للمرة الثانية منذ نشوب الحرب الأوربية يجتمع المجلس الفاشستي الأعلى ليحدد مرة أخرى موقف إيطاليا من الحوادث والتطورات السياسية والعسكرية الأخيرة ، وليلقي شيئا من الضياء على وجهات النظر الايطالية .
ونذكر ان المجلس الفاشستي أصدر قراره فى مساء يوم أول سبتمبر ، أعنى على أثر بدء الزحف الألمانى على بولونيا ، بأن إيطاليا لن تدخل حربا اعتدائية ، فكان قراره مثار الدهشة والارتياح معا ، أما الدهشة فلأنه
لم يكن من المتوقع أن تلقى رومه مثل هذا التصريح ، فى نفس اليوم الذى تندفع فيه شريكتها وحليفتها فى المحور لأول مرة إلى خوض حرب حقيقية ؛ وأما الأرتياح ، فلأن التزام إيطاليا موقف الحيدة مما يعاون على حصر نطاق الحرب ، وعلى صون السلام فى حوض البحر الأبيض المتوسط .
وقد مضى منذ نشوب الحرب أكثر من ثلاثة أشهر ، وتطورت الحوادث بسرعة ، فصرعت بولونيا ، وقسمت
بين ألمانيا وروسيا ، وامتد الزحف الروسى نحو الشرق ، وفرضت روسيا حمايتها على دول البلطيق ، ولما حاولت فنلندا أن تجتنب المصير الذى فرض على زميلاتها ، وأن تحافظ على استقلالها ، انقضت عليها روسيا بقواتها الزاخرة لتجهز عليها ؛ ففي هذه الآونة التى تقف فيها فنلندا الصغيرة مستبسلة فى الدفاع عن كيانها أمام جارتها الكبيرة المتجنية عليها ، يجتمع المجلس الفاشستي للمرة الثانية ، ويؤكد قراره الأول (( بعدم دخول إيطاليا الحرب )) ؛ ثم يقرنه بتصريحين جديدين هما :
أولا - أن المجلس يصرح إزاء الأنباء المغرضة التى تذيعها المصادر الأجنبية ، بأن العلائق بين إيطاليا وألمانيا ستظل كما حددها ميثاق التحالف بين البلدين ووفقا لتبادل وجهات النظر الذى تم قبل ذلك وبعده .
ثانيا - أن كل ما يمكن أن يقع فى حوض الدانوب وبلاد البلقان لابد أن يهم إيطاليا مباشرة نظرا إلى حدودها الأقليمية والبحرية التى أصبحت مجاورة لهذه المنطقة بعد ضم البانيا إلى إيطاليا .
-١- ولنترك جانبا ما يثيره الفرق بين (( الحياد )) وبين (( عدم الدخول فى الحرب )) وهى العبارة التى يتمسك بها المجلس الفاشستى للتعبير عن موقف إيطاليا ، فان مؤداهما واحد من الناحية العملية ، وهى أن إيطاليا تؤكد مرة أخرى أنها لا ترغب فى الاشتراك فى الحرب .
غير أن إيطاليا تصرح فى نفس الوقت بأن كل ما يمكن أن يقع فى حوض الدانوب وبلاد البلقان لابد أن يعنيها بصفة مباشرة ، أو بعبارة أخري إنها قد تعدل موقفها إذا سارت الحوادث فى هذه المنطقة بما لا تشتهى ، ورأت أن فيها ما يهدد مركزها او مصالحها ، سواء فى حوض الدانوب أو فى بلاد البلقان .
