الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 165 الرجوع إلى "الثقافة"

مولانا جلال الدين الرومى

Share

- ١ -

تكايا المولوية لا تزال قائمة في مصر والشام وكانت إلي عهد قريب كثيرة في أرجاء تركيا وكان لها عند القوم مكانة عظيمة . وكانت مشيخة الطريقة في قوتية حيث عاش ومات صاحب الطريقة . وكان للشيخ المسعى جابي قوتية منزلة عند السلاطين العثمانيين . وجرت سنتهم ان بقلد الشيخ سيف عثمان من يتولي الملك من أبنائه ونشأت تكايا المولوية كثيرا من كبار الصوفية ، وأخرجت أدباء كبارا ، وكان لها آثار شتى في العالم الاسلامي .

المولويون ينتسبون إلي " مولانا " وهو جلال الدين الرومي الصوفي الشاعر العظيم صاحب   الكتاب المثنوي " الذائع الصيت ، والعظيم الأثر في العالم الاسلامي الشرقي .

وقد روي عن الشاعر الصوفي الكبير عبد الرحمن الجامي بيتان معناهما : " إن كنت عالما بأسرار المعرفة فدع اللفظ واقصد المعنى : إن المثنوي المعنوي المولوي هو القرآن في اللسان الفارسي . ماذا أقول في وصف هذا العظيم ؟ لم يكن نبيا ولكنه أوتي الكتاب "

وقد شرح المثنوي كثيرا بالتركية والفارسية والعربية ، وطبع شرحه العربي في المطبعة الوهبية سنة ١٢٨٩ ، كما طبع في بولاق الكتاب نفسه وترجمته التركية التي نظمها الشاعر غيضي . ولا تزال هذه الطبعة أجمل طبعات المثنوي حتي يومنا وفي آخر هذه الطبعة ابات عربية لرئيس المصححين آخرها

وإن بدا كالبدر في كاله        وقد زها بالحسن طبعا وضعه

فصح وقل يا صاح في تاريخه    " المثنوي قد أتم طبعه "

وحساب الشطر الأخير بالجمل ١٢٦٨ ، وهو تاريخ

الطبع فقد أخرجت مطبعة بولاق أجمل طبعات المثنوي قبل ثلاث وتسعين سنة .

ولكن معرفة هذه البلاد بالمثنوي وصاحبه لم تزد في هذا القرن الذي مضي بعد طبع الكتاب إلا حين شرعت كلية الآداب تعلم الأدب الفارسي منذ خمسة عشر عاما . وقد زادت عنايتها بالآداب الفارسية وما فيها من التصوف ، وبالآداب الشرقية الآخرى ، فأنشئ منذ سنتين معهد اللغات الشرقية بكلية الآداب . والمثنوي يدرس اليوم لطلاب هذا المعهد .

وقد سبقنا المستشرقون إلي العناية بجلال الدين وشعره ، فترجم الكتاب إلي لغات أوربية عدة وكان أكثر الغربيين عناية به مستشرقو الانكليز . وقد بلغت هذه العناية غايتها بأعمال الأستاذ نكلسون الذي اتم أبحاثه الكثيرة في التصوف الاسلامي بترجمة المثنوي كله إلي الانكليزية ، وطبع الأصل الفارسي والترجمة .

-  2 -  

موضوع كلامي التعريف بجلال الدين الرومي ، والتعريف بأثره الخالدين : المتنووي والديوان ، وتبين مكانته في التصوف والشعر والآداب الاسلامية كلها

والكلام قسمان : الأول تاريخ جلال الدين وأسرته ، والثاني كتبه وآراؤه .

ذكر جلال الدين نفسه في القدمة العربية التي صدر بها المثنوي فقال : " يقول العبد الضعيف المحتاج إلى رحمة الله تعالى محمد بن محمد بن الحسين البلخي ، لم يزد على هذا في تسمية نفسه وتسمية أبيه وجده ويكاد الذين ترجموا لحلال الدين بجمعون على أنه بكري من ولد أبي بكر الصديق ، ومنهم من يذكر سلسلة نسبه إلي أبي بكر ، فيجمله محمد بن محمد بن الحسين بن أحمد بن محمود بن مودود ابن ثابت بن المسبب بن الطهر بن حماد بن عبد الرحمن بن أبي بكر . وروي عن شمس الآئمة الحلواني نسبة اخري

