الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 339الرجوع إلى "الثقافة"

نباتاتنا، ماضيها وحاضرها ومستقبلها

Share

إن الزائر لمتحف فؤاد الأول الزراعى ، يجد من بين نباتات قدماء المصريين حيويا وبذورا وأعشابا محفوظة بعضها يمت بصلة إلى النباتات الحالية . وقد درج قدماء المصريين ، شأنهم فى ذلك شأن أى من الأجناس البشرية ، على أن يختاروا من النباتات أحسنها وأقواها ، وما نباتات الحاضر إلا نتيجة الانتقاء والتجربة فى الماضى . فالزراع من قديم الزمان ينتقون البذور من أقوى النباتات ، لتتكون أساسا فى الزراعة المقبلة ، وباستمرار الانتقاء ظهرت أنواع جيدة وانقرضت أخرى ضعيفة .

وفى العصور الغابرة لم يكن للأب أثر معروف ، فقد جهل الإنسان كل شئ عن التلقيح ، وبطبيعة الحال لم يعرف شئ عن الجنس النباتى ، ذكوره وإناثه ، ولا من أثر التلقيح . وظل علم الوراثة فى سبات عميق حتى جاء مندل فجرب واستنتج وخلط النباتات المختلفة فى صفاتها ، ولكن عمله فى مطمورا لم يشعر به أحد مدة طويلة إلى أن كشف ، فجنى العالم منه خير الثمرات ، وسيظل اسم مندل منقوشا على كل نبات يذكر من يجنى ثماره ببحوث مندل وتجاربه .

وفى القرن الحالى توصل العلماء إلى معرفة أسرار الوراثة ، فعرفوا تركيب الخلية ، وتوصلوا إلى أن النواة هى سر الأسرار ، فهى التى تتحول عند الانقسام إلى أجزاء سموها الصبغيات أو الكروموسومات ، وهذه ثابتة فى كل نوع نباتى ، عدا وشكلا . وعلى هذه الصبغيات تتراص وحدات الوراثة ((Genes)) وهذه الوحدات هى أساس الوراثة ، فإن أمكننا الجمع بين وحدات من نباتات مختلفة انتجنا أصنافا جديدة . فإذا اشتبك صبغى بآخر ثم حدث عند الاتصال أن يأخذ كل صبغى جزءا من الصبغى الآخر وتلا ذلك انفصال للصبغيات حصلنا على صفات جديدة نتيجة لهذا التركيب الجديد .

ولو أمكننا إحداث تغيير فى تركيب الصبغيات وما تحمله من وحدات وراثية أمكننا أن نحصل على أصناف جديدة تخالف أصولها . وظهور هذه الأنواع الجديدة هو ما نسميه بالطفرات . وحدوثها فى الطبيعة نادر ، ولكن العلماء تمكنوا من التغلب على ذلك بإحداثها صناعيا ، وذلك بتعاون علمى الوراثة وانقسام الخلية مع علم الكيمياء ، مما أدى إلى نشوء أصناف جديدة من أصول مختلف عنها ؛ ولا شك أن هذا سيصل بنا حتما إلى جيل نباتى يمتاز عن سابقه والانتقاء عامل مهم يبقى على الصالح ويقضى على غيره . فالعلماء يجربون ، فيحاولون التهجين ، كما يحاولون اللعب بالصبغيات . فهذه العوامل مجتمعة قد أدت إلى وجود أصناف ما كان لنا أن نتمتع بثمارها أو تركت لتسنتج بطبيعتها .

فالمعروف أن لكل نبات عددا محدودا من الصبغيات كما ذكرنا من قبل . وعند تكوين الخلايا الجنسية يحدث نوع من الانقسام فى الخلايا ، يؤدى إلى اختصار عدد الصبغيات إلى النصف ، فإذا كانت الخلية فى النبات مثلا تحتوى على أربعة وعشرين صبغيا ، فان الخلية الجنسية لهذا النبات تحتوى على اثنتى عشر صبغيا ، وعند حدوث الإخصاب واندماج الخليتين الجنسيتين ينتج الزيجوت الذى يكون النبات الجديد ، وتكون خلية الزيجوت وخلايا النبات الجديد تحتوى على أربعة وعشرين صبغيا وهكذا . وقد يحدث عند تكوين الخلايا الجنسية أن عدد الصبغيات فيها لا يكون نصف العدد الأصلى ، بل مساويا له وعلى هذا يحدث أحد احتمالين :

١ - يندمج الجاميط ذو العدد المساوى للعدد الأصلى فى النبات مع جاميط ، نصف العدد الأصلى وينتج نبات عدد الصبغيات فى خلاياه مساو لثلاثة أمثال العدد فى الخلية الجنسية .

٢ - يندمج الجاميط ذو العدد المساوى للعدد الأصلى مع جاميط مشابه له وينتج نبات تحتوى خلاياه على أربعة أمثال عدد الصبغيات فى الخلية الجنسية .