وإذا كانت إيطاليا لم تصرح باسم الدول التى يمكن أن
يقع على يدها مثل هذا التهديد لصالحها ، فمن البديهى أن الإشارة هنا لا يمكن أن تنصرف إلا إلى روسيا وألمانيا ، وهما الدولتان القويتان اللتان تجاوران هذه المنطقة ، واللتان تنهض القرائن منذ الحرب على أنهما تضمران نحو المجر والدول البلقانية خططا ومشاريع لم تتضح بعد حقيقتها ومداها . بل هناك ما يدل على أن إيطاليا تعنى على وجه التخصيص بهذا الانذار روسيا السوفيتية ؛ فمن أسابيع تتوالى حملات الصحف الايطالية على البلشفية وزعمائها ، وعلى سياسة موسكو وموقفها تجاه الدول البلقانية ، وما كشفت عنه أخيرا من اتجاهها إلى التوسع نحو الشرق والجنوب ؛ وتؤكد أن إيطاليا لا يمكن أن تسمح بامتداد الشيوعية إلى حوض الدانوب أو البلقان . ولما زحف الجيش الأحمر أخيرا على فنلندا ، لم تكتم الصحف الايطالية سخطها على هذا الاعتداء ، ونظمت المظاهرات فى جميع أنحاء إيطاليا إظهارا لعطف الشعب الايطالى على فنلندا ، وأرسلت إيطاليا بصفة غير رسمية عددا من الطائرات إلى فنلندا معاونة لها على الدفاع عن نفسها ضد الغزو الروسى .
ومع أن إيطاليا لا تعنى بأمر التوسع الروسي فى منطقة البلطيق بصورة مباشرة ، فانها تنظر بجزع إلى تقدمه واتساع نطاقه ، وترقب فى يقظة وتحفز خطوة روسيا التالية . هل يكون تحرك روسيا البلشقية واندفاعها نحو الشرق استئنافا لسياسة روسيا القيصرية ؟ وهل تتحول روسيا بعد انتهائها من الاجهاز على فتلندا ، نحو المجر ورومانيا والبلقان ، فتنتزع منها بعض الأراضى ، ثم تحاول السيطرة على البواغيز التركية (البوسفور والدردنيل ) لتغلق البحر الأسود فى وجه الدول الغربية ؟ وهل تحاول روسيا بث المبادىء الشيوعية فى تلك المنطقة استئنافا لخطتها القديمة فى العمل على بث الثورة العالمية ؟ هذه هى المسائل التى تشغل بال إيطاليا وبال الدول ذات الشأن ،
والتى لاريب أن تصريح المجلس الفاشستى يقصدها وبعنيها .
ومع ذلك فانه يصعب علينا أن نتبين خطة إيطاليا تجاه هذه الاحتمالات بصورة واضحة ، فقد لجأت إيطاليا حتى الآن إلى العمل السياسى فى مقاومة الضغط الروسى على المجر ودول البلقان ، ولكن يلوح لنا أنها قد لا تتأخر عن العمل الحربى إذا أصبح الغزو الروسى لهذه المنطقة حقيقة واقعة ، والدفاع بقوة السيف عن مركزها ومصالحها .
وتعتبر رومانيا هى موطن الخطر والهدف الأول للغزو الروسى ؛ والمعروف أن لروسيا إزاءرومانيا مطالب إقليمية تتعلق بإاسترداد ولاية « بسارابيا » الروسية ، وهي الرقعة الممتدة من مصب نهر الدانوب إلى جبال الكربات ، والتى ضمت إلى رومانيا بمقتضى معاهدات الصلح ؛ وقد لوحت الصحف السوفيتية غير مرة بهذه المطالب ، وهددت رومانيا بمصير كمصير بولونيا ؛ ولا ريب أن هذه التلميحات تطابق خطط موسكو ، وإن كانت قد أنكرتها فى بلاغ رسمى .
وليس يبعد أيضا أن تكون موسكو متطلعة إلى ما هو أبعد من ذلك ، وأن يكون من برنامجها الزحف نحو البوسفور والدردنيل ، ومحاولة الاستيلاء على قسطنطينية ، وتحقيق حلم القياصرة القديم ، أو يكون من برنامجها أن تزحف على تركيا من ناحية القوقاز وقارص توصلا إلى نفس الغاية .
ومن جهة أخرى فقد أصبحت روسيا تجاور المجر من ناحية بولونيا ، وربما كانت تنوى مهاجمة المجر واسترداد روتنيا الكرباتية ، أو ربما حاولت ان تفرض عليها النظام السوفيتى ، كما حدث من قبل عقب انتهاء الحرب الكبرى ، حيث قام بها الحكم البلشفى مدى أيام ؛ ومتى سقطت المجر فريسة الشيوعية ، كان ذلك تمهيدا لبلشفة بلاد البلقان .