تصل جلال الدين بإبراهيم بن أدهم

ولا أود أن أطيل الوقوف على هذا النسب ، فليس يتسع المقام له ، ولا أريد أن أشارك المتنازعين في نسبه من الفرص والترك كما تنازعوا في ابن سينا وغيره ، فان هذه العصبيات أبغض شئ إلي هؤلاء الكبراء الذين نؤرخ لهم . وخير ما يقال في جلال الدين وأمثاله ممن نشأتهم الحضارة الاسلامية وغذنهم بمعارفها أن ينشد قول الشاعر :

أبي الاسلام لا أب لي سواه    إذا افتخروا بقيس أو تميم

وبعض المؤلفين يذكر جد جلال الدين باسم الحسين الخطبي بن أحمد الخطبي

والذي لا يرتاب فيه الباحث أن مولانا من أسرة بلخية نابهة . وليس لدينا ما يدعو إلي الارتياب في اتصالها بالمصاهرة بملوك خوارزم . تزوج حسين جد جلال الدين ملكة جهان بنت علاء الدين نكش خوارزمشاه ( ٥٦٨-٥٩٦ - ) ويقول الغالون في تعظيم هذا البيت إن هذا الزواج كان بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ولد من هذه الزيجة محمد بهاء الدين ولد ، وهو والد جلال الدين . ويروي ان الحسين أبا بهاء الدين توفي وابنه في الثانية من عمره ، فلما كبر بهاء الدين وتصدى للتعليم والوعظ ذاع صيته ؛ وأقبل عليه الطلاب من كل صوب ، حتى لقب سلطان العلماء - ويروي أن رسول الله لقبه بهذا اللقب .

يتفق الرواة على انه وقع نفور بين بهاء الدين وبين خاله ملك خوارزم محمد قطب الدين ( ٥٩٦-٦١٧) . وهو الملك الذي اثار التتار على البلاد الاسلامية من بعد ، فذهبوا بملكه وترك لابنه جلال الدين منكبيرني ملكا في ايدى التتار جالدهم عليه اثني عشرة سنة في المشرق والمغرب إلى أن قتل مخلفا على الخطوب سيرة لا تمحي

ويعزي النفور الذي وقع بين سلطان العلماء وملك خوارزم إلي غيرة الملك من مكانة الشيخ ، وبروي ان

خوارزمشاه أرسل إلي بهاء الدين يقول : " يري السلطان ان يترك ملكة لك ويذهب إلي بلاد اخرى " ، فأجاب بهاء الدين : " إن الملك يستهزيء بنا ويأخذنا بكلام الحاسدين . ولسنا في حاجة إلي ملكه الذي يعرضه علينا ،

فليطمئن الملك ، فسنذهب نحن . ثم أمر بالإعداد للسفر ، ولم يثنه عن السفر ندم السلطان ولا حزن العامة والمريدين . ثم رحل ومعه ثلاثمائة من تلاميذه ، وحمل معه احمالا كثيرة من الكتب ، وتوجه تلقاء بغداد سنة ٦٠٧ ، وابنه محمد جلال الدين في الرابعة من عمره ؛

فلما مر بنيسابور لقيه جماعة من العلماء منهم الصوفي الشاعر الكبير فريد الدين العطار . ويقال إن العطار بشر بهاء الدين بمستقبل عظيم لابنه ، وبارك على الطفل وأعطاه كتابه " إلا هي نامه " ) وهي منظومة صوفية طويلة فيها زهاء ستة الاف وخمسمائة بيت ، وقد طبعت في استانبول منذ سنتين - نشرها الأستاذ ويتر ( .

واصل بهاء الدين ورفاقه السفر حتى بلغوا بغداد ، فاستقبله جماعة من كبرائها وعلمائها فيهم الشيخ شهاب الدين السهروردي ، وانزلوه في المدرسة المستنصرية الى بناها الخليفة المستنصر بالله العباسي ، ولا يزال كثير من أبنيتها قائما مشرفا على دجلة ) والسهروردي الذي استقبل بهاء الدين ينبغي ان يكون أبا حفص عمر المتوفي سنة ٣٣٢ ، وأما السهروردي الكبير أبو النجيب فقد توفي سنة ٥٦٣ ( .