ومن الطبيعى أن النبات الجديد تكون جميع خلاياه

متشابهة من حيث عدد صبغياتها إلا عند تكوين الخلايا الجنسية . ولكن قد يحدث فى بعض الأحيان أن النبات يحتوى على نوعين من النسيج وكل نسيج له تركيب خاص من حيث عدد صبغياته . فقد وجدت درنات بطاطس تتكون من نوعين من الأنسجة ، الخارجية والداخلية . فالخارجية تنتمى لصنف من البطاطس والداخلية لصنف آخر ، ويغلف الأول الثانى كما يغلف القفاز يد الانسان . وقد بين ذلك اسيفا Asseyeva فى روسيا سنة ١٩٢٧ إذ أخذ درنة البطاطس التى من هذا النوع وأزال عيونها أى حيث تنمو البراعم . وبعد هذه الإزالة نشطت الأنسجة الداخلية فكونت براعم تخالف البراعم الخارجية . وينطبق ذلك على نوع من البطاطس يسمى Golden Wonder يتميز بقشرة سميكة بنية تغلف نوعا آخر يسمى Langworth ذا بشرة رقيقة بيضاء . وتتكون الطبقة الخارجية من طبقة من الخلايا أو طبقتين وقد تزيد على ذلك . فعند تكوين الخلايا الجنسية التى تتكون عادة من الخلايا التى تلى الطبقة الخارجية ، تلاحظ حدوث أحد أمرين :

١٠ - إذا كانت القشرة البنية أكثر من خليتين سمكا ، فان الخلايا الجنسية التى تتكون عادة من الطبقة التالية للطبقة السطحية تكون من نوع البنى السميك .

٢ - إذا كانت القشرة البنية سمكها خلية فان الخلايا الجنسية تكون من النوع الرقيق الأبيض .

ويلاحظ فى الحالة الثانية أن الصنف Langworth هو الذى يظهر فقط دون الآخر .

ولاشك أن تربية النباتات تساعد على حدوث طفرات إذ تتقارب النباتات فى الزراعة بعد أن كانت متباعدة فى بيئتها الطبيعية ، كما أن الطفرة النافعة تنتقى ويعمل على انتشارها على أن عامل الصبغيات وتغيير عددها له أكبر الأثر فى نشوء أصناف جديدة فنبات البريميولا ((Primula)) له أصناف تحتوى خلايا على ٢٤ صبغيا . والبعض الآخر٤٨ صبغيا . وهذا الصنف الأخير يتميز بضخامته وكبر أزهاره ، وقد ظهر هذا الأخير فى بداية القرن الحالى . وفى

نبات الكمثرى ظهر صنف جديد تحتوى خلاياه على ٦٨ صبغيا بدلا من ٣٤ . والصنف الجديد يمتاز بكبر ثماره وثقل وزنه ولذيذ طعمه. ففى هذين المثلين نلاحظ مضاعفة عدد الصبغيات ، وقد أدى هذا إلى وجود أصناف جديدة . ويلاحظ أن ضاعفة المدد فى حالة البريميولا نشأ من اندماج خلايا جنسية تحتوى على العدد الكامل من الصبغيات بدلا من احتوائها على نصف العدد كما هو المعتاد . أما فى الكمثرى فإن خلايا النبات العادية يتضاعف فيها عدد الصبغيات ، وعلى ذلك نجد أن عدد الصبغيات فى الخلية النباتية أربعة أمثال العدد فى الخلية الجنسية العادية .

وفى بعض حالات يكون عدد الصبغيات فى النبات ثلاثة أمثال العدد فى الخلية الجنسية . وقد ذكرنا ذلك فى أول المقال . ومثال ذلك أصناف التفاح . فالتفاح صنفان أحدهما تحتوى خلاياه على ٣٤ صبغيا . والآخر على ٥١ صبغيا . وهذا الأخير كما نعرف نشأ من اندماج خلية جنسية بها ١٧ صبغيا مع خلية جنسية تحتوى على ٣٤ صبغيا . ومعظم الأنواع المشهورة من التفاح تنتمى إلى القسم ذى الثلاث كميات من الصبغيات ( ٥١ ) .

ومن الطبيعى أن النباتات التى يحصل فيها زيادة فى عدد الصبغيات يزداد فيها عدد الوحدات الوراثية وتزداد الصفات الحسنة التى تتبع بها هذه الوحدات . ففى نبات الأذرة ظهر أن صبغيا يحمل صفار اللون وهذا اللون مرتبط بمقدار الفيتامين (أ) فإذا رمزنا لهذه الصفة بالرمز (ص ) فإن النباتات التى تحتوى على : ص ، ٢ ص ، ٣ ص تحتوى فى المتوسط على الفيتامين(أ) بالمقادير الآتية ٧,٥,٠٠٠٠،٢,٢٥ من الوحدات وفى التفاح وجدت أكبر نسبة من الفيتامين(ح) فى الصنف الذى تحتوى خلاياه على (٥١) صبغيا .

وعلى هذا نجد أن مضاعفة عدد الصبغيات فى النبات قد ساعد على وجود أصناف جديدة تتميز على سابقتها بوفرة محصولها وجودته ، بل وزيادة الفيتامينات التى هى الأساس فى نمو الإنسان نموا طبيعيا .

( للمقال بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية