الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 175 الرجوع إلى "الثقافة"

موقف فرنسا الجديد

Share

تتمخض الأزمة العالمية الحاضرة من آن إلي آن عن حادث جديد ، وآخر ما تكشفت عنه الأحداث عودة المسيو لافال ظافرا إلى فيشي ، بعد أن أقصاه زعيم فرنسا ، بل طرده ، طردا منذ عام ونصف عام ، واضطره إلي أن يلجأ إلي باريس ، وأن يظل فيها هذه المدة الطويلة يلعب دوره الخاص ، وينتهز فرصته المؤاتية . و كنا نسمع الحين بعد الحين أن عودته إلى فيشي وإلى حكم فرنسا وشيكة الوقوع . ولكن مضت الشهور دون أن تتحقق تلك الأمنية التي يشتهيها لافال من غير شك ، وتشتهيها ألمانيا ، ولكن في غير إسراف ، إلي أن تحققت في الأسبوع الماضي .

إن فرنسا تقف من الأزمة العالمية الحاضرة موقفا

عجيبا ؛ فلقد اضطرتها هزيمتها  في ميدان القتال إلى أن تلقي السلاح وتطلب الهدنة . فأملي عليها العدو الظافر شروطا كانت مزيجا من الشدة والاغراء . ولعل العدو كان يقدر في ذلك الوقت أن الحرب قصيرة الأمد ، وأن انتصاره الكامل على بريطانيا لا يلبث أن يتم بالحيلة والخديعة أو بالفتح والظفر . ولذلك سمح لفرنسا أن تحتفظ بأسطولها ، ووعدته وعدا صريحا أن هذا الأسطول لن يستخدم في الحرب . وكذلك لم يطلب من فرنسا اقتطاع جزء من أرضها أو مستعمراتها . وكان الإيطاليون يرغبون في أن يستولوا فورا على كرسيكا ونيس وسافواي . ولكن هذا كله أرجيء ، وحيل بين الطليان وبين ما يشتهون ، واكتفت ألمانيا بتجريد

فرنسا من سلاحها ، و باحتلال الأقاليم الشمالية والغربية ، وبفرض أتاوة كبيرة تدفع كل يوم ، تعادل أو تزيد على ما كانت فرنسا تنفقه ، لو أنها ظلت تحارب .

وفي أيدي الألمان أسري من الفرنسيين يزيد عددهم على مليون ونصف مليون . وهم مثابة الرهائن يستطيعون أن يجعلوا منهم ذريعة لتحقيق مأرب او استجابة مطلب يتقدمون به إلى حكومة فرنسا .

ولو أن ألمانيا أملت شروطا أشد قسوة ، وتعسفت في مطالبها وقت الهدنة ، لاضطرت حكومة فرنسا المترددة أن تلجأ إلي المستعمرات ، وأن تستمر في الحرب من هناك . وهذا آخر شيء تريده ألمانيا الظافرة . لهذا كانت شروط الهدنة وسطا بين الشدة والاحتيال . ومن أجل هذا أغريت حكومة المرشال بيتان بقبول تلك الشروط ، وفضلت أن تهادن العدو ، وأن تداريه ما أمكنت المداراة . وقيل للمرشال إنه ليس من العقل ترك الشعب الفرنسي من غير حكومة وطنية تحميه ، وإن مواصلة الحرب من المستعمرات لن يجدي . واقتنع المرشال بهذه الحجة ، وقبل الهدنة ، وأن يقيم حكومة في فيشي ، تحاول أن تنقذ ما يمكن إنقاذه ، وأن ترد غائلة العدو اللدود ما استطاعت  إلي ذلك سبيلا. واستعان المرشال علي تنفيذ خطته هذه  بتولية الجنرال ويجان إدارة قوات الامبراطورية الفرنسية . ولعل هذه كانت أقوي ورقة في يد المرشال ، على اصطلاح اللاعبين ، أو أقوي سلاح في يده كما يقول سواهم ، ولعل لغة اللاعبين أجدر بهذا الموقف المفعم بالمغامرة .

ومهما يكن من شئ ، فان وجود الأسطول الفرنسي والقوات الامبراطورية الفرنسية وعلى رأسها ويجان ، قد جعل من الواضح أن جميع الأوراق الهامة ليست كلها في يد الزعيم الألماني . وفي يد المارشال سلاح آخر لا يقل خطرا عن السلاحين المذكورين . ألا وهو الشعب الفرنسي نفسه ، الذي يريد أن يري بعض الفائدة من سياسة

المهادنة والمداراة . والذي لم يخف امتعاضه من الاستسلام للعدو اللدود ، واتخذ وسائل شتي لاظهار هذا الامتعاض .

