الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 169الرجوع إلى "الثقافة"

مولانا جلال الدين الرومى،

Share

القضاء والقدر

وأما القضاء والقدر فجلال الدين يذهب فيه إلى الاختيار ويشتد على الجبرية :

ابن جنــين وآن جنان فرد ا كتم

أين دليل اختيار من أى صنم

( سأفعل هذا وذاك غدا دليل الاختيار أيها الصنم ) وقد حكى فى الجزء الأول قصة الوحوش والأسد التى فى كليلة ودمنة ، فبدأها بمحاورة بين الأسد والوحوش فى الجبر والاختيار :

الوحوش - اترك الحذر فلا يغنى عن قدر ، وتوكل ولا تحارب القضاء فيحاربك .

الأسد - نعم ، التوكل حسن ، ولكن الأخذ بالأسباب سنة نبينا . وما أحسن الجهد والكسب فى التوكل ! قد قال الرسول اعقلها وتوكل . ألم تسمع قوله : الكاسب حبيب الله .

الوحوش - أى شئ أحسن من التسليم ؟ كم طار من البلاء إلى البلاء ، وهارب من الثعبان إلى التنين ؟ كم احتال الانسان فكانت حيلته شبكته ، وأقفل الباب والعدو فى الدار ؟ وكذلك كانت حيلة فرعون : وقتل مئات آلاف من الأطفال والذى يخشاه فى داره إن أبصارنا . عليلة فأفن بصرك فى بصر الحبيب . نعم العوض بصره عن بصرنا : إن فى بصره كل ما نبغى : ألا ترى الطفل يحمل على عنق أبيه قبل أن تقوى رجلاه ، فإذا أعتمد على رجليه و كل إلى نفسه فوقع فى العناء والسكيد . وقد كانت أرواح الخلق قبل الأيدى والأرجل طائرة بين الوفاء والصفاء ، فلما أمروا بالهبوط لبثوا فى سجن من الغضب

والحرص والغم . نحن أطفال رضع ، وقد قيل : الخلق عيال الله . إن الذى يعزل المطر من السماء قادر برحمته أن يعطى الخبز والماء .

الأسد - نعم ولكن رب العباد وضع سلما أمامنا ، فلا بد من الصعود فيه درجة بعد درجة . ما الجيرية إلا غفلة . إن لك رجلا فكيف تجعل نفسك أعرج ، وإن لك بدا فكيف تخفيها . إن السيد إذا أعطى عبده فأسا فقد أعلمه مراده بغير قول ، أليست اليد كالفأس ؟

فافهم إشاراته فإنها عباراته . إن الإشارات تكشف لك الأسرار وتخفف عنك الأعباء وتؤديك إلى المراتب التى تبتغيها . إن السعى شكر نعمته ، والجيرية إنكار هذه النعمة . وشكر القدرة يزيدها ، والجيرية نزيلها . الجيرية هى النوم فى الطريق فلا تنم . لا تنم إلا أن ترى تلك السدة وذلك الباب . لا تنم أيها الجبرى الغافل إلا تحت هذه الشجرة المثمرة التى تساقط عليك كل لحظة من ثمرها

كلما حر كتها الرياح الجبر نوم بين قطاع الطريق . وكيف يأمن الطائر إذا فقد جناحيه ؟ من لم يفهم إشارته فقد أضاع عقله . وإن الرأس الذى يفارقه العقل أشبه بالذنب . إن أردت التوكل فاعمل ؛ ازرع ثم اتكل على الخلاق .

الوحوش : إن أهل الحرص الذين زرعوا الأسباب واحتملوا العناء لم ينالوا شيئا وظلوا منذ بدء العالم آلاف القرون يفتحون أفواههم كالتنين فلا ينالون شيئا . ولقد مكر هؤلاء مكرا تزول منه الجبال ، فلم يحصلوا من مكرهم وعملهم إلا على القسمة التى قدرت فى الأزل ذهب تدبيرهم وعملهم ، وبقى تدبير الخالق وعمله . إن الكسب إلا اسما ، وإن الجهد ليس إلا وهما .