فهذه الاحتمالات جميعها تلوح فى الأفق ، وإيطاليا
ترقب مجرى الحوادث بعناية ، متحفزة فيما يبدو للتدخل إذا اقتضي الأمر ؛ ومن الصعب أن نتصور منذ الآن كيف يقع هذا التدخل ، ولكن إيطاليا تحتل باحتلال ألبانيا فى البلقان مركزا حربيا منيعا تستطيع الزحف منه داخل البلقان ، وتسيطر كذلك على جزر الدودكانيز القريبة من الدردنيل ، ولا تفصلها عن المجر صديقتها وربيبتها سوى رقعة صغيرة من أرض يوجوسلافيا .
وخطة إيطاليا فى العمل على وقف الزحف الروسى نحو جنوب شرقي أوربا ، والمحافظة علي سلام البلقان ، وشرقى البحر الأبيض المتوسط ، تتفق تمام الاتفاق مع خطة الدولتين الحليفتين ، أعني انكلترا وفرنسا ؛ وقد قطعت كلتاهما كما نعلم على نفسها عهود ضمان لرومانيا وتركيا واليونان ، وعقدتا مع تركيا ميثاقا دفاعيا خاصا ؛ ومع أن إيطاليا تسترشد فى موقفها بمصالحها الخاصة ، وتعمل مستقلة عن أي تفاهم مشترك ، فان خطتها مما يسهل مهمة الدولتين الحليفتين فى العمل على رد الزحف الروسى نحو البلقان .
-٢- والآن لنر ماذا يمكم أن يدل عليه تصريح المجلس الفاشستى من التنويه بأن العلائق بين إيطاليا وألمانيا ستظل كما حددها ميثاق التحالف بين البلدين وفقا لوجهات النظر المتبادلة .
إن محور برلين رومة الشهير الذى توج بمعاهدة التحالف الألمانية الايطالية فى شهر مايو الماضى ، لم يبق له اليوم وجود عملى ؛ وقد لقى ضربته القاضية فى عقد الميثاق الألمانى السوفيتى ، ولم يسمع به من ذلك اليوم أحد ؛ ومن ذلك التاريخ تعمل رومه فى سياستها حرة مستقلة ، وتتوالى الأدلة من يوم إلى آخر ، علي ابتعادها عن برلين .
ولما كانت ألمانيا هى التى سهلت بتفاهمها مع روسيا ، (البقية على الصفحة التالية)
وجرها إلى حلبة السياسة الأوربية ، للبلاشفة سبيل الزحف إلى أوربا الوسطى وجنوب شرقى أوربا ، وحركت بذلك على إيطاليا خطرا كانت فى مأمن منه ، وسببت لها بذلك قلقا ومتاعب كانت بعيدة عنها ، فانه لا يصعب علينا أن نقدر إزاء ذلك شعور إيطاليا الحقيقى نحو ألمانيا .
أضف إلى ذلك أن ألمانيا لا تقتصر على دفع روسيا وتحريضها للزحف نحو البلقان ، بل هناك ما يدل أيضا على أن ألمانيا لم تنبذ مشاريعها الخاصة فى الزحف فى هذا الاتجاه ؛ وربما كانت متفاهمة مع روسيا فى ذلك على خطة معينة ، تشتركان فى تنفيذها فى الوقت المناسب ؛ فهذه
الحقائق والاحتمالات لا تدع مجالا للريب فى أن ميثاق التحالف الألمانى الايطالى قد نسخته الحوادث من الوجهة العملية ، ولم يبق له أثر فى توجيه خطط رومه .
وإنما تنوه رومه بقصة العلائق الألمانية الايطالية فى هذا الوقت لباعثين : أولهما محاولة التوفيق من الوجهة النظرية بين احترام ميثاق التحالف ، وخطة الحياد ؛ والثانى هو العمل على استبقاء ود ألمانيا بهذه المجاملة ، فقد يكون فى استبقاء هذا الود ، ما يحمل ألمانيا على التريث فى خططها نحو الجنوب . وهى مجاملة لا يمكن أن يترتب عليها فيما نعتقد أى أثر عملى . ⁕⁕***

