الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 376 الرجوع إلى "الثقافة"

مونتانى ...، Montaigne، لرلف والدو إمرسن، الكاتب والشاعر الأمريكي

Share

مونتانى هو أبو المقالة ومنشئها في الأدب الفرنسي، وهو الذي قيل فيه إن مقالاته كان لها أثر أي أثر في الأدبين الفرنسي والإنجليزي.

وإمرسن كاتب من كتاب المقالة البارعين، فليس أجدر بالكلام عن منشئ فن المقالة غير فارس من فرسان المقالة.

قال إمرسن: إن مونتانى هو  أكثر الكتاب صراحة في القول، وهو في الخلق الطيب قد أوفى على الغاية. وإن الحرية عنده لتحور غلظة وفظاظة، وكثيرا ما كان يلقى لوَّامه وعذاله بوابل من اعترافاته. وقد كانت الكتب في أيامه تكتب لواحد من الجنسين، وكانت تكتب -في الأعم الأغلب- باللاتينية.

من أجل ذلك كان مباحا لكتاب الفكاهة أن يترخصوا في القول ترخصا لا تحيزه أداب الكتاب الذين يكتبون اليوم لكلا الجنسين. وكان في كتابته يجيد عرض صوره كل الإجادة.

وما كان أحد ليستطيع أن يسيء الظن به أو يسيء القول فيه أكثر منه هو

فكان يدعي لنفسه كل رذيلة، وكان يقول من ظن في خيرا فليعلم أن ذلك الخير إنما جاءني خلسة واغتصابا.. وكان يرى أن ليس في الناس من لا يستحق أن يشنق خمس مرات أو ستا، وإنه في هذا الحكم لا يستثني نفسه. وهو يقول: إن من أراد أن يتقصى سيرة حياتي لواجد من قصص السوء خمس قصص على الأقل، شأني في ذلك شأن كل إنسان يعيش على ظهر هذه الأرض ولكن على الرغم من هذه الصراحة التي جاوزت كل حد فإن أحدا لا يشك مطلقا في نزاهة قصد مونتانى وحسن طويته.

و مونتانى هو القائل: "عند ما أحاسب نفسي حسابا عسيرا أجد أن الرذيلة تخالط أحسن الفضائل عندي وأقربها إلى الكمال". ونحن إذا تقصينا حياة مونتانى لوجدناه يوما قلقا سريع الغضب صعب الرضا يسب وبلعن، ويوما تجده يحادث البحارة ويكلم الغجر، ويلجأ في مخاطبتهم إلى ما اعتادوه من ألوان القول، ثم يغني غناءهم ويرقص على أهازيجهم. ويوما نجده قد لزم داره حتى أضرَّ به الثواء. ويوما نجده يجوب شوارع البلد تحت وابل المطر. ويوما نجده قد سئم مخالطة أصحاب الجاه والثراء حتى ليودّ أن يكون خلطاؤه من آكلي لحوم البشر، وكان يقول في ذلك:

كلما كان المرء أقرب إلي الهمجية كان أقرب إلى المستوى اللائق.

وأنت إذا أردت أن تقرأ شيئا في اللاهوت أو في النحو أو في الغيبيات فاقرأها عند واحد غير مونتانى.

أما مونتانى فيكتب لك ليذيقك طعم الحياة، حلوها ومرها، وهو يكتب ليجعلك تحس لذعات الحياة.

وهو لا يتردد في أن يكتب لك -في تفصيل دقيق- عن مرضه وعن رحلته التي ارتحلها إلى إيطاليا فذاق فيها من المرض كأسا مرة المذاق.

ومونتاني هو الذي كتب اسمه فوق صورته ورسم فوق اسمه ميزانا وكتب تحت الميزان الكلمات الآتية "ما الذي أعرفه أنا؟"

ومونتاني هو الذي يقول: إنه مما لا شك فيه أنى أعرف -معرفة مؤكدة- بيتي وغيطي، وأعرف أبي وزوجتي، وأعرف المزارعين كما أعرف حراث أرضي. وأنا أعرف صنف اللحم الذي أفضله كما أعرف شرابي المفضل.

وأنا أحب الأيام التي شابت نواصيها، وأنا أحب هواء الخريف كما أحب يرد الشتاء، ذلك لأني في خريف حياتي وقد وعن العظم مني واشتمل الرأس شبيا.

وأنا أحب الحذاء القديم الذي طال ترداده إلى الإسكان ما دام لا يحز قدمي، وأنا أحب الصحاب القدماء الذين لا يحرجونني، وأنا أحب الحديث السهل المرسل. ولذا أحمل عقلي فوق ما يحتمل وأجمله تغلي مراجله وأنا أتفلسف.

وماذا علي لوعشت في حدود طاقني الإمكانية (وبعد) فالمقالة عند مونتاني إنما هي حديث نفسه ونجواها، وهو إذا كتب لا يحفل كيف نجيء كلماته مادام ينظر فيما يكتب نظرة مذكرة. وقد كان هناك الناس يفوقون مونتانى في التعمق في

التفكير. ولكنك قلما تجد كاتبا يقارنه في الثروة الفكرية. ولن تجد مونتاني وما ما بليدا في تفكيره أو ينقصه الصدق في القول.

وإن أسلوب مونتاني في الكتابة هو أسلوب حديثه منقولا في كتاب.

وأنت إذا أمسكت بكلماته ووضعتها على المشرحة لوجدت الدم يسيل مها في حيوية دافقة. ذلك لأنها كلمات تتخلها أوعية دموية، وذلك لأنها كلمات تفيض منها الحياة..."   (عن الإنجليزية)

اشترك في نشرتنا البريدية