- 3 -
ولصاحب المثنوي مهارة وبراعة في تمضين الآيات والاحاديث والملاءمة بينها وبين الوزن بتغيير يسير مثل قوله :
وز ملك هم بايدم جستن زجو .. كل شئ هالك الا وجهه
بس عدم كردم عدم جون ارغنون .. كويدم إنا إليه راجعون
وقوله في حديث الشيطان في غزوة بدر :
كه أخاف الله مالى منه عون ... اذهبوا إني أري ما لا ترون
وقوله في فاتحة المثنوي :
عشق جان طور آمد عاشقا .. طور مست وخر موسي صعقا
ومن تضمين الأحاديث :
كوش من " لا يلدغ المؤمن " شتبد ... قول بيفمير بجان ودل كزيد
رمز الكاسب حبيب الله شنو .. أز تو كل در سبب كاهل مشو
-4 -
ويتخلل بعض فصول المثنوي أحيانا أشطار وأبيات عربية خالصة . ولا يخلو فصل من هذا الضرب ، ويندر أن يتوالي بيتان أو ثلاثة
ومن أمثلة الأبيات المفردة والشطور :
جمله كفتند أي حكيم بإخبر .. الحذر دع . ليس يغني من قدر
ناتواني دم مزن امدر فراق .. أبغض الأشياء عندي الطلاق
وادخلوا الأبيات من أبوابها .. واطلبوا الأغراض في أسبابها
ومن الأمثلة القليلة ما جاء في الجزء الثالث اثناء قصة وكيل صدر بخاري .
غن لي يامنيتي لحن النشور .. ابركي يإ ناقتى ثم السرور
إبلعي يا أرض دمعي قد كفي .. إشربي يا نفس وردا قد صفا
عدت يا عبدي إلينا مرحبا .. نعم ما روحت يا ريح الصبا
-5-
وقد افتتح الكتاب بحديث الناي . ووصفه وصفا
مبينا عن اثره في نفسه ، وجاعلا للناي بين المولوية مكانة وحرمة وقد ترجمت هذه الفاتحة إلي الانكليزية باسم " أغنية الناي "
وترجمتها إلي العربية منذ سنين . وهي ستة وثلاثون بينا . ويقول في الافتتاح :
استمع للناي غني وحكي .. شفنه البين طويلا فشكا
مذ نأي الناي - وكان الوطنا - .. ملأ الناس أنيني شجنا
أين صدر من فراق مزقا .. كي أبت الوجد فيه حرقا
من تشرده النوي عن أصله .. يبتغي الرجعي لغني وصله
كل ناء قد رآني ناديا .. كل قوم تخذوني صاحبا
ظن كل أنني نعم السمير .. ليس يدري أي سر في الضمير
إن سري في أنبي قد ظهر .. غير أن الأذن كلت والبصر
ليس بين الجسم والروح حجب .. لكن الروح علينا تحتجب
ان صوت الناي نار لا هواء .. كل من لم يصلها فهو هباء
هي نار العشق في الناي تثور .. وهياج العشق في الخمر يفور
إلي أن يقول :
ومن العشق وأني يحمل ؟ .. رقص الطود وخف الجمل
عشق الطود أجل قد عشقا ... فهوي إذ خر موسي صعقا
لو تسني من تديم لي فم .. قلت كالناى حديثا أكتم
صمت البلبل عن ألحانه .. حين ولي الورد من بستانه . الخ
٦ - الديوان
واما الديوان الذي سماه ديوان شمس تبريز وعرف باسم ديوان شمس الدين التبريزى فقن اخر من النظام ؛ هو قصائد متفرقة ، كل واحدة مستقلة عن الأخريات ، أعني
أنها نظمت للإبانة عما جال في ضمير الشاعر حين نظمها ، واختير لها وزن خاص وقافية , ولم يرد ان تكون مقدمة لمنظومة أخري أو مكملة لها ، وإن كانت المعاني متشابهة متقاربة أو متماثلة وهي فيض في العشق والفناء وغيرهما من المطالب العالية في نحو ستة وأربعين الف بيت .
