هب انك تؤلف زيدا وتأنس اليه وانك تفر من عمرو ولا تطيق مرافقته . ومع هذا فلا يحسن لك زيد ولا يسئ اليك عمرو ، واذا فحصت عاطفتك وساءلت نفسك لماذا يجذبك الاول وينفرك الثاني فانك غالبا لا تجد أسسا متينا يرتكز عليه احساسك . وربما يبدو لك من البحث العقلي النزيه انه يفيدك ان تستألف عمرا وتجتنب زيدا . فهناك دافع خفى يسكن باطننا ولا يفهمة عقلنا ويجعلنا نميل الى بعض منا ونشمئز من اخرين فيعمى بصيرتنا عن عيوب من نحبه وعن محاسن من نبغضه وقد يكون هذا الدافع الغريزى السبب الداعى لمعاهدات الود بين دولتين لا ترجع عليهما باى نفع . . انظر مثلا الى ما نالته فرنسا من ارتباطها بانقلترا منذ عهد بعيد ، وما نالها من معاداتها مع المانيا ... ومع هذا فهي تعلم انها لو عكست لاصابت .
واذا استفسرت من لهم قول في الموضوع وجدت من يقول لك ان ذلك شئ نفسانى وروحانى ... ولا اريد الخوض فى هذا الميدان الخارج عن نطاق هذا المقال وسيدور حديثنا حول المادة غير الحية والخالية من الارادة والاحساس والعقل . . فاذا مالت هذه المادة الى الامتزاج بغيرها او الى الاتجاه الكيميائي مع غيرها او الى التطور والانتقال من حال الى آخر ، فذلك لا يكون الا لاسباب معينة تؤول الى بنيتها الداخلية والظروف الخارجية المحيطة بها . ويمكن ان نكتشف هذه الاسباب وان ندرك الانقلابات الناشئة عنها قبل وقوعها .
ومن باب الاصطلاح سنسمى بـ " الالفة " ( Affinite ) ذلك الدافع الذى يجمع بين جسمين اما بالاختلاط (الفة " طبيعية ") او بالاتحاد المتين والتفاعل الكيميائي (ألفة "كيميائية ") - و " نشاط " المادة هو ما يجعلها تغير حالها وتؤالف المواد الاخرى . اما " الجمود " او " الفتور " فهو ما يجعلها بمعزل عن بقية المواد
محافظة على حالها ومستقرة فى نظامها - ولا بأس ان يراجع القارئ ما أتى في مقالي السابق حول بنية المادة (مجلة الفكر عدد ٥)
الالفة الطبيعية : هي الميل للامتزاج . فالسكر مثلا ينحل في الماء ومزجهما مائع رائق . فاختلط كل منهما بالآخر لوجود ألفة طبيعية بينهما . اما الزيت فهو لا يختلط بالماء ويطفو عليه فنقول ان هذين الجسمين خاليان من الالفة الطبيعية .
١) الامتزاج بدون حد : يمكن ان تكون قابلية جسمين للاختلاط فيما بينهما غير محدودة ومعناه انهما يمتزجان ويؤلفان مجموعا متجانس المظهر مهما كانت نسبة كليهما فى المزج فالاروحة مثلا يختلط بعضها ببعض في جميع الاحوال ومهما كانت نسبة كل منها فى الخلط . وحتى اذا طفا روح خفيف على روح ثقيل فهما لا يلبثان منفصلين الا قليلا وينتشر كلاهما في الاخر - ولا يمتزج من الموائع بدون حد الا ما قل وندر . فالماء والكحول مثلا يختلطان مهما كانت نسبتهما ولا يطفو أخفهما على اثقلهما وكل منهما ينحل فى الاخر وهو متعطش للامتزاج بالآخر بلا نهاية ، ولو سئل احدهما هل تشبع بالاخر لقال هل من مزيد ! وكذلك " الحلوين " (الفليسرين) والماء فهما يمتزجان بدون حد لكن بعد الخض القوى . اذا وضعنا هذين المائعين فى كاس فانهما ينفصلان ويطفو الماء على الحلوين كأن لا ألفة بينهما . ولا يزول سطح الفصل بينهما ولا يصير مزجهم متجانسا الا بعد خض شديد .