ولبث في بغداد حينا يعظ ويعلم ، ثم سار إلي الحجاز للحج ثم دمشق

وكانت له بعد رحلات في بلاد الروم ) الأناضول ( وأرمينية ، فأقام في أرزبجان بأرمينية وفي ملطية مددا مختلفة ، ثم انتقل إلي لارندة ) فرمان ( ، فأقام سبع سنوات يدرس في المدرسة التي بناها الأمير موسي .

ثم دعاء السلطان علاء الدين السلجوقي ٦١٦ - ٦٣٤  إلي مدينة قونية حاضرة ملكه ، فرحل إليها

سنة ٦٢٣ واستقر بها بعد رحلات استمرت زهاء ستة عشر عاما ، واقام في مدرسة التونيا وعلم بها حتى توفي ضحى يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ربيع الثاني سنة ٦٣٨

٣ - جلال الدين

ولد جلال الدين في بلخ سادس ربيع الاول سنة ٦٠٤ ه ، ورحل به ابوه وهو طفل في سن الرابعة . وصحبه في حله وترحاله ، وتزوج في مدينة لارندة ، وسنه إحدي وعشرون ، تزوج جوهر خاتون بنت لالا شرف الدين السمرقندي ؛ ومن هذه الزيجية ولد له ابناء علاء الدين وسلطان ولد . ويظهر ان جوهر خاتون لم تعش طويلا ، فتزوج بعد وفاتها اخرى عاشت بعده

توفي سلطان العلماء برهان الدين وعمر جلال ٢٤ سنة ، فخلف أباه على درسه فكيف درس جلال حتي تأهل لان يخلف سلطان العلماء في هذه السن ؟

لا ريب أن جلال الدين كان ذا مواهب نادرة وان مخابل الذكاء وأمارات التصوف بدت عليه في صباه ويروي أنه كان مجدا في تحصيل العلم لا يفتر في السفر والإقامة

وأما شيوخه فأولهم أبوه ، فلا ريب أن جلال الدين حضر درسه منذ أعدته السن للتلقي عنه . ويروي كذلك أنه تلقي العلم عن شيوخ في دمشق وحلب ، وانه أخذ التصوف عن برهان الدين الترمذي أحد أصحاب ابيه ، وعن صلاح الدين زركوب وحسام الدين جلبي ، ولا اعرف عن درسه وشيوخه اكثر من هذا

تولي جلال الدرس في أربع مدارس في قونية وكثر طلانه . واستمر على به مهج ابيه في درس العلوم الدينية بضع عشرة سنة ، ثم كان حدث غير وجهة جلال واثر في نفسه أثرا بليغا . ولست استطيع تأريخ هذا الحدث ، ولكني أرح أنه وقع وجلال الدين بين الخامسة والثلاثين

والأربعين من عمره ، وإن أرخه بعض الرواة تاريخا دقيقا : ٢٦ جمادي الثانية سنة ٦٤٢ .

ذلكم الحادث العجيب هو لقاء هذا الدرويش العجيب شمس الدين التبريزي ، فلا بد من وقفة على هذه المرحلة من تاريخ مولانا ، فعندها كان منعرج الطريق .

٤ - شمس الدين التبريزي

هو محمد بن علي بن ملك التبريزي . قيل إن نسبه ينتهي إلي كيابزركك اميد خليفة حسن الصباح شيخ الإسماعيلية ، وكان أبو شمس الدين من الاسماعيلية فخالفهم واحرق كتبهم ودعا إلى الاسلام في قلاعهم ، وأرسل ابنه شمس الدين إلي تبريز التلفي العلم

ويقال أيضا إنه ولد في تبريز وكان أبوه بزازا بها .

وأخذ التصوف عن شيوخ في تبريز وله سند في الطريقة يذكره بعض المؤرخين منهم دولتشاه السمرقندي صاحب تذكرة الشعراء

يقول دولتشاه إن شمس الدين كان في صباه جميلا رائعا حتى ربي بين النساء غيرة عليه ، ثم كثرت سباحاته حتى لقب " بروانه " أي الفراشة .

وكان قوي النفس ، جريئا مؤثرا في سامعية شديدا عليهم ، يلقب من بعضهم أحيانا بالثيران والحمير . وكان قليل الدرس فيما يظهر ، ولكن ثورة نفسه واعتقاده انه ملهم كانا يسحران من يلقاه

وقد وصفه الأستاذ نكلسون المستشرق الانكليزي في مقدمة كتابه الذي سماه قصائد مختارة من ديوان شمس تبريز ، وبين مشابهته سقراط في ثورته وقوته ، وان كلا منهما وجد من يعبر عن آرائه الخشنة بكلام بليغ رقيق .