والفرق بين المثنوي والديوان ان الأول منظومة واحدة في وزن واحد ونظام واحد من الثقفية ، وفيها تعليم بين تفسير آية أو شرح قصة أو ضرب مثل ، وان كان هذا كله متصلا بمقصده الأخير : حب الله والفناء فيه فجلال الدين في المثنوي استاذ معلم مختلف الاساليب ، يخاطب وينصح ويعظ ، وينتقل بتلاميذه من فن إلي اخر ، ويغلبه الوجد بين الحين والحين فيرمي في البحر الذي لا يعرف سابحة أو غريقه ساحلا .
وأما الديوان فهو كما أسلفنا قصائد قصيرة يغلب فيها فورة الشعر وخياله . فهو من هذه الناحية اعلي من المثنوي وأدق ، وأدخل في الشعر
ويكثر فيه الرمز ، ويجود فيه التصوير ، ويعني كذلك بالصناعة اللفظية أحيانا ، ويردف القافية ويلزم ما لا يلزم
على حين يظهر في المثنوي كثيرا أثر الأملاء المرتجل والثورة التي لا تتريث للترتيب والإحكام
-7-
وهذا مثال من الديوان يبين ما يكثر فيه من الرموز والإشارات
ابن خانه كه بيوستة درو يابك جفانست
أز خواجه بيرسيد كه ابن خانه جه خانست ؟ الخ هذه الدار التي لا تفتر فيها الالحان سل وبها أي دار هذه إن كانت الكمية فما صورة الضم هذه ؟ وإن كانت دير المجوس فما هذا النور الالهي ؟ في هذه الدار كنز يضيق به العالم ، وإنما هذه الدار وهذا السيد ) رب
الدار ( فعل وذريعة لا تضع على الدار يداً فما هي إلا طلسم - ولا تكلم السيد فقد أفني الليل سكرا تراب هذه الدار وقمامتها مسك وعنبر وعطر كل سطحها وبابهما شعر وألحان . فمن وجد سبيلا فيها فهو سلطان الأرض وسليمان الزمان
أيها السيد أطل علينا من الشرفة مرة فان في خدك الجميل أمارة من الاقبال
أقسم بروحك أن ما عدا رؤية وجهك ، ولو كان ملك العالم ، حيال وخرافة تحير البستان اي ورق وأي زهر ! وولهت الطير أي شبك وأي حب
هذا سيد الفلك كالزهرة والقمر , وهدى دار العشق لا حد لها ولا نهاية
حينما أخذت مرآة الروح صورتك في القلب تدلت في القلب طرتك كالمشط .
إن سكاري الله واحد وإن كانوا ألوفا . وإن يكن من سكاري الهوي واحد فهو اثنان - اقتحم غاب الأسد ولا تخش الجراح فان الخشية والخوف ليسا من الرجولة .
ليس هناك جراح ، كل ما هناك رحمة ومحبة ، ولكن وهمك حجاب خلف الباب
لا تضرم النار في الغابة واصمت أيها القلب . أمسك لسانك فإنه لسان النار
٨ - آراء جلال الدين
شرح جلال الدين آراءه في المسائل الفلسفية والصوفية والدينية والأخلاقية في اكثر من اثنين وسبعين ألف بيت ، في المثنوي والديوان . ويتعذر علي الباحث أن يجمل آراءه ولو في المسائل الكبري ، فان مسألة واحدة منها تحتاج إلي مقال أو أكثر فقصاري المتكلم في مثل هذا المقام ان يعرض امثلة من
قوله في بعض المسائل . وأنا أعرض بعض أقواله في الروح وصلتها بالله ، وحنينها الدائم إلى موطنها الاول ، وفي تطور الموجودات وفنائها في الله . ثم اعرض ناحية من فلسفته العملية ، فأبين رأيه في القضاء والقدر ، والعمل في هذه الحياة . وانا في هذا اعرض صورة واحدة من صور شتى لمسائل قليلة من مسائل كثيرة جدا :
الروح من عالم آخر امتحنت بهذا السجن الأرضي ، وهي تسمع كل حين النداء من تلك الديار يقول في الديوان :
كل حين نسمع صوت العشق من يمين وشمال ها نحن ذاهبون إلي الفلك ، فمن يريد تسريح النظر ؟
كنا من قبل في الفلك ، كنا أصدقاء الملك وهنالك تعود ، فتلك ديارنا .