ومن الغريب انه يعسر الفصل بينهما بعد الاختلاط ، فكأن الحلوين يختار الماء فيمنعه من التبخر اذا ارتفعت الحرارة ومن التجمد اذا اشتد البرد . ويمكن استثمار هذه الخاصة فى عدة عمليات تطبيقية ، منها :
- زيادة الحلوين للحبر المعد للطوابع والخواتم وذلك لكى لا يتبخر ، - زيادة الحلوين للماء المعد لتبريد محرك السيارات (رادياتور) وذلك في فصل الشتاء (اذا اشتد البرد) ولكي لا يتجمد هذا الماء اثناء الوقوف .
٢) الامتزاج المحدود : خذ شيئا من السكر وضعه قطعة بعد قطعة في كاس من الماء وحركه بملعقة ولا تزد قطعة الا بعد انحلال القطعة التى سبقتها - فانك هكذا تزيد فى كمية السكر المنحل وفى حلاوة الماء - لكن هذه الزيادة
محدودة إذ يأتى حين تبقى فيه قطعة السكر على حالها ولا تنحل رغم الخض والتحريك - فنقول انك " أشبعت " الماء سكرا أو انك صيرت المحلول مشبعا - وبصفة عامة فالمحلول المشتبع هو الذي بلغت فيه كمية الجسم المنحل حدها الاقصى وقابلية جسم للانحلال فى مائع هى الحد الذى يشبع لتر واحد من هذا المائع
ان قابلية الاجسام للانحلال فى الماء تزداد غالبا بارتفاع درجة الحرارة ، فاذا أسخنت الماء بعدما اشبعته سكرا فانك تتمكن من زيادة شىء من السكر فيصير الماء " فوق المشبع " بالنسبة لدرجة الحرارة العادية ، فالحرارة تنمي الالفة بين الماء والسكر - واذا تبرد الماء ورجع إلى درجته الاولى فالكمية الزائدة من السكر ترسب وتتبلور . وهذه هي طريقة استحضار " التسكر المبلور " فى الصناعة .
ومن النادر ان تبقي قابلية جسم للانحلال فى الماء قارة مهما كان الطقس ، فالالفة بين الماء وملح الطعام مثلا لا تتغير بالتحمية او بالتبريد الا بشئ قليل لا يعتبر .
ان قابلية الاجسام للانحلال فى الماء فى درجة الحرارة العادية تختلف باختلاف هذه الاجسام وألفتها للماء درجات . فالصابون والملح مثلا ينحل كل منهما فى الماء لكن تعطش الماء الى الملح اشد من تعطشه الى الصابون (كمية الملح التى تشبع لترا واحدا من الماء اكبر من كمية الصابون التى تشبع نفس هذا الحجم من الماء )- وينتج عن ذلك اننا اذا اشبعنا الماء ملحا فالصابون لا ينحل فيه وكلنا يعلم ان الماء الملح غير صالح للغسل بالصابون ، وان احسن المياه للغسل هو ماء المطر الخالى من المواد المعدنية المنحلة . وكذلك اذا اشبعنا الماء صابونا ثم وضعنا فيه شيئا من الملح فالملح ينحل والصابون يرسب كأن الماء يطرد الصابون ليمتزج بالملح - وصانعو الصابون يعلمون انهم اذا القوا محلولا صابونيا في الماء الملح فالصابون يطفو ويتجمع على سطح الماء فيتمكنون من اقتنائه . وبصفة عامة اذا اختلفت قابلية اجسام الانحلال فى مائع اختلافا محسوسا فأكثرها ألفة لهذا المائع هو الذي ينحل بانفراده وتبقى الاجسام الاخرى راسبة وكذلك كلما دخل جسم (أ) فى محلول جسم (ب) فهو يطرده ويحل محله بشرط ان تكون الفة الماء لـ (أ) اكبر من الفته لـ (ب) فينحل (أ) ويرسب (ب) بعد ما كان منحلا
٣) الامتصاص والامتزاز : يمتص الورق النشاف الحبر ولايمتص الزئبق .
