرنسا ؛ وقد قطعت كلتاهما كما نعلم على نفسها عهود ضمان لرومانيا وتركيا واليونان ، وعقدتا مع تركيا ميثاقا دفاعيا خاصا ؛ ومع أن  إيطاليا تسترشد فى موقفها بمصالحها الخاصة ، وتعمل مستقلة عن أي تفاهم مشترك ، فان خطتها مما يسهل مهمة الدولتين الحليفتين فى العمل على رد الزحف الروسى نحو البلقان .

-٢- والآن لنر ماذا يمكم أن يدل عليه تصريح المجلس الفاشستى من التنويه بأن العلائق بين إيطاليا وألمانيا ستظل كما حددها ميثاق التحالف بين البلدين وفقا لوجهات النظر المتبادلة .

إن محور برلين رومة الشهير الذى توج بمعاهدة التحالف الألمانية الايطالية فى شهر مايو الماضى ، لم يبق له اليوم وجود عملى ؛ وقد لقى ضربته القاضية فى عقد الميثاق الألمانى السوفيتى ، ولم يسمع به من ذلك اليوم أحد ؛ ومن ذلك التاريخ تعمل رومه فى سياستها حرة مستقلة ، وتتوالى الأدلة من يوم إلى آخر ، علي ابتعادها عن برلين .

ولما كانت ألمانيا هى التى سهلت بتفاهمها مع روسيا ، (البقية على الصفحة التالية)

وجرها إلى حلبة السياسة الأوربية ، للبلاشفة سبيل الزحف إلى أوربا الوسطى وجنوب شرقى أوربا ، وحركت بذلك على إيطاليا خطرا كانت فى مأمن منه ، وسببت لها بذلك قلقا ومتاعب كانت بعيدة عنها ، فانه لا يصعب علينا أن نقدر إزاء ذلك شعور إيطاليا الحقيقى نحو ألمانيا .

أضف إلى ذلك أن ألمانيا لا تقتصر على دفع روسيا وتحريضها للزحف نحو البلقان ، بل هناك ما يدل أيضا على أن ألمانيا لم تنبذ مشاريعها الخاصة فى الزحف فى هذا الاتجاه ؛ وربما كانت متفاهمة مع روسيا فى ذلك على خطة معينة ، تشتركان فى تنفيذها فى الوقت المناسب ؛ فهذه

الحقائق والاحتمالات لا تدع مجالا للريب فى أن ميثاق التحالف الألمانى الايطالى قد نسخته الحوادث من الوجهة العملية ، ولم يبق له أثر فى توجيه خطط رومه .

وإنما تنوه رومه بقصة العلائق الألمانية الايطالية فى هذا الوقت لباعثين : أولهما محاولة التوفيق من الوجهة النظرية بين احترام ميثاق التحالف ، وخطة الحياد ؛ والثانى هو العمل على استبقاء ود ألمانيا بهذه المجاملة ، فقد يكون فى استبقاء هذا الود ، ما يحمل ألمانيا على التريث فى خططها نحو الجنوب . وهى مجاملة لا يمكن أن يترتب عليها فيما نعتقد أى أثر عملى .         ⁕⁕***

اشترك في نشرتنا البريدية