والحي أننا أعلى من الفلك ، واننا أكثر من الملك ، فلماذا لا نجتاز هذين ؟ إلا أن منزلنا الكبرياء
أين عالم التراب ، واين الجوهر الطاهر ؟ سنعود وإن هبطنا ، فما هذا لنا بمقام .
الجد الناضر رفيقنا ، وبذل الروح عملنا ، ودليل قافلتنا نحو العالم المصطفي
عرف هذا النسيم من ثنايا طرته ، ولالاء هذا الخيال من ضحى غرته
قد انشق القمر من وجهه ، فلم يستطع رؤيته ؛ سعد القمر بهذا الجد وهو السائل الصغير ، فانظر في قلوبنا كل لحظة شق القمر . .
جاء موج " ألست " ) ١ ( فحطم سفينة القالب ) البدن ( وإذا حطمت السفينة فهذه نوبة اللقاء
الخلق كطير الماء . خلقوا من بحر الروح ، وكيف يسكن إلي المقام هنا طائر ارتفع من ذلك اليم ؟
بل نحن در من ذلك البحر ، كلنا حاضر فيه ، وإلا فما هذا الموج المتتابع من ارواحنا ؟ إنه وصل اللقاء ، إنه حسن البقاء ، إنه اللطف والعطاء ، بحر صفاء في صفاء
ارتفع موج العطاء ، وسمع زخير البحر ، تنفس صبح السعادة ؛ لا . إنه نور الله .
الفناء في الله
وهو يتحدث كثيرا كما يتحدث كبار الصوفية عن فناء الانسان ، ويتكلم عن زوال الاثنينية ، و امحاء أنا وانت ، وهي فكرة شائعة في شعر ابن الفارض وغيره . ولكن جلال الدين يذكر الفناء في الله سبحانه في صورة أخري : يري أن العالم يرقي إلي الله ، حائلا من جماد إلي نبات إلى حيوان فانسان فملك ، ثم يفني في الله . وقد ذكر بعض الصوفية كعبد الكريم الجيلي صاحب " الانسان الكامل " ما يؤخذ منه ان الانسان صلة العالم كله بالله ، وهي فكرة جلال الدين في شكل آخر .
كرر هذا القول جلال الدين في المثنوي والديوان . يقول في قصة وكيل صدر بخاري في الجزء الثالث من المثنوي علي لسان العاشق الذي لا يبالي بالموت : " أز جمادي مردم وناي شدم " الخ
صرت ، إذ مت جمادا ناميا .. مت نبتا صرت حيا ساعيا
مت حيوان إذا بي بشر .. كيف أخشى الموت ماذا أحذر
ثم أغدو مائنا بين البشر .. طائرا في ملك لا أستقر
ليس لي إلا مسير نحوه .. كل شئ هالك الا وجهه
ثم أسمو طائرا فوق الملك .. ذاك فوق الوهم لا يخطر لك
ثم أفني والفنا كالأرغنون .. منشدي : إنا إليه راجعون
وقد كرر هذا في الديوان في القصيدة التي أولها :
هرننقش راكه ديدي جنسش زلامكانست
كرنتش رفت غم نيست اصلش جوجا ودانست فقال :
قد وضع أمامك منذ جئت عالم الوجود سلم للخلاص . كنت جمادا فصريت نباتنا ، ثم صرت حيوانا ، كيف خفي هذا عليك ؟
ثم صرت إنسانا ذا عقل وعلم وإيمان ، فانظر أى زهرة صار هذا الجسم الترابي ؟
وإذا جاوزت الانسان فلا ريب تصير ملكا ، فتترك هذه الأرض إلي السماء
جاوز الملكية أيضا ، وادخل ذلك اليم لتصير قطرتك بحرا هو مائة بحر
) للكلام صلة (

