سيدي الفاضل رئيس التحرير :
تحية واحتراما - وبعد فقد طالعت بمزيد الإعجاب المقالين المتتاليين عن الاراء والنظريات العلمية في تعليل مولد المجموعة الشمسية وهما المقالان اللذان نشرهما استاذنا الجليل الكرداني بك في مجلتكم الغراء . ولقد يتبادر إلى الذهن بعد قراءتهما ان احدث النظريات التي لا تزال قائمة لتفسير هذه الظاهرة هي النظرية المعروفة بنظرية المد لصاحبها السير جيمس جينز مؤلف كتاب النجوم في مسالكها وغيره .
وكان الأمل كبيرا في أن نري استاذنا الجليل يتم البحث بذكر ما استجد بعد النظرية المدية من آراء ونظريات ، أو على الأقل كنا نود منه الا يقطع برأي حاسم في صلاحية هذه النظرية بعد ما قام بعض العلماء بدحض
ما جاء فيها من أساسها كما قضوا من قبل على نظرية لا بلاس المعروفة وكما سنبينه بعد . وها نحن نذكر النظريات الأخرى الا كثر حداثة من النظرية المدية تلك التي مضي على نشرها ثلاثون عاما ، سنسرد هذه النظريات والأراء التي استجدت مع الإيجاز التام الملائم لمجلة ادبية تمس النواحي العلمية مسا رفيقا للتثقيف لا للتنقيب .
فأولا : نظرية الدكتور لتلتون ونشرت في إبريل عام ١٩٣٦ في محلة انجليزية اسمها Monthly notices of the Rogal Astrosoc . وخلاصتها انه لم تكن هناك شمس واحدة مفردة بل شمس ) او نجم ( مزدوج ، تهشم منه رفيقه او توأمه بإقتراب نجم عابر وتكون من ذلك الهشيم السيارات وتوابعها . فالنجم العابر والذي افترضه جينز لم يخلق ألسنة سيجارية نازية ، بل أخرج - في رأي لتلتون التوم أو الرفيق الشمسي ليفسر ما على شمسنا اليوم من خدوش واضحة لا يمكن ان يخلفها لسان غازي قال به جينز
ثانيا نظرية الأستاذ جملر ونشرت في عدد يوليه سنة ١٩٤٢ من مجلة الاتحاد الفلكي البريطاني ) the journal
of the british astronomical assoc وخلاصتها ان كوكبة او حزمة نجمية قربت مبها الشمس ولم تقترب من الشمس ، اي أن الشمس هي المعتدية البادئة ، فكان نصيبها من هذا التدخل ان تمزقت بعض اجزائها واصبحت فيما بعد تمثل السيارات وتوابعها ؛ وهي تختلف عن نظرية جينز في شيئين : ان الاعتداء من الشمس ، وان الطرف الآخر ليس نجما بل مجموعة نجمية ، إذ ان اقتراب نجم من نجم نادر الحدوث جدا .
ثالثا : نظرية الاستاذ بيك ونشرت في عدد ديسمبر سنة ١٩٤٢ من المجلة السالفة الذكر وخلاصتها أن السديم الكبير الذي ظنه لابلاس قديما يشمل المجموعة الشمسية كلها لم يكن في رأي " يبك متمتعا كله بالحركة الدورانية كما ظن لابلاس ، بل إن الجزء الذي يدور هو جزء السديم الهامشي أو حافته - أما الشمس فهي مستقلة عنه . ثم تصور " بيك " ان الاجزاء الهامشية من السديم كانت واقعة تحت تأثير حركات عشواء ، ثم أخذت هذه الآجزاء تتجميع وتتكتل ، وانتظمت الحركات العشواء لوجود الكتلة الشمسية الكبيرة ، ونشأت من هذه السدم الهامشية السيارات والتوابع . وهذه النظرية تعديل كبير لنظرية لا بلاس القديمة وذلك تحاشيا لتفسير قلة سرعة دوران الشمس بالنسبة لسرعة دوران سياراتها ، الأمر الذي قضى قضاء مبرما على نظرية لابلاس .
رابعا : نظرية الكولونل أو جورت ونشرت في عدد يوليه سنة ١٩٤٣ من المجلة الفلكية السالفة الذكر . وخلاصتها ان الشمس قبل مولد المجموعة الشمسية كانت كما هي الآن ، وكان حولها مادة مبعثرة تمتد حتى إلي ما بعد مدار السيار بلونو آخر المجموعة الشمسية ، وكانت هذه المادة على شكل يشبه القرص السميك أخذ ينكمش بالبرودة ويقل سمكه ويدق حتى تألفت هذه السيارات وتوابعها
ودارت حول الكتلة الكبيرة وهي الشمس ، وذلك بفعل الجاذبية
والخلاصة : ان هذه النظريات الأربع التي سردناها بإيجاز هي احدث من نظرية جيمس جينز التي وجهت اليها اعتراضات شتى نسرد منها ما يأتي :
أولا : اعترف جيمس جينز بأن اقتراب النجم العابر من الشمس اخرج منها ألسنة غازية على شكل ألسنة ممتدة . و يتساءلون كيف تسني لهذه الالسنة الغازية ان تتكاتف وتتكتل ولم لم تتطاير في الهواء !