ولا بد لإكمال الصورة من الاشارة إلي أمرين خطيرين : وهما علاقة فرنسا الجديدة بحليفتها بريطانيا ونشأة فرنسا الحرة . كانت حكومة رينو المستقيلة وعدت بريطانيا بأن ترسل الأسطول الفرنسي إلي مياه بريطانية أو إلي مستعمرات بعيدة . ونقضت حكومة فيشي هذا

الوعد ، فهوجم الأسطول الفرنسي في موانئه ، ودمرت بعض وحداته الهامة كما هو معروف . واضطرت حكومة فيشي لأن تقطع علاقتها بحليفتها . وقد كان يخشى أن يؤدي هذا الحادث إلي ما هو أسوأ من قطع العلاقات ، لولا أن وساطة الولايات المتحدة ، وسفيرها اللبق في فيشي ، قد خففت من حدة الخصومة بين الحليفتين .

وكثيرا ما كنا نسمع أن السفيرين الفرنسي والبريطاني في مدريد ، التقيان سرا أو علانية لتصفية ما قد يكون بين الطرفين من أمور أو مشاكل أما فرنسا الحرة - تلك القوة التي لا يستهان بها - فقد ولدت يوم ألقت فرنسا سلاحها ، وطار زعيمها ديجول إلى بريطانيا ، وأعلن مواصلة الكفاح حتى يجلو العدو عن أرض فرنسا . ولم يلبث أن احتشد تحت لواء هذا الزعيم الحر جموع من الفرنسيين أخذ عددها يتزايد وينمو ، حتى تألفت منها قوات برية وبحرية وجوية ، وأخذت تحمل نصيبها من أعباء الحرب فى الشرق الأوسط وفى أوربا نفسها .

واحتضنت بريطانيا هذه الحركة وأيدتها بكل قوتها ، وأخذ الفرنسيون يهربون من فرنسا ومن سوريا ، ومن جميع جهات الامبراطورية الفرنسية ، لكي يلتحقوا بقوات فرنسا الحرة . ونظم الفرنسيون الأحرار من لندن إذاعات فرنسية حرة يحملها الأثير ليلا ونهارا على مختلف الموجات لتدعيم الروح المعنوية في الشعب الفرنسي وتنظيم المقاومة للعدو المغير . ولاشك أن لهذه الاذاعات

أثرا كبيرا في مقاومة الجماهير الفرنسية التي تبدو من وقت إلي آخر ، وفي تقوية التفاهم بين الشعب الفرنسي والشعب البريطاني . وقد اعترف المرشال بيتان نفسه بما لهذه الاذاعات من أثر وخطر . واضطرت حكومته لأن تحرم الاصغاء إليها .

واستطاعت قوات فرنسا الحرة أن تستولي على أقطار واسعة في المستعمرات . ولكن عجزت عن الاستيلاء على جيبوتي أو داكار ، فانها استطاعت أن تستولي على إفريقية الاستوائية ، وإقليم تشاد ، والجهات المجاورة له . ثم أمكن لها في الصيف الماضي أن تجلي قوات فيشي عن الشرق الأوسط .

وهكذا تعقد موقف فرنسا ، إذ بات من الواضح أن ليس كل الفرنسيين خاضعا لفيشي ، وأن الشعب الفرنسي نفسه الذي ظل مقيما في فرنسا ، يعطف علي الفرنسيين الأحرار أشد العطف ، ولا يريد من حكومته أن تنقاد للعدو المغير ، وأن تخضع لرغباته كل الخضوع .

أخذت حكومة فيشي تعالج هذا الموقف الصعب بما لديها من وسائل ، ومما رزقته من قوة وحيلة . ومن الجائز أن نسمع أناسا يتهمون المرشال وأعوانه بالخيانة ، أو قلة الوطنية ، وأنهم لولا ما يخشونه من ثورة الشعب الفرنسي لسلموا لألمانيا بكل ما تطلب . ولكن المنصف لا يستطيع أن يقبل هذه التهمة ، وأن ينكر أن فيشي قاومت وراوغت ما وسعتها المقاومة والمراوغة . وإن أقصي ما يقال عن المرشال وحكومته أنهم اخطاوا الرأي الصائب ،

وأن خير فرنسا الحقيقي كان يقضي بالنزوح إلى الجزائر ومداومة القتال من الامبراطورية الفرنسية ، وأنها اليوم تعاني نتائج هذا الخطأ . ولكن سبيل التراجع لم تعد مفتوحة ، ولا بد لفيشي أن تمضي في خطتها التي رسمتها ، وهي أن تحاول مداراة العدو ، والمحافظة على رعيتها جهد الطاقة .

وبدأ الدفع والجذب بين ألمانيا وفيشي . ورأت ألمانيا أن الحرب قد طالت أكثر مما قدرت لها أن تطول . وقد تعقدت أمورها باتساع الميادين الجديدة في روسيا ، وبدخول اليابان وأمريكا الحرب . وبمضى الزمن ازدادت القوات البريطانية ، ونما السلاح الجوي بوجه خاص ،

وأخذ يغير على ألمانيا والأراضي التي تحتلها إغارات منظمة بالغة الأثر . ولا شك أن ألمانيا أخذت تحس أن شروط الهدنة لم تعد كافية ، وفي وسعها أن تنقض تلك الشروط عنوة . ولكنها فضلت أن تنال ما تبغيه برضي المرشال وحكومته . وكانت مقاومة فيشي تشتد حينا وتتراخي حينا ، حسب ما يصيبه المحور من خذلان أو نصر .