والفحم يمتص الاروحة ، ولذا يستعمل لعلاج انتفاخ المعدة والامعاء . والاقمشة منها ما تمتص الماء وتبلل ومنها ما ينزلق عليها الماء ولا يبللها فتكون صالحة للوقاية من المطر ...
ومن شروط الامتصاص ان تكون الفة طبيعية بين الجسم الماص والسيال االممتص ، وان تكون للجسم الماص مناتح عديدة يدخلها السيال الممتص ويستقر فيها . وقدرة الامتصاص لجسم بالنسبة لسيال هى الكمية القصوى التى يمكن لوزن معين من هذا الجسم ان يمتصها من هذا السيال .
فالامتصاص مظهر خاص للالفة الطبيعية اذ هو ينشأ عن انجذاب يجمع بين الماص والممتص . ولهذه الالفة مظهر آخر يماثله وهو " الامتزاز " . خذ كأسا مملوء ماء واقلبه كي تلقي الماء الذي يحويه . فانك بهذه العملية لا تفرغ الكاس من الماء على الاطلاق ولو بعد النفض إذ تبقى الكاس نديا . فجوائب الكاس مسكت طبقة نحيفة من الماء وجذبتها فبقيت ملتصقة بها ، وتقول ان الزجاج يمتز الماء - الامتزاز هو استقرار طبقة نحيفة من سيال على سطح مصقول خال من المناتح فصوف الجزة مثلا يقى الشاة من المطر لانه لا يمتز الماء ولكل ليف منه سطح ينزلق عليه الماء ولا يبلله . واذا غمر الصباغ ثوبا فى محلول ملون فكل مسد من هذا الثوب يمسك حوله غمدا من المادة الملونة وذلك بشرط ان تكون لهذا المسد قدرة امتزاز بالنسبة لهذه المادة . اما اذا لم تكن ألفة بين أمسدة الثوب والمادة الملونة فنحن نغمس الثوب فى محلول الشب قبل ان نصبغه وذلك لان المسد يمتز الشب والشب يمتز الصبغة .
الالفة الكميائية : نعلم ان الذرة تتألف من نواة تدور حولها كهيربات مرتبة على طبقات متوالية . وعند تاليف الذرة تقيم الكهيربات بهذه الطبقات وتعمرها بداية من اقربها من النواة ، ولا تاوى الى الطبقة الا بعد " اشباع " الطبقة التى تحتها . فالطبقة الاولى تشبع بكهيربتين ومعناه أنه لا يمكن لها ان تسكن اكثر من هذا العدد من الكهيربات . وكل من الطبقتين الثانية والثالثة تشبع بثمانى كهيربات .
والطبقة الرابعة تشبع في مرحلة اولى بثمانى كهيربات ثم فى مرحلة ثانية
يبلغ عدد كهيرباتها ثمانية عشر ثم فى مرحلة ثالثة واخيرة يصير عدد الكهيربات التى تحويها اثنين وثلاثين ...
الاشباع يدل على الاعتدال والثبات - الجائع يشتهي الطعام ويحاول تناوله وحتى افتكاكه ، ومن أكل فوق طاقته تالم بما فى بطنه واشتهى التخلص من الزائد عليه . اما الذى ياكل حتى يشبع فهو فى راحة واعتدال ولا يميل الى الاكل ولا الى قئ ما اخذه .
لنفرض ان عدد الكهيربات الكائنة في ذرة هو ما يلزم لاشباع جميع طبقاتها بدون استثناء ، لا شك ان هذه الذرة ثابتة فى نظامها ولا تميل الى تبادل الكهيربات مع ذرات اخرى ولا الى التشارك فيها . فهي حينئذ لا تتحد مع الذرات الاخرى سواء اكانت من جنسها ام من جنس آخر ، وتبقى منعزلة بانفرادها - فهى لا تؤلف غيرها بالاتحاد الكيميائي وتقول انها خالية من الالفة الكيميائية - وهذا النوع من العناصر يشمل الاروحة النادرة للهواء كالتمسن (الهليوم) الذي تحوى ذرته كهيربتين اثنتين على طبقة واحدة ، وكالنيون ( Neon) ) الذي نجد فى ذرته عشر كهيربات منها اثنتان على الطبقة الاولى وثمان على الطبقة الثانية ... ومن المعروف ان هذه الاروحة لا تشارك فى التفاعلات الكيميائية مهما كانت الظروف الخارجية .