ثانيا : إذا فرضنا أن ألسنة صلبة تطايرت فما الذي حفظ غاز الإيدروجين مثلا إلى الآن من غير تكاتف حول معظم السيارات .
ثالثا : لقد دلت الاكتشافات الحديثة على وجود سيارين planets في مجموعات شمسية اخرى ، أولهما سيار قدر حجم المشتري ١٦ مرة ومقترن مع كوكبة bygnil ٦1 وسيار آخرأ كبر من السابق ومقترن مع كوكبة cphiuuein ٧٠ - فدل هذا الا كتشاف على ان هناك مجموعات شمسية أخري لسياراتها ، فهل - على رأي جينز - اعترضتها نجوم عابرة ؟
إن مسألة مرور نجوم عابرة ليست نظاما بل هي مصادفات إن اردنا تسامحا . فهل هذه المصادفات تخول لنا حق تفسير موالد المجموعتين الجديدتين التي كشفنا عنهما او المجموعات التى يمكن أن يكشف عنها الغد ؟
نشكر الأستاذ الفاضل على اهتمامه وتعليقه ونحب أن نذكر له ان ما كتبناه نقلا عن السيرجيمس جينز لم يكن هو ما نشره منذ ثلاثين سنة كما تصور حضرته او صور هنا ، وإنما نقلنا عن كتابة حديثة له بمجلة endeavourفي عام
١٩٤٣ وإن كنا لا نذكر الشهر الآن وأظن أن مثل هذا العالم الفاضل ) السير جيمس جينز ( ما كان ليستمر في التمسك بنظريته لو ان العلماء دحضوها أو قضوا عليها بالدليل والبرهان كما قرر الأستاذ الكاتب . ذلك لان كبار العلماء يرضخون دائما للحجج القوية ، فهم إنما يسعون وراء الحقيقة
ولا نزاع في ان لكل نظرية أو فرض جديد ما يؤيده كما ان له بعض نقط ضعف . ولو اردنا ان نجرح الاربعة الفروض التي ذكرها الأستاذ هنا لفعلنا ولكن المجال في هذه المجلة كما قال حضرته لا يتسع لتلك الدقائق ولا لإعادة الكلام لبيان أن بعض الاعتراضات التي ذكرها هنا لا ينطبق على ما ورد في مقالينا . على أننا لا نشك في أن الكلمة الأخيرة عن مولد النجوم لم يصل إليها العلم بعد . وإنما يري جينز لغاية سنة ١٩٤٣ ) ونحن اقرب إلى الأخذ بقوله إلى حد ما ( ان المشاهدات والحسابات تؤيد رايه أكثر من تأييدها آراء غيره ، تلك التي سردها الاستاذ واطلع عليها بغير شك السير جينز عند ما كتب ما كتب مما نقلناه عنه . ودليلنا على ذلك أنه يقول في آخر المقال الذي نقلنا عنه ردا على آخر اعتراض ورد في مقال الأستاذ ما يأتي :
" عند ما كان المظنون أن السيارات تكونت بفعل كتل تبلغ من الحجم أحجام النجوم الحالية كان من الواضح
أن الانتقاء المدى الفعال كان حادثا على جانب عظيم جدا من الندرة وان المجموعات التي تحتوي علي سيارات لا بد وأن تكون نادرة الوجود في السماء لكن يظهر لنا الآن ان عددا كبيرا من الالتقاءات المدية الفعالة قد حدث عندما ما كانت النجوم في أحجام أكبر من أحجامها الحالية بكثير ، ومن ثم يكون عدد المجموعات التي تحوي سيارات أكبر مما كان يظن العلماء من قبل ، فما حدث لشمسنا ليس بالأمر العادي أو المصير الطبيعي ، ولكنه أقرب إلى أن يكون عاديا وطبيعيا عما كنا نظن من قبل . وانه مصير لا بد وان يكون قد أصاب من النجوم عددا كبيرا نسبيا ، يبلغ الملايين . هذه الملايين من المجموعات تشبه مجموعتنا الشمسية وقد تحوي سيارات كأرضنا تماما . فإذا تساءلنا عما إذا كان قد نشأت على تلك الزميلات لأرضنا حياة كالتي نشأت عليها ، وعن السبيل الذي سلكته تلك الحياة ومقدار شبهها بالحياة التي نشأت على الأرض ، وقف العلم جامدا لا يحير جوابا ، فليس عنده من المعلومات ما يرد به على السائلين " .
أرجو أن يكون هذا التعليق على التعليق قد أقنع الأستاذ الفاضل بأننا لم ننقل رأيا قديما ولم نغفل الأراء الحديثة ولم تقطع بأن الكلمة الأخيرة في هذا الموضوع الخطير قد قيلت . والله الموفق .