وقد استطاع المرشال أن يتخذ قرارات لا يمكن أن تكون في مصلحة ألمانيا ، كطرد لافال من الحكم في ديسمبر سنة ١٩٤٠ . وقد أرادت المانيا من غير شك أن تسوء العلاقات بين بريطانيا وفرنسا ، ولكن المرشال أعلن أن الشرف يقتضيه ألا يرفع السلاح ضد حلفائه القدماء . وتعرضت علاقة الدولتين لأقسي تجربة يوم أغار البريطانيون على سوريا بمساعدة الفرنسيين الأحرار . ولكن مرت تلك العاصفة بسلام ، وظلت فرنسا على حيادها . .

ولكن هنالك ظروف أخرى لم تستطع فيها المقاومة الفرنسية أن تقف للضغط الألماني ؛ فقد احتل الألمان الزاس ولورين ، وضموهما ضما إلى ألمانيا ، وهذا خرق واضح للهدنة ، فلم تملك فرنسا سوي الاحتجاج .

وسمعنا عدة مرار بمحاولات تبذل لعقد الصلح بين فيشى وألمانيا ، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل . ورأت ألمانيا أن ترسل إمدادات إلى قواتها في شمال إفريقية ، فاضطرت فرنسا للاذعان حينا ، واستطاعت أن تقاوم هذا الطلب أحيانا . وأرغمت فرنسا على عزل الجنرال ويجان من منصبه ، فأذعنت لهذا الأمر . ولاشك أن هنالك أمورا

كثيرة وطلبات عديدة اضطرت فيشي لأن تقبل بعضها ، وترفض ما استطاعت رفضه .

واليوم تذعن فيشي لأقسي مطالب ألمانيا وأبلغها أثرا . فتضطر لأن تغضب صديقتها أمريكا ، وأن تولي لافال البغيض رئاسة الحكومة الفرنسية .

لعل ألمانيا كانت تفضل ألف مرة أن تنال ما تبتغيه من حكومة فيشي كما كانت تفعل من قبل ، دون الاستعانة برجل مثل لافال يبغضه الشعب الفرنسي  أشد البغض ، حتى حاول أحد أفراده الفتك به ,لولا أن المقادير أنقذته من الموت . ولكن ألمانيا لابد أن تكون لها مطالب واسعة لا تستطيع أن تحصل عليها من فيشى ، وهي في حاجة إلى حكومة فرنسية تعاونها معاونة أصدق مما عاونتها

به حكومة المرشال . . ولعل خطر غزو بريطاني امريكي أمر أصبح يشغل بال ألمانيا ، بعد تكرر الغارات المحلية المحدودة على السواحل الفرنسية والنروجية ، وبعد تلك الزيارة الطويلة للجنرال مارشال ، الذي جاء من الولايات المتحدة ليتحدث إلي الحكومة البريطانية عن شئون الحرب.

فإذا كان من الراجح أو من المحتمل لدي ألمانيا أن يحدث هذا الهجوم فانه من الضروري لألمانيا أن يكون فى فيشي حكومة تستطيع ألمانيا أن تركن إليها وأن تثق بها ، وأن تقمع أي ثورة يحاولها الشعب الفرنسي حين يكون الألمان منهمكين في الدفاع عن البلاد التي احتلوها . لهذا لم يكن بد لألمانيا من أن تعتمد على لافال

وعصبته ، إذ ليس لديهم من هو خير منه ، ولا بد أنهم ضغطوا علي فيشي ضغطا شديدا حتى أرغموها على قبول هذا الرجل البغيض ، واضطر المرشال الشيخ لأن يستقبل الرجل الذي سبق له أن طرده وأقصاه . ولكنه حتى في هذه اللحظة لم يذعن كل الازعان ، وقاوم بعض المقاومة .

فجعل اختصاص لافال مقصورا على الشئون الداخلية والخارجية ، وأبعده عن القوات المحاربة ، وولى الأميرال درلان القيادة العليا لجميع القوات الفرنسية ، وجعله مسئولا أمامه فقط .

وهكذا يتراجع المرشال شبرا شبرا . ولكن الحالة الجديدة مفعمة بالتناقضات . فإن قوات الدفاع يخضع كلها لدرلان المسئول أمام رئيس الدولة دون سواه . ولكن وزراء الدفاع جميعا أعضاء في حكومة لافال ومسئولون أمامه . وهذه التفرقة بين القوات المحاربة ، وبين وزارة الحرب تفرقة عجيبة . ولن تلبث غرابتها أن تبدو بعد وقت قليل .

وعلي كل حال فان في يدى لافال الشئون الداخلية والخارجية ، وفى وسعه أن يخدم المانيا في هذين الميدانين خدمات جليلة ، بأن يقمع العناصر المتطرفة في الداخل ، ويناوىء أعداء ألمانيا عامة ، وأمريكا خاصة في الخارج .

اشترك في نشرتنا البريدية