اما اذا كان عدد كهيربات الذرة غير كاف لاشباع جميع طبقاتها فالطبقة الاخيرة (الخارجية) تبقى ناقصة غير مشبعة ، وتكون حينئذ الذرة مستعدة الى تبادل الكهيربات مع غيرها بالاخذ او بالعطاء . وهناك احوال ثلاثة
١) عدد كهيربات الطبقة الاخيرة اقل من نصف ما يلزم لاشباعها : ان ذرات الفلين (سود يوم) والمغانسان (منيز يوم) والشبين ( ألومنيوم) تحتوى ثلاث طبقات من الكهيربات - والطبقة الاخيرة التى تشبع بثمانى كهيربات تحمل كهيربة واحدة فى ذرة الفلين وكهيربتين فى ذرة المغانسان وثلاث كهيربات فى ذرة الشبين - ولا يحصل اشباع هذه الذرات الا باحدى الطريقتين التاليتين :
أ) اما بالمحافظة على الطبقة الثالثة وتعمير جميع البقاع الشاغرة بها وذلك بافتكاك ما يلزم من الكهيربات حتى يصير عددها ثمانية - وهذا عسير لكثرة هذه
الكهيربات اللازم اكتسابها - والأمر يعسر على القلين اكثر مما يعسر على المغانسان او على الشبين .
ب) واما بافراغ هذه الطبقة الثالثة من كهيرباتها والغائها والتخلص منها . وهذا امر يسير ، خصوصا بالنسبة للقلين ، وذلك لقلة هذه الكهيربات ولبعدها عن النواة فالميل الطبيعي حينئذ لهذه الذرات هو اعطاء الكهيربات لمن يريد افتكاكها منها .
٢) عدد كهيربات الطبقة الاخيرة اكبر من نصف ما يلزم لاشباعها : ان ذرات الضوأن (فوسفور) والكبريت والصفرن (كلور) تتألف من ثلاث طبقات من الكهيربات والطبقة الثالثة تحمل خمس كهيربات في الضوان وست كهيربات فى الكبريت وسبع كهيربات فى الصفرن - واشباع هذه الذرات يفرض اما افراغ الطبقة الاخيرة من كهيرباتها وهذا يعسر ، خصوصا على الصفرن ، وذلك لكثرة هذه الكهيربات ، واما تعميرها بما ينقصها من الكهيربات وهذا الامر يسير ، خصوصا بالنسبة للصفرن - والميل الطبيعي لهذه الذرات حينئذ هو افتكاك الكهيربات ممن هو مستعد لاعطائها - ونلاحظ ان هذا الميل متمم لميل النوع السابق من الذرات . وسنجد بلا شك ألفة كيميائية شديدة بين القلين والصفرن . وتفتك ذرة الصفرن من ذرة القلين الكهيربة الخارجية الوحيدة فتصير ذرة القلين ايجابية وذرة الصفرن سلبية وتنشأ بينهما قوة جذب تجعل منهما هباءة ملح الطعام وهي هباءة ثابتة ، سهل تأليفها وصعب تفكيكها .
٣) عدد كهيربات الطبقة الاخيرة يساوى نصف ما يلزم لاشباعها : ذرة الفحمن ( كربون ) تحوى ست كهيربات منها اثنتان على الطبقة الاولى واربعة على الطبقة الثانية . فلا يتم اشباعها الا باعطاء اربع كهيربات للتخلص من الطبقة الثانية او بافتكاك اربع كهيربات لتعميرها واشباعها وكلا الامرين عسير ، وفعلا فهذه الذرة لا تميل الى تبادل الكهيربات مع غيرها . لكنها تميل الى التشارك فى الكهيربات وتقترب من الذرة التى تؤالفها حتى تتقاطع طبقاتهما الخارجيتان وتبعث احداهما على خط التقاطع ما يلزم من الكهيربات لجعل الطبقتين مشبعتين . فذرة الموهن مثلا تحوى كهيربة واحدة على الطبقة الاولى واذا اقتربت ذرة
الفحمن من اربع ذرات من الموهن بحيث تجعل كل منها كهيربتها على خط التقاطع فيصير عدد الكهيربات ثمانية على الطبقة الخارجية للفحمن ومع هذا فانها لم تفتك الكهيربات من ذرات الموهن .