وضربت الوحوش للأسد مثل الرجل الذى ذهب إلى سليمان فزغا وشكا إليه نظر عزرائيل إليه نظرة ملائه رعبا ، ثم سأله أن يأمر الريح أن تحمله إلى الهند . ولقى سليمان عزرائيل فقال له : لماذا أخفت هذا الرجل فاضطررته إلى

الاغتراب وترك أهله وماله ؟ فقال عزرائيل : لقد أخطأ ما نظرت إليه غاضبا ولكن متعجبا . فقد أمرنى الله أن أقبض روحه اليوم فى الهند ، فلما رأيته عجبت كيف يبلغ الهند اليوم ولو كان طائرا ما استطاع ذلك . فلما ذهبت إلى الهند بأمر الله وجدته هناك فقبضت روحه :

الأسد : نعم . ولكن انظروا أيضا إلى جهد الأنبياء والصالحين كيف أثنى الله على جهادهم ويلقواهم بالجهاد درجات الكمال . ليس الجهاد محاربية للقضاء ، فهو أيضا  من القضاء .

واستمرت المحاورة حتى اتفقت الوحوش على أن الاجتهاد اولى من التوكل ، ثم استمرت حوادث القصة المعروفة فى "كليلة ودمنة" .

ولا تنجلى عظمة جلال الدين فى المناداة بالاختيار ، وحفز الناس إلى العمل والسير قدما . بل هو يرى أن الحياة جهاد مستمر لا ينبغى أن يسكن المجاهد فيها ساعة .

يقول فى المثنوى فى قصة التاجر والبغا ، ( ج ١ ص ٧٢ ): الفريق مجهد نفسه ويضرب يده على كل عشبة أمامها تنقذه من الخطر .

والحبيب (الله )يجب هذا الاضطراب ، وإن الجهد الذاهب سدى خير من النوم .

إن الملك نفسه ليس فارغا من العمل ، ولهذا قال الرحمن : كل يوم هو فى شأن . ا كدح فى هذا الطريق واجهد ، ولا تفرغ ساعة ، حتى الساعة الأخيرة .

والألم عنده وسيلة اللذة ، والبكاء سبب الضحك ( كيف يضحك المرج إذا لم يبك الربيع ؟ وكيف ينال الطفل الذين بغير بكاء ) والعناء أحرى ، والكد أنفع . ورجل الطريق أو رجل الله يلقي الخير والشر ، واللذة والألم راضيا مقدما موقنا أنه بالآلم يكمل ويرقى حتى يبلغ غابته ، يقول فى المتنوى :

إن مكروهه محبوب فى نفس

فدى روحى للحبيب المعذب قلبى .

أنا عاشق نصبه وألمه فى رضاه . إنني أكل عيني بتراب الغم ليمتلئ بحر العينين بالجواهر . إن الدموع التى تمطرها العين فى سبيله جوهر يحسبه الناس دمعا

ويقول : "ذاك المكروه الذى يصبنى به غاضيا أ كثر إطرابا من الرباب بامن جفاؤه احسن من السعادة ، وانتقامه أحب من الروح . هذه نارك فكيف نورك ؟ وهذا مأنمك فكيف العرس ؟ . أنوح وأخشى أن يستمع النواحى فيخفف عن هذه الشدة كرما إننى عاشق قهره ولطفه ، فاعجب لعاشق هذين الضدين ، والله لئن جاوزت هذا الشوك إلى البستان لأنوحن نواح البليل . اعجب لبلبل يفتح فاه ليأكل الشوك والورد ؛ أي بليبل هذا . إنه تتبن نارى يحبب إليه العشقى كل مكروه . هو عاشق الكل وهو الكل نفسه ، هو عاشق نفسه وطالب عشق نفسه ".

بل هذا النواح من الأرواح المجاهدة مفاجأة دائمة ورقى مستمر .

حين ينوح بغير شكوى ولا شكر ، تضج له السموات السبع . له كل حين مائة نوحة ، ومن الله مائة رسالة منه يارب مرة ومن الله سبعون لبيك . وله كل لحظة معراج خاص ، ولرأسه مائة تاج خاص صورته على الأرض ، وروحه فيىلا مكان ، لا مكان لا يدركه وهم السالكين .

تلكم قطرة من بحر جلال الدين ، وشرارة من ناره ، وبصيص من نوره . ومثل هذا الفيلسوف ينبغى أن تذاع فلسفته . لقد أثرت هذه الفلسفة الاسلامية فى رجل من رجال عصرنا فجعلته شاعر القوة والحياة فى الهند . وحسبه الناس سائرا على أثر فلاسفة أوربا ، ولكنه قال عن نفسه : إنه أثر من جلال الدين . فما أجدر جلالا أن يخرج للمسلمين فى كل جيل مثل محمد إقبال .

اشترك في نشرتنا البريدية