ذلكم إجمال ما يروي عن هذا الصوفي العجيب الذي نقل جلال الدين من مدرس يعلم العلوم الدينية إلي صوفي منقطع للرياضة الصوفية ، ونظم الشعر وسماع الموسيقى . جاء شمس الدين إلى قونية ونزل في خان شكرريز ،

ويقال إن شيخه ركن الدين ارسله إلي جلال الدين ليدخله في الطريق الصوفي .

وتروي قصص عن اللقاء الأول بين جلال وشمس يراد بها تمثيل ما بين علماء الظاهر والصوفية من خلاف . وتبين سرعة تحول جلال الدين من هؤلاء إلي هؤلاء وتاثير شمس في جلال ، ونفوذه إلي سرائره ، وتمكنه في قلبه لا يحتاج إلي بيان ؛ فأشعار جلال الدين في المثنوي وفي ديوانه الذي سماه ديوان شمس تبريز ، فياضة بالحب

والاجلال والمبالغة في إعظام شمس والاعجاب به ، ولكن لا احسب جلالا يحول طفرة واحدة من العلماء إلي الصوفية ، فقد نشأ في بيت تصوف ، وأخذ عن شيوخ الصوفية ، ودل شعره على استعداد لها وميل إليها ، فلم يكن لقاء شمس إياه إلا إثارة للشوق الذي في نفسه ، وتأجيجا للحرقة التي في فؤاده .

أخذ جلال الدين يهجر درسه ويأنس إلي التبريزي ، ويخلو به  ويسابره في المنتزهات ، ورأي تلاميذ جلال الدين أن هذا الضيف العجيب أخذ يستبد باستاذهم ، ويصرفه عن سبيله ، ويحيد ، عن سنن العلماء ، فثاروا بهذا الدرويش ، واضطروه إلي ان يهرب من قونية إلي تبريز . ولكن جلال الدين لم يصبر عنه ، فذهب إليه وارجعه إلي قونية ويقال إنه خرج إلي دمشق أيضا ، فأرسل جلال الدين ولده فرجع ، إلي قونية .

ثم تقع ثورة يختفي بعدها التبريزي وتنقطع أخباره ، و تختلف الأحادث في أمره ؛ فيقال إن شرطة السلطان قتلتة ، ويقال قتله بعض تلاميذ جلال الدين ، وشارك في قتله علاء الدين بن جلال الدين . ويقال إن سلطان ولد الابن الثاني لجلال تقصي أخباره ، حتى أخرج جثته من بئر ودفنها . وفي قونية اليوم مزار لشمس الدين مشيد عليه قبة عالية . وكانت وفاة التبريزي فيها يظهر سنة ٦٤٥

- ٥ -

شغل جلال بالرياضة وتشغف باستماع الموسيقى والغناء ونظم الاشعار وإنشادها ، وردد اسم شمس الدين في كثير منها ، ونظم الكتاب المثنوي ، واجتمع إليه المريدون فراضهم على طريقته التى عرفت من بعد باسم المولوية .

واستمر على هذا إلي أن توفي مغرب يوم الأحد خامس جمادي الثانية سنة ٦٧٢ ، ورفن بجانب أبيه في القبة التي شادها له علاء الدين السلجوفي . ولا تزال قائمة في قونية . وقد زاد عليها سلاطين العثمانيين ابنية اتخذت تكية المولوية على الشكل الذي يرى اليوم في قونية

وكان جلال الدين رحمه الله معتدل القامة ، ليس بالبادن ولا النحيف ، وجهه مشرب بحمرة ، ثم نحف ومال لونه إلي الصفرة بطول المجاهدة

وترك ابنه سلطان ولد صاحب الأثر المحمود في الأدب التركي العثماني .

وخلف مولانا في مشيخة الطريقة إنفاذا لوصيته لحديثه ونجبه حسام الدين جلبي ، حتى توفي سنة ٦٨٣ ، فخلفه سلطان ولد إلى ان توفي سنة ٧١٢ ، وتداول حفدة الشيخ المشيخة ، وكل منهم يسعي جلى قونية إلي أن فصل الكماليون ما فعلوا بالطرق والتكايا وتكية قونية اليوم متحف فيه بعض مخلفات جلال الدين وحفدته ، وبعض الكتب .

( للكلام صلة )

اشترك في نشرتنا البريدية