٦ - المثنوي والديوان
ترك جلال الدين أثريه الخالدين على الدهر : المثنوي والديوان . وتنسب إليه رسالة منشورة اسمها " فيه ما فيه ؟ ومنها نسخ في مكتبات استانبول .
فأما المثنوي فمنظومة صوفية فلسفية عظيمة ,تحتوى خمسة وعشرين الفا وسبعمائة بيت في ستة أجزاء , والجزء السابع الذي تشتمل علية بعض نسخ الكتاب متحول لا يشبة كلام جلال الدين والمؤلف نفسة يقول في مقدمة الجزء السادس مخاطبا حسام الدين جلبي:
بيشكش هي آرمت أي معنوي
قسم سادس در تمام مئتوي
شئ جهت رانورده زين شتى صحف
كي يطوف حوله من لم يطف
وقد خلت منه النسخ القديمة . وكتب سلطان ولد ابن جلال الدين خاتمة للكتاب عقب الجزء السادس وقد سمى الروي كتابه " المثنوي " وهو اسم هذا الضرب من القافية التي تسمى في العربية المزدوج . سماه هذه التسمية اللفظية كما سمى أبو العلاء كتابه اللزوميات باسم لفظي محض .
-وأما تاريخ نظم المثنوي ، فيحدثنا الناظم في مقدمة الجزء الثاني أن نظم المثنوي تأخر مدة لغياب حسام الدين ، وأنه يستأنف النظم سنة ٦٦٢ . وقد استمر بنظم الأجزاء الخمسة حتى توفي سنة ٦٧٢ . فيكون لشكل جزء سنتان . فإذا قدرنا أن الفترة بين الجزأين الأول والثاني كانت سنتين كما يروي ، وأن الجزء الأول نظم في سنتين ، فقد
بدأ الشاعر الصوفي بنظم منظومته الخالدة سنة ٦٥٨ من الهجرة وسنه ٥٤ سنة
٧ - حسام الدين والمثنوى
يقول جلال الدين في المقدمة العربية التي صدر بها الجزء الأول إنه نظم الكتاب بدعوة من صديقه حسام الدين جلبي ، ويكرر هذا في أول كل جزء ، معلنا أن حسام الدين يوحى إليه نظم الكتاب ، وأنه يسير فيه ببركة هذا الرجل وهمته وتشويقه . ويكفي أن نعرف انه ترك النظم حين تاب حسام الدين في الفترة بين الحزأين الأول والثاني . وانه سمي الكتاب في فاتحة الجزء السادس "حسامي عامه " (1)
كان جلال يملي ، وحسام الدين يكتب ، وكانا أحيانا يقطعان الليل كله إنشاء وكتابة تدل على هذا الروايات وفصول من المثنوي نفسه . فمكانة حسام الدين من المثنوي تشبه بعض الشبه مكانة شمس الدين التبريزي في الديوان . وانظر ماذا يقول في مقدمة الجزء الأول في صفة حسام الدين ومكانته عنده:
المثنوى
قسم جلال الدين كتابه الذي سماء المثنوي ستة أقسام ، وصدر كل قسم بمقدمة منشورة قصيرة . من هذه المقدمات الست ثلاث عربية هي مقدمات الأجزاء الأول والثالث والرابع . والأخريات فارسية
فأما مقدمة الجزء الأول ، وهي مقدمة الكتاب كله ، فقد وصف فيها كتابه وبالغ في الاشارة بة ، ثم بين دعوة صديقه حسام الدين إياه إلي نظم الكتاب ، وأشاد بحسام الدين وبيتة :
ونثبت هنا شذرات من قوله في كتابه ، ليتبين اعتداده ومقالاتة فيه . بدأ الكتاب بقوله : " هذا كتاب المثنوي ، وهو اصول اصول اصول الدين في كشف أسرار الوصول واليقين ، وهو فقه الله الاكبر وشرع الله الازهر ، وبرهان الله الاظهر , مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ، يشرق إشراقا انور من الإصباح ، وهو جنان الجنان ، ذوات العيون والاغصان ، منها عين تسمى عند ابناء هذا السبيل سلسبيلا ، وعند اصحاب المقامات والكرامات خير مقاما وأحسن مقبلا . الأبرار
فيه يأكلون ويشربون ، والأحرار منه يفرحون ويطربون ، وهو كنيل مصر شراب للصابرين ، وحسرة على آل فرعون والكافرين ، كما قال الله تعالى : " يضل به كثيرا ويهدي بة كثيرا ، وما يضل به إلا الفاسفين " . وإنه شفاء الصدور ، وجلاء الأحزان ، و كشاف القرآن ، وسعة الارزاق ، وتطيب الأخلاق ، بأيدي سفرة كرام بررة ، يمنعون بألا يمسه إلا المطهرون ، تتزيل من رب العالمين " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؟ . والله يرصده ويرقبه ، وهو خير حافظا وهو ارحم الراحمين وله القاب أخر لقبه الله تعالى ، واقتصرنا على هذا القليل ، والقليل يدل على الكثير ، والجرعة تدل على الغدير ، والحفنة تدل على البيدر الكبير"
وأما المقدمات الآخر فبعضها وصف للكتاب ، ونصيحة للطلاب . وقد بين في مقدمة الجزء الثاني الحكمة في تأخير نظمه بعد الفراغ من الجزء الاول وفي مقدمة الجزء الخامس بين الفرق بين الشريعة والطريقة والحقيقة
-٢-
والذي يلقي نظرة علي فهرس الكتاب يري ألوانا مختلفة من الآيات والأحاديث والحكم والقصص . وإليكم هذا المثال من فهرس الجزء الأول : تفسير رجعنا من
الجهاد الأصغر إلي الجهاد الاكثر- مجيء رسول الروم إلي عمر - إضافة آدم عليه السلام الذلة إلي نفسه سؤال سبب ابتلاء الروح - قصة الببغاء والتاجر تفسير بيت العطار . الخ - تعظيم السحرة موسي حين رمي العصا -بيان حديث إن سعدا لغيور الخ- مضرة تعظيم الخلق والشهرة - تفسير ما شاء الله كان - قصة الرامي الهرم الذي ذهب يرمي حسبة في المقارير - حديث إن لربكم في أيام دهركم لفحات.