وهذا النوع من الاتحاد بين العناصر اقل متانة من التركيب الناشيء عن تبادل الكهيربات
النشاط والجمود : الاعتدال بالنسبة لمجموع مادى هو المحافظة على الحال والمميزات كالجنس والشكل واللون والحجم والضغط ودرجة الحرارة والموقع في الفضاء ... والبقاء على حال قار يفرض استقرار الظروف الخارجية المؤثرة على المجموع - اما اذا تغيرت هذه الظروف فالمجموع ينقلب حتى يصير في حال اعتدال جديد تسمح له الظروف الجديدة ان يستقر فيه - فالجسم الساكن يتحرك اذا دفعناه بسرعة ما أوسلطنا عليه قوة ، والحديد يصدأ اذا تركناه في الهواء الندي، والثوب المبلول يجف بنشره فى جو مشمس او مضطرب بالارياح ...
تتراكم الثلوج على قمم الجبال المرتفعة وذلك مادام قرس الشتاء مشتدا ، ثم تنصهر وتصير ماء عندما يفتر الجو بشمس الربيع ، وتنحدر المياه على جوانب الجبال تحت تأثير الثقل وتكون انهارا ثم تنصب في بحر او في بحيرة . وعندما يشتد قيظ المصيف يتبخر الماء ويصير سحابا تسير به الرياح نحو جو بارد يتقطر فيه .....
وهكذا يتجول الماء في الطبيعة بفضل تغيرات الجو . كل هذه الانقلابات " طبيعية" لانها لا تغير كنه الماء . اما تصدؤ الحديد وإحالة الحجر الى كلس في فرن الجير وتفكيك الماء بالتيار الكهربائي ... فهى انقلابات كيميائية .
اذا طرأ انقلاب على مجموع مادى نقله من حال ( أ ) الى حال ( ب ) وذلك بتغير الظروف الخارجية . والانقلاب طبيعي اذا وقع - بطبيعة الحال - بمجرد تغير الظروف وبدون تداخل الانسان - والحال النهائي ( ب ) في الأنقلاب الطبيعي اثبت من الحال البدائي ( أ ) بالنسبة للظروف الجديدة . فالانقلابات في الكون تسير بالمادة من احوال الى احوال اثبت واوطد ، والحال الثابت هو الذي يسهل استقرار المادة فيه . فاعتدال الجليد مثلا بجوار قطب من قطبي الارض امر طبيعي ويسير .
اما حفظه فى جو يتأجج حرارة فهو من اعسر المشاكل . والزيادة فى ثبات الاعتدال تنقص من نشاط المادة ، اى من استعدادها الى الانقلاب فالارض مثلا كانت قطعة من نار وكانت درجة حرارتها مرتفعة بما يعسر تصوره ثم بردت شيئا فشيئا فتألفت مركبات صار ثباتها على سطح الارض ممكنا بعد ما استحال . ثم تميعت بعض هذه المركبات بعدما كانت اروحة . ثم تجمدت بعض هذه الموائع وألفت قشرة الارض المعروفة التى لا يفوق سمكها اليوم مائة كيلو متر ... وبطن الارض مازال فى طور تاليف المركبات وتميعها وتجمدها وهذا الانقلاب البطيء مستمر وسيأتي يوم تتميع فيه جل الاروحة وتتجمد جميع الموائع فتصير الارض قطعة جامدة وتستقر جميع موادها فى حال دائم ثابت لا يتغير ، وينعدم منها النشاط فتموت كما مات القمر قبلها وكما ستموت الشمس بعدها ، . . وليطمئن القارىء فأجل هذا الموت مازال بعيدا ، وستفني اجيال عديدة بعد اخرى وسيزول كل حي على سطح الارض قبل ان يفقد هذا الكوكب كل نشاطه ويستقر في جموده الدائم .