وفصول الكتاب لا يستقل بعضها عن بعض ، بل يؤدي الاستطراد من واحد إلي الآخر ؛ وربما يبدأ القصة ثم يستطرد إلي قصة أخري ثم يرجع ليكمل . وهو يأخذ القصة القصيرة يجعلها وسيلة إلي بيان مقاصده ويطول به البيان حتى يدع حوادث القصة ضئيلة خفية بجانب البيان أو الحوار الذي يبتغيه ، ومن أجل هذا يتبين القارئ ضعفا في القصص أحيانا أو اختلافا . وأني يبالي جلال الدين في استغرافه ووجده وهيامه بإحكام القصص والعناية بصوره ؟
وهو قوي البيان فياض الخيال بارع التصوير ، يوضح المعنى الواحد في صور مختلفة ، ويسوق المثل إثر المثل ، والمعاني تأتيه أرسالا ، والآلفاظ تواتيه انتيالا ، وبحر الرمل بطاوعه وهوا مسترسلا ، حتى ينظم حول القصة الصغيرة القصيرة مئات الأبيات ، فيستخرج منها ، ويصل بها ما يشاء من الآراء والنصائح والعظات والعبر . فقصة الأسد والوحوش والارنب التي أهلكته من قصص كليلة ودمنة نظم فيها زهاء خمسمائة بيت ، وسنذكر طرفا منها فيما يأتي . وقصة الببغاء والتاجر نظم فيها نحو ثلاثمائة بيت وهي قصة صغيرة الخ
وقلبه مفعم بالعشق الإلاهي ، ومستغرق فيه ، فكل شئ يذكر به وكل فكر يؤدى إليه ، فتراء يبتدي القصة التي
تحسبها بعيدة كل البعد عن العشق والاستغراق والفناء ، فإذا هو ينتهي إلي هذه المعاني ويغوص فيها . ذلكم مراده مهما يقل ، وتلكم قبلته انى توجه ، وغاية تصريحه وكتابته، وهو في عبوسه يكن السرور به ، وفي صمته يكثر القول فيه ، وإذا نفي فانما يثبته . بقول :
أنا غريق العشق الذي غرق فيه عشق الأولين
والآخرين
إذا ذكرت الشقة فهي شقة البحر ، وإذا قلت لا
فانما مرادي إلا
من السرور جلست عبوسا ، ومن كثرة المقال
قعدت صمودا .
بل إذا فكر في القافية وهو مستغرق في النظم نقله هذا الشاغل اللفظي إلي الحبيب المقصود . فبينا ثراء في قصة التاجر والببغاء مبينا في بيانه إذا هو يقول :
أفكر في القافية وحبيبي يقول : لا تفكر إلا في رؤيتي . اطمئن ايها الفكر في القافية فأنت قافية السعادة أمامي . ما الحرف فتفكر فيه ؟ إنه الشوك في جدار البستان ؛ إني أمحق القول والحرف والصوت لأناجيك بغير هذه الثلاث . أفشي إليك السر الذي أخفيته عن آدم باسر العالم الخ
وكل هذا البيان ، وكل هذا الفيض ، وهذه الحرقة ، وهذا الوجد يقصر عن تبين ما في نفسه ، فيشكو هذا القصور بين الحين والحين ، ويقف حائرا صائحا : اين الذي احسه وراء الصوت والحرف بل وراء الأسماع والأفهام .
مجملش كفتم له كردم من بيان
ورثه هم أفهام سوزد هم بيان
قد أجملت وإلا احترقت الأفهام واحترق البيان .
( للكلام ص )

